قراءة في كتاب «الأيام» لطه حسين، تتتبّع رحلته من طفولة القرية إلى الأزهر والجامعة وفرنسا، وتتأمل جمال السرد بضمير الغائب، ودور التعليم والإرادة والمساندة في تشكيل تجربته الإنسانية والأدبية.
بواسطة فريق مُلهموقت القراءة 4 دقائق
2قراءة
اقرأ المقال
صبيٌّ يصغي إلى العالم فيتّسع أمامه
عند قراءة «الأيام»، ندخل إلى الطفولة من باب الأصوات: شاعر يروي حكاياته، وأهل يتحركون في البيت، ونداءات تصل من الطريق. ونشعر بالهواء على وجه صبيّ يحاول أن يعرف ما حوله، وبالسياج الذي يفصل بين عالمه الصغير ومساحة يتخيّلها بلا نهاية. هكذا يأخذنا طه حسين إلى بداياته، ويجعلنا نقترب من طريقته في إدراك الحياة.
في هذا الكتاب، يعود الأديب إلى الصبي الذي كانه، فيستعيد خوفه وفضوله ووحدته وأحلامه. ومن قرية في صعيد مصر إلى القاهرة، ثم إلى فرنسا، تتشكّل رحلة إنسان وسّع التعليم آفاقه، ومنحه الأدب القدرة على إعادة تأمّل تجربته ومشاركتها مع الآخرين.
طفولة تصنعها الحواس والخيال
وُلد طه حسين عام 1889 في قرية الكيلو بمحافظة المنيا، وفقد بصره في طفولته المبكرة. وحين استعاد تلك السنوات في «الأيام»، منح التفاصيل الصغيرة مساحة واسعة؛ فملمس الأشياء، وحرارة الهواء، وأصوات الأشخاص، عناصر أساسية في تكوين المكان.
في الصفحات الأولى، يبدو السياج القريب من البيت حدًّا لعالم الصبي. يتخيّل ما وراءه، ويتابع بأذنيه حكايات الشاعر الشعبي، ويضيق حين يُحرم استكمال الاستماع إليها. وهذه الرغبة المبكرة في متابعة الحكاية تكشف شغفًا بالكلمة، وقدرتها على حمل الإنسان إلى أماكن لا يستطيع الوصول إليها بنفسه.
ويستعيد الكتاب أيضًا مخاوف الطفولة التي غذّتها حكايات العفاريت والأصوات الغامضة في الليل. يرويها الكاتب من داخل إحساس الطفل، فيجعل القارئ يفهم كيف يمكن لصوت عابر أن يتحول إلى خوف كبير، وكيف يمنح مجيء الصباح شعورًا بالأمان.
إلى الأزهر: اتّساع المكان وثقل الوحدة
كان الانتقال إلى القاهرة خطوة كبيرة في حياة الصبي. حمل معه أمله في العلم، ووجد نفسه أمام مدينة يختلف إيقاعها عن إيقاع القرية.
يصف الطريق إلى مسكنه من خلال روائح الأزقة، وأصوات الباعة والعربات، وحرارة المقهى، وحركة الناس. ويكشف هذا الوصف عن براعة أدبية تجعل القارئ يسير معه خطوة خطوة، ويدرك مقدار الانتباه الذي تتطلبه تفاصيل قد يمر بها غيره دون تفكير.
وفي الأزهر، تعرّف إلى عالم الدروس والشيوخ والطلاب. غير أن شغفه بالمعرفة اصطدم بما شعر أنه تكرار يضيّق مساحة السؤال. كان يريد علمًا يوقظ عقله، ويمنحه فرصة للفهم والمناقشة.
وتحمل هذه الصفحات شهادة شخصية على تجربة تعليمية بعينها؛ فهي تعبّر عن علاقة طه حسين بما عاشه، وعن تطلعات فتى أخذ يبحث عن طريق يتسع لأسئلته.
الجامعة المصرية: حين صار السؤال بداية الطريق
مع ظهور الجامعة المصرية، وجد طه حسين احتمالًا جديدًا لحياته. ويسجّل الكتاب قلقًا مؤثرًا سبق التحاقه بها: هل تقبله الجامعة وهو كفيف؟ يكشف هذا السؤال أن العقبات لم تكن متعلقة بالدراسة وحدها، بل بالفرص التي يتيحها المجتمع للإنسان، وبما يتوقعه منه.
وحين بدأ حضور المحاضرات، أدهشته موضوعات جديدة وطرائق مختلفة في عرض المعرفة. حتى أسلوب مخاطبة الأستاذ لطلابه أثار انتباهه، وشعر بأن عالمًا أوسع ينفتح أمامه.
حصل على الدكتوراه من الجامعة المصرية عام 1914 عن دراسته لأبي العلاء المعري، ثم أوفدته الجامعة إلى فرنسا. وكان هذا الانتقال ثمرة سنوات من التحصيل والإصرار، وكذلك نتيجة وجود مؤسسة أتاحت له مواصلة التعلم.
فرنسا: مشقة التعلّم وقوة المشاركة
في فرنسا، اتسعت التجربة لتشمل لغة وثقافة وحياة يومية جديدة. وكان عليه أن يواصل الدراسة، ويتقن ما تتطلبه من لغات ومناهج، ويتعامل مع أعباء الغربة.
وتظهر في هذه المرحلة سوزان بريسو، التي أصبحت زوجته ورفيقة حياته. يمنحها الكتاب حضورًا عميقًا؛ فقد شاركته القراءة والدراسة، وأسهمت في تخفيف عزلته واستعادة ثقته بعلاقته بالناس والعالم.
ومن أجمل ما يرويه وصف الأيام التي جمعتهما حول الكتب: دراسة اللاتينية، وقراءة ابن خلدون والتاريخ والأدب الفرنسي. تبدو المعرفة هنا عملًا يوميًا يحتاج إلى وقت وصبر ومشاركة.
وانتهت رحلته الدراسية إلى الدكتوراه من السوربون ببحث عن ابن خلدون. لكن قيمة هذه الصفحات تتجاوز الشهادة العلمية إلى تصوير الجهد الذي سبقها، والعلاقات الإنسانية التي جعلت مواصلة الطريق ممكنة.
لماذا تحدّث عن نفسه بضمير الغائب؟
من أبرز سمات «الأيام» أن طه حسين يتحدث عن نفسه في مواضع واسعة بوصفه «الصبي» و«الفتى» و«صاحبنا». ويمكن قراءة هذا الاختيار بوصفه مسافة فنية بين الكاتب الذي يستعيد التجربة، والشخص الذي عاشها.
تتيح له هذه المسافة أن يتأمل مخاوفه القديمة، وأن يرصد اندفاعه وحيرته، وأن يعطف على نفسه أحيانًا ويسخر منها برفق أحيانًا أخرى. ويشعر القارئ أنه يتابع شخصية تتكوّن أمامه، دون أن ينسى أن وراءها حياة حقيقية.
كما يتيح الأسلوب حضور مستويين من الوعي: الطفل الذي يفهم العالم بحدود خبرته، والكاتب الناضج الذي يدرك دلالات لم يكن يعرفها آنذاك. ومن التفاعل بينهما تأتي مساحة كبيرة من جمال الكتاب.
ذاكرة لها إيقاعها الخاص
يمتاز نثر «الأيام» بالتكرار المقصود والجمل المتتابعة والإيقاع الذي يقترب أحيانًا من الحكي الشفهي. تعود العبارة إلى الفكرة، ثم تضيف إليها إحساسًا أو تفصيلًا، وكأن الذاكرة تختبر ما بقي لديها قبل أن تمضي.
ويظهر منذ البداية اعتراف بعدم اليقين في بعض الذكريات. وهذا يمنح القراءة عمقًا؛ فنحن أمام إنسان يعيد بناء ماضيه، ويختار منه ما يستطيع استحضاره وما يراه جديرًا بالرواية.
لذلك يُقرأ الكتاب بوصفه سيرة ذاتية ذات بناء أدبي، وشهادة شخصية على المجتمع والتعليم والعلاقات الأسرية. أما صورته عن العصر، فتكتسب معناها الكامل حين تُقرأ إلى جانب شهادات ومصادر أخرى.
إرادة تجد ما يسندها
تمنحنا رحلة طه حسين سببًا للإعجاب بالمثابرة، وتدعونا في الوقت نفسه إلى تقدير أثر التعليم والمساندة وإتاحة الفرص. فقد واجه فقدان البصر، والضيق المادي، والخوف من الرفض، ووجد أشخاصًا ومؤسسات ساعدوه على متابعة طموحه.
ومن هنا تظل «الأيام» قريبة من قارئها: لأنها تمنح الخوف والتردد مكانهما في رحلة النجاح، وتُظهر أن طلب المساعدة ينسجم مع قوة الإرادة.
وحين نغلق الكتاب، يبقى ذلك الصبي الذي يصغي إلى الحكايات خلف السياج حاضرًا في الذاكرة. اتسع عالمه خطوة بعد أخرى، حتى استطاع أن يمنح تجربته لغة تعبر الزمن، وأن يجعل من أيامه الخاصة مساحة يلتقي فيها قرّاء كثيرون بأسئلتهم وأحلامهم.