تخطّي إلى المحتوى

الشاهد الذي لا ينام

بواسطة فريق ملهموقت القراءة ٥ دقائق
١قراءة

جريمة غامضة، باب مغلق، وضحية ماتت دون أن يترك قاتلها أثرًا واضحًا. لكن في مسرح الجريمة كان هناك شاهد صامت لم ينتبه إليه أحد... تفصيلة صغيرة بدت عادية، حتى اكتشف المحقق أنها تخفي مفتاح الحقيقة.

الشاهد الذي لا ينام

في الثالثة فجرًا، رنّ هاتف المقدم خالد نصار.

جريمة قتل في حي الزهور الراقي.

حين وصل إلى الفيلا، كان كل شيء هادئًا على نحو يثير الشك.

في الطابق العلوي، وجد فؤاد الصيرفي، تاجر العقارات الستيني، ممددًا على كرسيه داخل مكتبه. لا جرح في جسده، ولا بعثرة في المكان، ولا نافذة مكسورة.

والأغرب أن باب المكتب كان مغلقًا من الداخل.

قال الطبيب:

— الظاهر إنها أزمة قلبية.

لم يقتنع خالد.

اقترب من المكتب، وأخذ يتفحص المكان بعينيه.

وعندها رآهما.

فنجانا قهوة.

أحدهما فارغ تمامًا.

والآخر ممتلئ، لم تُلمس منه قطرة واحدة.

توقف خالد لحظة.

ثم قال:

— مين كان هنا؟

________________________________________

بدأ التحقيق من الدائرة الأقرب.

كان هناك ثلاثة أشخاص يمكن أن تكون لهم مصلحة في موت فؤاد.

شريف، ابنه الأكبر، كان غارقًا في الديون، وقد تشاجر مع أبيه قبل أيام بعدما رفض مساعدته ماليًا.

لكن شريف كان في نادٍ رياضي حتى منتصف الليل، وتؤكد كاميرات المراقبة ذلك.

أما عزمي، شريكه السابق، فكان بينه وبين فؤاد نزاع قضائي على أرض تساوي ملايين الجنيهات.

لكن عزمي كان خارج البلاد منذ أسبوع.

وبقي منير.

سكرتير فؤاد الخاص منذ خمسة عشر عامًا.

رجل هادئ، مرتب، يعرف مواعيد فؤاد وعاداته وحساباته أكثر من أي شخص آخر.

قال منير:

— أنا مشيت الساعة تسعة. الحاج فؤاد كان كويس جدًا.

سأله خالد:

— وكان لوحده؟

— أيوه.

— متأكد؟

— متأكد.

سجّل خالد الإجابة، ثم رفع عينيه إليه.

كان منير هادئًا أكثر مما ينبغي.

________________________________________

بعد ساعات، وصل تقرير السموم.

لم تكن أزمة قلبية.

كان فؤاد قد تناول مادة سامة قبل وفاته بوقت كافٍ، وتسببت في توقف قلبه بصورة تشبه الأزمة القلبية.

أعاد خالد النظر إلى المكتب.

لا أثر لعنف.

لا اقتحام.

لا شخص دخل في اللحظات الأخيرة.

قال الضابط المرافق له:

— يبقى القاتل كان موجود قبل الوفاة.

هز خالد رأسه.

— غالبًا.

ثم نظر إلى فنجان القهوة الفارغ.

— بس مين؟

________________________________________

عاد خالد إلى الفيلا في الصباح.

استجوب الخادمة، وفحص المطبخ، وسأل عن عادات فؤاد اليومية.

قالت الخادمة:

— الحاج كان بيشرب قهوته بعد العشا.

— وكان بيشربها لوحده؟

ترددت قليلًا.

— زمان كان بيشربها مع الأستاذ منير.

رفع خالد رأسه.

— زمان؟

— أيوه. بقاله شهر تقريبًا الدكتور منعه من القهوة. كان عنده مشاكل في القلب والضغط.

صمت خالد.

ثم سأل:

— ومنير كان يعرف؟

ضحكت الخادمة:

— يعرف؟ ده منير كان بيجيبله الدوا بنفسه كل ليلة.

خرج خالد من المطبخ واتجه إلى المكتب.

وقف أمام الفنجانين من جديد.

فنجان فارغ.

وفنجان ممتلئ.

ثم ابتسم لأول مرة.

________________________________________

طلب خالد من المعمل فحص بقايا القهوة.

لم تكن القهوة في الفنجان الفارغ مسممة.

أما الفنجان الممتلئ، فلم يكن فيه أي أثر للسم أيضًا.

قال الضابط:

— يبقى الفنجانين مالهمش لازمة.

رد خالد:

— بالعكس... ليهم لازمة كبيرة.

ثم سأل:

— مين شرب القهوة؟

قال الضابط:

— من الفنجان الفارغ، الشخص اللي كان قاعد هنا.

— ومين كان المفروض يشرب من التاني؟

لم يجد الضابط إجابة.

قال خالد:

— صاحب البيت.

ثم أضاف:

— لكن صاحب البيت بقاله شهر مش بيشرب قهوة.

________________________________________

راجع خالد كاميرات الفيلا.

لم يظهر أحد بعد خروج منير.

وهنا بدا الأمر أكثر تعقيدًا.

لو كان منير هو القاتل، فلماذا ترك وراءه فنجان قهوته؟

ولماذا وضع أمام فؤاد فنجانًا كاملًا، مع أنه يعرف أن الرجل لا يشرب القهوة؟

بدأ خالد يفكر في الأمر بطريقة مختلفة.

لم يكن الفنجانان دليلًا على كيف مات فؤاد.

بل دليلًا على من كان معه قبل موته.

والشخص الوحيد الذي يعرف أن فؤاد لم يعد يشرب القهوة هو من يعيش معه تفاصيل يومه.

منير.

لكن ذلك وحده لا يكفي.

________________________________________

طلب خالد مراجعة حسابات الشركة.

وبعد ساعات، ظهرت أرقام غريبة.

تحويلات صغيرة ومتكررة.

مبالغ لا تلفت الانتباه منفردة، لكنها خلال ثلاث سنوات وصلت إلى مبلغ ضخم.

كلها خرجت من حسابات مرتبطة بعقارات فؤاد.

وكلها مرّت من خلال موظفين كانوا يتبعون منير.

واجهه خالد.

ظل منير هادئًا.

— الحسابات دي مش معناها إني قتلت الراجل.

— عندك حق.

أخرج خالد صورة لفنجان القهوة ووضعها أمامه.

— بس دي معناها إن عندك سبب.

نظر منير إلى الصورة.

ثم قال:

— أنا كنت عنده الساعة تسعة ومشيت.

— عارف.

— يبقى خلصنا.

ابتسم خالد.

— لأ.

ثم دفع إليه تقريرًا آخر.

— لأن السم اللي قتله ما وصلش لجسمه عن طريق القهوة.

تغير وجه منير.

لأول مرة.

________________________________________

كان فؤاد يتناول دواءً معينًا كل ليلة.

وفي الليلة التي سبقت وفاته، كانت إحدى جرعاته قد استُبدلت بحبة مسممة.

لم يكن القاتل بحاجة إلى البقاء حتى لحظة الوفاة.

كان يكفيه أن يترك الدواء في مكانه، ويغادر.

لكن السؤال بقي:

كيف عرف القاتل أي دواء سيتناوله فؤاد تلك الليلة؟

رفع خالد عينيه إلى منير.

— لأنك أنت اللي كنت بتحضّرله الدوا كل ليلة.

صمت منير.

— ولأنك كنت تعرف إنه مش هيشك في الحبة.

ظل منير صامتًا.

ثم قال خالد:

— وفنجان القهوة أكد حاجة تانية.

— إيه؟

— إنك كنت آخر شخص جلس معاه.

أنزل منير عينيه.

تابع خالد:

— أنت قلت إنك خرجت الساعة تسعة، وإن الحاج كان بخير. لكنك ما قلتش إنك شربت معاه قهوة.

— نسيت.

— ما تنساش حاجة زي دي.

ثم اقترب منه وقال:

— خصوصًا إنك عارف إنه بطل يشربها من شهر.

لم يجب منير.

مرّت ثوانٍ طويلة.

ثم وضع خالد أمامه كشوف الحسابات.

— إحنا مش محتاجين اعترافك عشان نعرف إنك سرقت.

ثم أضاف:

— لكن محتاجين نعرف ليه قتلت.

انهار منير.

جلس على الكرسي، وغطى وجهه بيديه.

وبعد دقائق، قال بصوت خافت:

— لما الحاج اكتشف الحسابات... كان هيبلغ عني.

— فقتلته؟

أومأ منير.

— كنت فاكر إن كل اللي أخدته هيروح... وإن حياتي هتخلص.

رفع خالد عينيه إلى الفنجان الموجود على المكتب.

قال منير:

— قعدت معاه آخر مرة... وشربت قهوتي.

سكت قليلًا.

— حطيتله الدوا، ومشيت.

ثم نظر إلى خالد وقال:

— كنت متأكد إن محدش هيعرف.

رد خالد بهدوء:

— أنت نسيت حاجة.

— إيه؟

نظر خالد إلى صورة الفنجانين.

— إن القاتل ممكن يهرب من المكان... لكن التفاصيل ما بتهربش.

________________________________________

في صباح اليوم التالي، أُغلقت القضية.

وبقي الفنجانان على المكتب لبعض الوقت قبل أن يُنقلا ضمن الأدلة.

فنجان فارغ.

وفنجان لم يُشرب منه.

تفصيل صغير لم يلتفت إليه أحد في البداية.

لكنه كان الشاهد الذي قاد المحقق إلى الحقيقة.

ففي الجرائم، قد يكذب الإنسان، وقد يضلل المكان، وقد تختفي آثار كثيرة... لكن تفصيلة واحدة قد تظل صامتة حتى يأتي من يعرف كيف يسألها.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

الشاهد الذي لا ينام · ملهم