كيف نحسن الظن بالله حين تتأخر أمنياتنا أو لا تتحقق؟ مقال يتأمل حدود معرفتنا بالحاضر والمستقبل، وعلاقة الثقة بالله بالصبر والسعي، ورجاء ثواب الدعاء في الآخرة، مع خطوات عملية تعيننا على الطمأنينة وسط الحيرة والانتظار.
بواسطة عمرو عبد الهاديوقت القراءة 3 دقائق
2قراءة
اقرأ المقال
تتعدد أمنيات الإنسان؛ فمن الناس من يرجو الشفاء، ومن ينتظر وظيفة جديدة، ومن يسأل الله مالًا أو مولودًا. وقد نبلغ بعض ما نتمناه، وتتأخر أمنيات أخرى، أو تمضي الحياة دون أن تتحقق.
نحن نعرف ما نريده، لكننا لا نحيط بعواقبه. والله تعالى عالم الغيب والشهادة، يقدّر الأمور بعلمه وحكمته، وقد تخفى علينا الحكمة فيما نمرّ به. ومن هنا تأتي حاجتنا إلى حُسن الظن به، دون أن نجعل ثقتنا متوقفة على تحقّق أمنية بعينها.
كيف نحسن الظن بالله؟
حُسن الظن بالله هو الثقة بعدله ورحمته وحكمته، ورجاء فضله في السراء والضراء، حتى حين لا نفهم ما يحدث لنا.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» — متفق عليه.
ومما يعيننا على ذلك أن نتعرّف إليه بأسمائه وصفاته؛ فهو الرؤوف الرحيم، العليم الحكيم، يسمع دعاءنا ويعلم ما في قلوبنا. وكلما تأملنا هذه المعاني، وجدنا ما يسندنا وقت الحيرة والضعف.
نظرتنا المحدودة للحظة الحالية
ننظر أحيانًا إلى الأشياء من زاوية احتياجنا الآن؛ ففي وقت الوحدة، قد يدفعنا الخوف من المستقبل إلى التسرّع في قبول علاقة لا تناسبنا. وحُسن الظن بالله يعيننا على تهدئة هذا الخوف والتأنّي في الاختيار، دون أن نجزم بأننا سنبقى وحدنا إن فاتتنا فرصة.
وفي وقت ضغط العمل، قد نظن أن الاستقالة هي الحل الوحيد. وهنا تساعدنا الاستعانة بالله وطلب المشورة على التمهّل، وتقييم الخيارات المتاحة، واتخاذ قرار لا يحكمه ضيق اللحظة وحده.
ومع الوقت، قد ندرك تفاصيل كانت غائبة عنّا فتغيّر فهمنا، وقد تمضي حياتنا دون أن نعرف الحكمة مما حدث؛ فنستعين بالله على الصبر، وإن بقيت أسئلتنا بلا إجابة.
قالها بشأن أحداث لم يكن موسى يعلم حقيقتها، وفيها ما يدعونا إلى التمهّل في أحكامنا، والاعتراف بحدود معرفتنا.
الصبر يصاحبه سعي
قال النبي ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».
جزء من حديث رواه مسلم، رقم 2664.
من يمرّ بضائقة مالية يبحث عن العمل ويجتهد، ومن يعاني المرض يتابع العلاج ويسأل الله الشفاء. فالصبر يصاحبه الأخذ بالأسباب، والتوكّل على الله يعيننا على بذل الجهد وتحمّل مشقته، دون تكاسل أو تواكل.
أمنيات قد لا تتحقق في الدنيا
قد يدعو الإنسان بأمنية سنوات، ويبذل ما يستطيع من أجلها، ثم لا ينالها. لكن عدم تحقّق ما طلبه لا يعني أن دعاءه ضاع؛ فقد بيّن النبي ﷺ أن المسلم إذا دعا بما ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، أعطاه الله بدعائه إحدى ثلاث: أن يعجّل له ما دعا به، أو يدّخره له في الآخرة، أو يصرف عنه من السوء مثله. وهذا معنى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، الذي رواه أحمد.
لذلك، لا نحصر إجابة الدعاء في حصولنا على ما نتمناه؛ فقد يكون أثره في خير لا نراه، أو أجر نلقاه في الآخرة. ولا نستطيع الجزم بما وقع في دعاء بعينه، لكننا نرجو فضل الله ونثق بوعده.
ومن حقنا أن نحزن على أمنية لم تتحقق، مع الاستعانة بالله على الصبر، ومواصلة حياتنا والانتفاع بما بقي فيها من خير.
خطوات نمارسها في حياتنا اليومية
يمكن أن نترجم هذه المعاني إلى ممارسات بسيطة:
1. ندعو دون أن نحصر الإجابة في صورة محددة 2. نسأل الله ما نتمناه، وأن يقدّر لنا الخير ويرضينا به، ونترك توقيت الإجابة وكيفيتها لعلمه.
3. نراجع أحكامنا وقت الضيق 4. فقدان فرصة لا يعني انتهاء الفرص، وصعوبة الحاضر لا تكفي للحكم على المستقبل كله.
5. نختار خطوة نافعة نقدر عليها اليوم 6. نرسل طلب توظيف، أو نستشير صاحب خبرة، أو نلتزم بالعلاج، بدل أن يستهلكنا ترقّب النتيجة.
7. ننتبه إلى النعم الموجودة 8. نخصّص وقتًا لشكر الله على ما نملكه، حتى لا يحجب انشغالنا بما نفتقده كلَّ ما في حياتنا من خير.
9. نرفق بأنفسنا عند التعب 10. نمنحها الراحة، ونتحدث إلى من نثق بهم، ونطلب المساندة حين يثقل علينا الانتظار.
الخاتمة
حُسن الظن بالله يعيننا على أن نعيش بقلوب أكثر طمأنينة، حتى مع الحزن والخوف وبقاء بعض الأسئلة دون إجابة. نسعى فيما نقدر عليه، ونرجو فضله فيما لا نملك، ونحتسب عنده ما صبرنا عليه؛ فثقتنا برحمته تمتد إلى الدنيا والآخرة.