من جارية في قصر السلطان إلى سلطانة على عرش مصر، تتبع الحكاية رحلة شجر الدر وسط الحرب ومكائد القصور. امرأة أخفت وفاة السلطان في لحظة مصيرية، وأسهمت في إدارة أزمة الحكم، ثم وصلت إلى العرش، قبل أن يقودها الصراع على السلطة إلى نهاية مأساوية.
عندما تُحكى لك قصة شجر الدر، لا تشعر أنك تستمع إلى حكاية من كتاب تاريخ؛ كأنك تراها أمامك، في زمنها، بين القصور والجيوش والخيول وأصوات المعارك. هكذا كان جدي يحكي لنا التاريخ؛ يعرف أين يبدأ، ومتى يتوقف، ومتى يترك السؤال معلقًا حتى لا نستطيع أن نترك الحكاية.
وحين قرر ذات يوم أن يحكي لنا عن شجر الدر، لم يبدأ من بدايتها أبدًا.
بدأ من اللحظة التي كان فيها السلطان يحتضر...
بينما كان السلطان يحتضر، لم يكن هناك وقت للحزن. خارج خيمته العسكرية في المنصورة، كانت الحرب مشتعلة؛ فجيش لويس التاسع يقف على أرض مصر، ودمياط في أيدي الصليبيين، وجنود السلطان ينتظرون أوامره، بينما في الداخل، اشتد المرض على نجم الدين أيوب حتى فارق الحياة.
أما شجر الدر، فكانت تعرف أن خروج الخبر من الخيمة لن يكون مجرد إعلان عن وفاة رجل حكم دولة. الحرب لن تتوقف بموته، لكن غيابه سيكشف فراغًا في قلب الدولة، وقد يمنح العدو فرصة لاستغلاله.
لذلك بقيت الخيمة مغلقة.
لم يخرج خبر الموت إلى الجيش، واستمرت الأوامر تصدر باسم السلطان، وظلت شؤون الحكم تسير، حتى استُدعي توران شاه، ابن السلطان، من حصن كيفا ليتولى الحكم.
كانت شجر الدر تحاول أن تمنح الدولة وقتًا؛ وقتًا حتى يصل الوريث، ووقتًا حتى لا يعرف العدو أن الرجل الذي يقاتله لم يعد موجودًا.
ووصل توران شاه، وتولى عرش أبيه.
وحين أصبح أمر السلطنة في يده، لم تعد هناك حاجة إلى كتمان خبر الوفاة.
لكن الخطر لم ينتهِ.
ففي المنصورة، كانت المعركة تشتد أكثر من ذي قبل.
لم يكن جيش لويس التاسع قد جاء ليبقى عند دمياط؛ كان هدفه التقدم نحو القاهرة. وبعد أن وصل الصليبيون إلى منطقة المنصورة، ظل الجيشان في مواجهة طويلة، يفصل بينهما فرع من النيل وتحصينات المدينة.
سرد مؤثر للأيام الأخيرة لبغداد قبل سقوطها أمام جيش هولاكو عام 1258م، من اقتراب الحصار إلى انتهاء الحكم العباسي في المدينة. حكاية تتجاوز وقائع المعركة لتتأمل كيف مهّد الضعف المتراكم لسقوط عاصمة كانت لقرون مركزًا للحكم والعلم والمعرفة.
شيماء الصاوي١قراءة
ثم جاء 8 فبراير 1250م.
عرف الصليبيون بوجود معبر يمكن أن يقودهم إلى مؤخرة المعسكر المصري. فعبر جزء من فرسانهم النهر، وكان يقود المقدمة روبرت دي أرتوا، شقيق لويس التاسع.
كان أمامه خيار أن ينتظر حتى تعبر بقية القوات.
لكنه لم ينتظر.
اندفع بفرسانه نحو المعسكر المصري، ففوجئت القوات الموجودة هناك بالهجوم، وقُتل قائدها فخر الدين بن شيخ الشيوخ في بداية الاشتباك.
ظن روبرت أن الطريق أصبح مفتوحًا.
فواصل التقدم نحو المنصورة.
دخل فرسانه المدينة، لكن المنصورة لم تكن أرضًا مفتوحة لفرسان مدججين بالسلاح. كانت الشوارع أضيق، والقتال فيها مختلفًا، والقوات المصرية بدأت تستعيد تماسكها بعد الصدمة الأولى.
وجد رجال روبرت أنفسهم بعيدين عن بقية الجيش، محاصرين داخل المدينة.
ثم انقلب المشهد.
تحركت القوات المصرية ضدهم، واشتد القتال في شوارع المنصورة، وقُتل روبرت وعدد كبير من رجاله، بينما كان لويس التاسع قد عبر النهر مع قواته، فوجد نفسه أمام مقاومة لم يكن يتوقعها بهذه الشدة.
استمر القتال، ولم يعد الهجوم الخاطف الذي أراده الصليبيون طريقًا إلى القاهرة.
وبحلول نهاية فبراير، وصل توران شاه إلى المنصورة ومعه إمدادات وتعزيزات.
أما الجيش الصليبي، فقد أصبح محاصرًا بعيدًا عن مصادر الإمداد، وانتشر فيه الجوع والمرض، وبدأت قوته تتراجع يومًا بعد يوم.
ثم أمر لويس التاسع بالانسحاب.
وفي الطريق إلى دمياط، اشتد الضغط على الجيش المنهك، حتى انتهى الأمر باستسلامه في فارسكور في أبريل 1250م.
وأُسر لويس التاسع، ملك فرنسا، ونُقل إلى دار ابن لقمان في المنصورة.
كانت مصر قد نجت من الخطر القادم من البحر.
لكنها كانت تتجه إلى خطر آخر، هذه المرة من داخل قصرها.
لم يحافظ توران شاه على العلاقة التي كانت لأبيه مع المماليك وشجر الدر. اشتد الخلاف، وتصاعد التوتر، حتى انتهى الأمر بمقتل توران شاه على يد المماليك.
ومات آخر سلاطين البيت الأيوبي في مصر.
مرة أخرى، لم يكن أمام البلاد وقت طويل للبحث عن حاكم.
وهذه المرة تقدمت شجر الدر إلى مكان لم تصل إليه امرأة من قبل في تاريخ السلطنة المصرية.
بويعت سلطانة.
ضُربت العملة باسمها، وخُطب لها على المنابر، وحملت لقبًا سلطانيًا ارتبط بابنها خليل.
المرأة التي جلست قبل أسابيع خلف ستار خيمة تخفي موت السلطان، أصبحت الآن هي السلطان.
لكن العرش لم يكن خاليًا من الأعداء.
رفض الخليفة العباسي المستعصم ولايتها، واعترضت قوى أيوبيّة في الشام، ولم يكن من السهل على العالم السياسي المحيط بمصر أن يتقبل امرأة على رأس السلطنة.
فلم يدم حكمها طويلًا، لكنها قررت التنازل عن العرش لعز الدين أيبك، وتزوجته، فكانت له السلطة أمام الناس، لكن شجر الدر احتفظت بنفوذ سياسي كبير، وظل لها دور مؤثر في إدارة الأمور.
خرجت من مقعد السلطان، لكنها لم تخرج من السياسة. ظل نفوذها حاضرًا، وظل أيبك في بداية عهده محتاجًا إلى هذا النفوذ، حتى بدأ الصراع بينهما يتغير.
كان كل واحد منهما يريد أن يملك زمام السلطة.
ثم أراد أيبك أن يتزوج ابنة بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، ليقوي مركزه السياسي.
وكان هذا بالنسبة إلى شجر الدر أكثر من مجرد مسألة داخل بيت؛ كان تحالفًا سياسيًا يمكن أن يغير ميزان القوة كله.
وفي سنة 655هـ، استُدرج أيبك إلى قلعة الجبل.
دخل الحمام السلطاني، ولم يخرج منه حيًا.
دُبر مقتله على يد خدم شجر الدر.
لكنها لم تملك وقتًا طويلًا لتدرك ما حدث.
انقلب القصر عليها.
تولى المنصور علي، ابن أيبك، السلطنة، وأصبحت شجر الدر نفسها أسيرة للانتقام.
وجاءتها جواري أم علي.
وانتهت حياة المرأة التي جلست على عرش مصر بالضرب حتى الموت.
أُلقي جسدها في خندق القلعة، ثم دُفنت في القاهرة.
لكن شجر الدر لم تبدأ حياتها فوق العرش.
بدأت قصتها جاريةً مملوكةً في قصر السلطان الصالح نجم الدين أيوب. ومع الوقت، ارتفعت مكانتها عنده، وأنجبت له ابنه خليلًا، فعُرفت بأم خليل، ولكنه مات صغيرًا.
لم يكن في تلك البداية ما يكشف الطريق الذي ينتظرها.
امرأة بدأت حياتها في قصر السلطان، ستجلس يومًا على عرش مصر، ويُخطب لها على المنابر، وتُضرب العملة باسمها.
ثم ينتهي بها الطريق، بعد سنوات من الصراع على السلطة، إلى الموت.
من جاريةٍ في قصر السلطان إلى سلطانةٍ على عرش مصر... كانت تلك هي شجر الدر.
درجة حجرية تحت الرمال تقود هوارد كارتر إلى مقبرة توت عنخ آمون، بعد سنوات من البحث والانتظار. حكاية مشوّقة تتتبع الاكتشاف بابًا بعد باب، من أولى خطوات الحفر إلى ظهور الكنوز الذهبية، وتكشف كيف فتح الإصرار طريقًا إلى عالم ظل خفيًا أكثر من ثلاثة آلاف عام.
رحلة تاريخية إلى حصار القسطنطينية عام 1453م، تتابع استعدادات السلطان محمد الثاني، وصمود أسوار المدينة، ونقل السفن العثمانية برًا إلى القرن الذهبي. سرد مشوّق لأحداث انتهت بسقوط العاصمة البيزنطية، وبداية مرحلة جديدة تحت الحكم العثماني.