تخطّي إلى المحتوى

لا تفتح الباب بعد منتصف الليل

بواسطة فريق ملهموقت القراءة ٥ دقائق
٠قراءة

في بيتٍ قديم على أطراف قرية هادئة، تبدأ ثلاث طرقات غامضة كل ليلة بعد منتصف الليل. هناك قاعدة واحدة فقط: لا تفتح الباب، ولا تذكر اسمك. لكن عندما ينادي الطارق اسم حازم ثلاث مرات، يكتشف أن الخطر لم يكن خلف الباب فقط... بل كان يعرف عنه أكثر مما ينبغي.

لا تفتح الباب بعد منتصف الليل

حين انتقل حازم إلى البيت القديم في آخر القرية، كان أكثر ما جذبه إليه هو سعره الزهيد.

بيت واسع، وحديقة مهملة، وسور حجري قديم، وكل ذلك بنصف إيجار البيوت الأخرى.

كان السمسار يسلمه المفتاح حين توقف فجأة، ونظر إلى البيت خلفه، ثم قال:

— عندي لك نصيحة واحدة... لو سمعت خبط على الباب بعد نص الليل، ما تفتحش، وما تذكرش اسمك مهما حصل.

ضحك حازم.

— وليه يعني؟

لكن السمسار لم يضحك.

اكتفى بأن وضع المفتاح في يده وقال:

— بس اعمل اللي قلت لك عليه.

ثم انصرف بسرعة.

وقف حازم يراقبه وهو يبتعد، وقال ساخرًا:

— أهل القرى وحكاياتهم!

ودخل البيت.

________________________________________

مرت الليلة الأولى بسلام.

والثانية كذلك.

أما في الليلة الثالثة، فاستيقظ حازم على صوتٍ غريب.

طَق... طَق... طَق.

ثلاث طرقات.

هادئة.

متساوية.

على باب المنزل الأمامي.

جلس حازم في سريره وأصغى.

لم يكن هناك صوت رياح، ولا حركة أشجار.

ثم جاءت ثلاث طرقات أخرى.

طَق... طَق... طَق.

نظر إلى الساعة.

12:07.

تذكر كلام السمسار، فضحك في نفسه.

— أكيد حد بيهزر.

اقترب من الباب، لكنه لم يفتحه.

قال من خلفه:

— مين؟

لم يجبه أحد.

انتظر.

ثم سمع شيئًا جعل ابتسامته تختفي.

صوت تنفس.

تنفس بطيء وثقيل، قريب جدًا من الباب.

وضع حازم عينه على فتحة الباب.

لم يرَ أحدًا.

وبعد لحظات، سمع وقع خطوات تبتعد فوق الحصى.

نظر من النافذة.

الطريق أمام البيت كان خاليًا.

والأغرب أن الحصى لم يتحرك.

________________________________________

في الليلة التالية تكرر الأمر.

وفي الليلة التي بعدها أيضًا.

كل مرة عند 12:07.

ثلاث طرقات.

ثم تنفس.

ثم خطوات فوق الحصى.

ولا أحد.

بدأ حازم يشعر بأن الأمر تجاوز المزاح.

وفي اليوم التالي ذهب إلى مقهى القرية وسأل الرجل الذي يجلس بجواره:

— هو البيت اللي عند آخر القرية ده كان مهجور ليه؟

تغير وجه الرجل.

وقبل أن يجيبه، قال عجوز يجلس في الطرف الآخر:

— أنت ساكن فيه؟

أومأ حازم.

اقترب العجوز منه وخفض صوته:

— البيت ده كان بتاع واحد اسمه برهان.

— وماله؟

نظر العجوز حوله قبل أن يكمل:

— برهان كان راجل طيب. بيِفتح بابه لأي حد، حتى لو ما يعرفوش.

سكت لحظة.

— في ليلة من الليالي، سمع خبط بعد نص الليل.

— نفس الخبط؟

أومأ العجوز.

— ثلاث خبطات.

ابتلع ريقه وقال:

— وفتح الباب.

شعر حازم ببرودة تسري في ظهره.

— وبعدها؟

— الصبح لقيناه في بيته.

— مات؟

هز العجوز رأسه.

— لأ.

ثم اقترب أكثر وقال:

— كان عايش... لكن ما بقاش برهان.

ضحك أحد الجالسين بتوتر، لكن العجوز لم يلتفت إليه.

— كان بياكل، ويمشي، ويتكلم... لكن عينيه ما كانتش عينيه. وصوته كان بيتغير أوقات، وكان يقف بالساعات قدام الباب كأنه مستني حد يخبط.

سأل حازم:

— يعني إيه اللي حصل له؟

قال العجوز:

— محدش يعرف.

ثم أمسك ذراع حازم بقوة.

— لكن فيه حاجة عرفناها.

— إيه؟

— الطارق ما يعرفش اسم اللي جوه البيت... إلا لو سمعه منه.

ظل حازم صامتًا.

أكمل العجوز:

— عشان كده لو خبط عليك، ما تردش، وما تقولش اسمك. لو عرف اسمك، القاعدة بتخلص.

— أي قاعدة؟

نظر إليه العجوز في عينيه.

— ما تفتحش له إلا لو ناداك باسمك ثلاث مرات.

________________________________________

عاد حازم إلى البيت قبل غروب الشمس.

لأول مرة شعر أن المكان ليس بيتًا قديمًا، بل شيء ينتظر.

قرر الرحيل.

جمع ملابسه في حقيبة، ووضعها قرب الباب، ثم جلس منتظرًا الصباح.

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

11:59.

أخذ نفسًا عميقًا.

12:05.

12:06.

ثم...

12:07.

طَق... طَق... طَق.

لم يتحرك.

ظل جالسًا في مكانه.

جاء صوت التنفس من خلف الباب.

هذه المرة كان أقرب.

ثم قال صوت خافت:

— افتح.

أغمض حازم عينيه.

— مش هفتح.

سكت الصوت.

ثم جاءه السؤال:

— ليه؟

لم يجب.

اقترب الصوت أكثر من الباب.

— أنت عارف القاعدة؟

ظل حازم صامتًا.

ضحك الصوت ضحكة قصيرة.

ثم قال:

— طيب... أنا مش هطلب منك تفتح.

ساد الصمت.

وبعد ثوانٍ، قال:

— حازم.

فتح حازم عينيه.

تجمد في مكانه.

ثم جاء الصوت مرة ثانية:

— حازم...

ومرة ثالثة:

— حازم.

نهض حازم ببطء.

ثلاث مرات.

القاعدة تحققت.

لكن كيف عرف اسمه؟

وفجأة تذكر شيئًا.

في الليلة الأولى، حين كان واقفًا خلف الباب، سأل:

— مين؟

وفي اللحظة نفسها رن هاتفه.

كان قد رفع الهاتف ورد تلقائيًا:

— أيوه، حازم معاك.

تذكر أنه قالها بصوت واضح.

إذًا...

الطارق لم يكن يعرف اسمه.

هو الذي أعطاه الاسم.

________________________________________

سمع حازم صوت المقبض يتحرك.

ببطء.

مرة إلى اليمين.

ثم إلى اليسار.

تراجع خطوة.

كان الباب مغلقًا بالمفتاح.

لكن المقبض ظل يتحرك.

ثم سمع الصوت:

— أنت اللي قلت اسمك.

تراجع حازم أكثر.

— أنا ما فتحتش!

— بس رديت.

بدأ المقبض يهتز بعنف.

— والقاعدة ما قالتش إنك لازم تفتح من أول مرة.

اقترب الصوت من الخشب حتى بدا كأنه يهمس داخل أذنه:

— قالت بس إنك ما تفتحش... إلا لما أناديك باسمك ثلاث مرات.

نظر حازم إلى الباب.

ثم إلى نافذة المطبخ.

كانت بعيدة.

لكنه لم يفكر.

ركض إليها، فتحها، وقفز إلى الحديقة.

سقط على الأرض، ونهض حافي القدمين، وركض بكل قوته نحو القرية.

وخلفه...

سمع باب البيت يُفتح.

لم يلتفت.

ظل يركض حتى رأى أول مصباح في القرية.

________________________________________

في الصباح، عاد مع رجلين من أهل القرية.

كانت حقيبته ما تزال بجوار الباب.

أما باب المنزل فكان مفتوحًا.

دخلوا بحذر.

لم يجدوا أحدًا.

لا في الغرف.

ولا في الحديقة.

ولا في الطابق العلوي.

لكن على أرضية المدخل كانت هناك آثار أقدام مبللة تمتد من الباب إلى غرفة حازم.

ثم تتوقف أمام سريره.

قال أحد الرجلين:

— المطر نازل امبارح؟

هز حازم رأسه.

— لأ.

لم يقل أحد شيئًا.

جمع حازم أغراضه، وغادر القرية في اليوم نفسه.

وبعد أسبوع، باع البيت بأقل من نصف ثمنه لرجل جاء من المدينة ولم يصدق حكايات أهل القرية.

________________________________________

مر عام.

وفي أحد الصباحات، مر حازم بالقرية مصادفة.

كان البيت لا يزال واقفًا في مكانه.

لكنه لم يعد مهجورًا.

كانت الحديقة مرتبة.

والنوافذ نظيفة.

ورجل يقف أمام البيت ويسقي النباتات.

توقف حازم على الجانب الآخر من الطريق.

عرف الرجل.

كان المشتري الجديد.

رفع الرجل رأسه، ورآه.

ابتسم.

ثم لوّح له بيده.

تردد حازم.

لكنه لم يرد التحية.

ظل الرجل مبتسمًا.

ثم قال شيئًا لم يسمعه حازم من بعيد.

اقترب خطوتين.

فجاء الصوت واضحًا:

— حازم...

تجمد مكانه.

ثم ابتسم الرجل مرة أخرى.

— حازم...

ثم للمرة الثالثة:

— حازم.

لم يتحرك حازم.

لكن الرجل لم يعد واقفًا وحده أمام البيت.

فقد ظهر خلفه، عند باب المنزل، شخص آخر.

شخص يشبهه تمامًا.

وقف الاثنان جنبًا إلى جنب، يبتسمان له.

عندها أدرك حازم الحقيقة التي لم يفهمها في تلك الليلة:

الطارق لم يكن يريد الدخول إلى البيت.

كان يريد فقط...

أن يسمع اسمه.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.