كيف نطبّق «الكلمة الطيبة صدقة» في زمن التعليقات؟ مقال عن قيمة الكلمة في الإسلام، ومسؤولية ما نكتبه، وأدب الاختلاف بعيدًا عن السخرية والتنمر.
بواسطة مُلهموقت القراءة 7 دقائق
0قراءة
اقرأ المقال
قبل أن تضغط «نشر»… تذكّر أن خلف الشاشة إنسانًا
تكتب تعليقًا سريعًا، ثم تواصل التصفح. ربما تنسى ما كتبته بعد دقائق، بينما يظل شخص آخر يتذكره طوال يومه. قد يعيد قراءته أكثر من مرة، أو يخفي بسببه صورة أحبها، أو يتراجع عن مشاركة تجربة كان متحمسًا لها. وعلى الجانب الآخر، قد تصل عبارة مشجعة إلى إنسان في لحظة تعب، فتمنحه ما يحتاج إليه ليحاول من جديد.
هكذا تتحرك الكلمات في حياتنا الرقمية: نرسلها بسهولة، لكننا لا نرى دائمًا أين تستقر، ولا ما تتركه في نفوس أصحابها.
لقد منحتنا وسائل التواصل قدرة واسعة على التعبير، وفتحت أبوابًا للتعلّم والتعارف وتبادل الخبرات. لكنها وضعتنا أيضًا أمام اختبار يتكرر كل يوم: كيف نستخدم هذه المساحة؟ وكيف نختلف وننصح وننتقد، دون أن نفقد الرحمة والعدل واحترام الآخرين؟
في خضم التعليقات المتسارعة، نستطيع أن نتوقف قليلًا، ونعود إلى قيمة أصيلة يذكّرنا بها الإسلام: للكلمة وزن، ولها أثر، وصاحبها مسؤول عنها.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾… توجيه نحتاجه كل يوم
يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. ورد هذا التوجيه ضمن الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وفيه تذكير بقيمة الإحسان في مخاطبة الناس واختيار الكلام الطيب عند التعامل معهم. quran.com
والإحسان في الكلام يظهر في تفاصيل قد نراها صغيرة: كيف نجيب من يسأل سؤالًا بسيطًا؟ وكيف نصحح معلومة يعرفها الجميع إلا صاحبها؟ وكيف نرد على شخص أساء فهمنا؟ وما الكلمات التي نختارها حين نغضب؟
يسهل علينا أن نتحدث بلطف مع من يحبنا ويوافقنا الرأي. أما الاختبار الأصعب فيأتي مع من يختلف معنا، أو يكرر سؤالًا أجبنا عنه، أو يعبّر بطريقة لا تعجبنا. في هذه اللحظات، يصبح حسن الكلام اختيارًا يحتاج إلى ضبط النفس، وإلى تذكّر أن اختلاف المعرفة والخبرة والطباع أمر طبيعي بين البشر.
قد يعرف الإنسان الإجابة الصحيحة، لكنه يقدمها بطريقة تُشعر السائل بالمهانة. وقد تكون لديه نصيحة نافعة، فيخلطها بالتوبيخ حتى يعجز صاحبها عن سماعها. وهنا يضيع كثير من الخير بسبب طريقة تقديمه.
إن العناية بالكلمات جزء من العناية بالناس؛ فالمعنى الطيب يستحق أسلوبًا يساعده على الوصول.
باب للصدقة لا يحتاج إلى مال
قال النبي ﷺ: «والكلمة الطيبة صدقة»، كما جاء في صحيح البخاري. يفتح هذا الحديث بابًا واسعًا للإحسان؛ فكلمة صادقة نافعة قد تكون مما يقدمه الإنسان لغيره من الخير. dorar.net
قد تكون هذه الكلمة شكرًا لمن بذل جهدًا، أو مواساة لمن يمر بفقد، أو تشجيعًا لمبتدئ، أو اعتذارًا يعيد إلى شخص شعوره بالاحترام. وقد تكون جوابًا هادئًا لشخص اعتاد أن يُقابل سؤاله بالسخرية.
وفي العالم الرقمي، تتاح لنا فرص كثيرة لذلك. شخص ينشر أول عمل له، وطالب يسأل عن طريق تعلّم، وأم تشارك تجربة مرهقة، وإنسان يكتب عن إخفاق يحاول تجاوزه. لا نعرف دائمًا مقدار الشجاعة التي احتاج إليها هؤلاء ليظهروا أمام الآخرين.
قد لا نملك حلًا لمشكلاتهم، لكننا نستطيع أن نخاطبهم بما يحفظ كرامتهم. وإذا كانت لدينا ملاحظة، أمكننا تقديمها بصدق ورفق. فالتشجيع لا يتطلب مديحًا مبالغًا فيه، والنصيحة لا تحتاج إلى قسوة حتى تكون جادة.
أحيانًا تكفي عبارة مثل: «بدايتك تستحق الاستمرار»، أو: «شكرًا لأنك شاركت تجربتك»، أو: «هذه نقطة يمكن تطويرها، وربما تساعدك هذه الطريقة». كلمات قليلة، لكنها تمنح الحوار مساحة أرحب.
حين تتحول السخرية إلى أذى جماعي
ينشر شخص مقطعًا، فيلاحظ أحدهم طريقة نطقه، ويكتب تعليقًا ساخرًا. يضيف آخر مزحة، ثم تتوالى الضحكات، وتُقتطع لقطة من المقطع، وتنتقل إلى صفحات أخرى. خلال وقت قصير، يصبح إنسان كامل بتجاربه ومشاعره وظروفه مادة للتسلية.
قد يرى كل مشارك أنه كتب سطرًا واحدًا فقط، لكن الشخص المستهدف يتلقى مجموع هذه السطور. ولهذا لا يصح أن نقيس أثر التعليق بحجمه وحده، أو بعدد الثواني التي استغرقناها في كتابته.
وتتكرر عبارة: «نحن نمزح»، كأنها تُنهي السؤال عن الأذى. بينما يحتاج المزاح إلى مراعاة الطرف الآخر، وإلى الانتباه لما قد يحرجه أو ينتقص منه. فليس كل ما يضحك الجمهور مقبولًا، وليس كل ما يعتاده الناس خفيفًا على من يقع عليه.
وتزداد القسوة حين تتعلق السخرية بأمور لا يختارها الإنسان، مثل ملامحه أو صوته أو إعاقته، أو حين تستهدف فقره أو أسرته أو ظروفه. هنا ينبغي أن نتوقف ونسأل: ما الفائدة التي أضيفها؟ ولماذا أحتاج إلى إضحاك الآخرين على حساب كرامة شخص؟
إن وجودنا وسط حشد ساخر لا يعفينا من مسؤولية الاختيار. نستطيع أن نمتنع عن المشاركة، وأن نرفض تداول المحتوى المؤذي، وأن نساند صاحبه بكلمة محترمة.
ما نكتبه يدخل في مسؤوليتنا
قد يشعر الإنسان أن الكتابة من خلف شاشة تمنحه مسافة من نتائج كلامه. فهو لا يرى وجه من يؤذيه، ولا يسمع صوته، وقد يستخدم اسمًا لا يعرفه أحد. لكن هذه المسافة لا تُسقط مسؤولية ما يكتب.
فالسب والافتراء والتشهير لا تصبح مباحة لأن وسيلتها تعليق أو رسالة. والغيبة لا يتغير معناها حين تنتقل من مجلس إلى مجموعة محادثة. ومن هذا المعنى نفهم أن مسؤولية الإنسان تشمل ما ينشره ويكتبه، كما تشمل ما ينطق به.
بل قد تتسع آثار الكلمة المكتوبة؛ إذ يمكن الاحتفاظ بها وإعادة نشرها وإيصالها إلى أشخاص لم يتوقع الكاتب أن يقرؤوها. وربما حُذف المنشور الأصلي، وبقيت منه صور يتداولها الناس.
ولهذا يستحق التوجيه النبوي: «فليقل خيرًا أو ليصمت» أن يكون حاضرًا ونحن نكتب أيضًا. فقد ورد في صحيح البخاري، وهو يضع أمام المسلم ميزانًا يراجع به كلامه قبل إخراجه. dorar.net
قد نكتب ردًا ونحن غاضبون، ثم نكتشف بعد قليل أننا بالغنا في اتهام شخص أو إساءة فهمه. ومن الحكمة أن نمنح أنفسنا وقتًا قبل الإرسال، وأن نعيد قراءة ما كتبناه حين يهدأ الغضب. فالتراجع عن عبارة مؤذية قبل نشرها أسهل من محاولة جمع آثارها بعد انتشارها.
النقد المحترم يحفظ الحق والكرامة
قد يتساءل البعض: هل يعني حسن الكلام أن نتجنب النقد، أو نسكت عن خطأ، أو نمدح ما لا يعجبنا؟
نستطيع أن ننتقد بوضوح، وأن نطالب بحقوقنا، وأن نرفض الإساءة، مع الالتزام بالصدق والإنصاف. والفرق يظهر في موضوع الكلام وطريقته.
حين نقول: «هذه المعلومة غير دقيقة، والمصدر يوضح كذا»، فنحن نناقش معلومة يمكن فحصها. أما عبارة: «أنت جاهل ولا تفهم»، فتهاجم الشخص، وغالبًا ما تدفعه إلى الدفاع عن نفسه بدل مراجعة ما قاله.
وحين نكتب شكوى من خدمة سيئة، يمكن أن نذكر ما حدث، ومتى حدث، وما الحل الذي نطلبه. يساعد هذا الوضوح على فهم المشكلة، ويحفظ حقنا في الاعتراض دون سب العاملين أو اتهام نياتهم.
كذلك، لا ينبغي أن نختزل إنسانًا في خطأ واحد. يمكن رفض تصرفه، مع ترك مساحة للاعتذار والتصحيح. فالناس يتعلمون ويتغيرون، وكل واحد منا يحتاج أحيانًا إلى من يصحح له دون أن يسحقه.
إعادة النشر مشاركة في الأثر
لا تنحصر مسؤوليتنا في الكلمات التي نؤلفها بأنفسنا. فعندما نعيد نشر اتهام، أو صورة محرجة، أو مقطع هدفه السخرية، فإننا نساعد على وصوله إلى آخرين.
وقد يندفع الإنسان إلى المشاركة لأن الخبر يوافق رأيه، أو لأن الجميع يتداولونه، دون أن يسأل عن صحته أو سياقه. وربما كان المقطع مجتزأ، أو الصورة قديمة، أو الاتهام بلا دليل.
قبل المشاركة، من المفيد أن نسأل: هل تحققت من المحتوى؟ هل أعرف سياقه؟ وهل توجد حاجة حقيقية لنشره؟ وهل يمكن أن أُسهم في ظلم شخص أو انتهاك خصوصيته؟
وتبقى المحادثات الخاصة أمانة تستحق العناية. فالغضب من شخص لا يمنحنا تلقائيًا الحق في نشر رسائله أو كشف تفاصيله. وعندما توجد إساءة تستدعي الشكوى، يمكن اللجوء إلى الجهات المناسبة وتقديم ما يلزم لها، مع مراعاة حدود الحاجة.
عادات بسيطة تغيّر طريقة حضورنا
يمكن أن يبدأ أدب التواصل من وقفة قصيرة قبل النشر. نراجع صحة ما نقول، ونحذف الأوصاف المهينة، ونفرّق بين ما نعرفه وما نظنه، ونسأل أنفسنا إن كان التعليق يضيف فائدة.
ويساعدنا أيضًا أن نتذكر أن النص لا ينقل نبرة الصوت وتعبيرات الوجه دائمًا. فقد تبدو عبارة عادية لنا حادة عند قارئها. لذلك، يستحق الكلام الملتبس أن نصوغه بوضوح أكبر، خصوصًا في النقاشات الحساسة.
وعندما نرى إساءة، نستطيع أن نختار تصرفًا نافعًا: الإبلاغ عنها، أو مساندة المتضرر، أو تصحيح الادعاء بهدوء. وليس ضروريًا أن نرد على كل استفزاز؛ فبعض النقاشات تتوقف فائدتها، ويصبح الانسحاب منها حفظًا للوقت والنفس.
وإذا أخطأنا، فباب الإصلاح مفتوح: نحذف الكلام المؤذي، ونصحح المعلومة الخاطئة، ونعتذر بوضوح. والاعتذار المسؤول يسمّي الخطأ ويعترف به، بدل أن يحمّل المتضرر مسؤولية تأثره.
اترك وراءك كلمة يطمئن إليها قلب
لن نعرف كل أثر تتركه كلماتنا. قد يقرأ أحدهم تعليقًا كتبناه وينساه، وقد يحتفظ به آخر لأنه جاء في وقت احتاج فيه إلى التشجيع. وقد تخفف عبارة رحيمة شعور إنسان بأنه وحده، دون أن يخبرنا بذلك.
ولهذا تستحق الكلمة الطيبة أن تصبح عادة في حضورنا اليومي، في البيت والعمل، وفي الرسائل والتعليقات. نستطيع أن نشكر بصدق، وننصح برفق، ونختلف بعدل، ونتوقف حين يغلب علينا الغضب.
وفي المرة القادمة التي تستعد فيها للضغط على «نشر»، تذكّر أن خلف الشاشة إنسانًا له يوم لا تعرف تفاصيله، وهموم لم يكتبها، ومحاولات قد لا تراها.
اختر له من الكلام ما ينفعه ويحفظ كرامته. فربما كانت تلك الكلمات القليلة صدقة منك، وأثرًا طيبًا يبقى عنده طويلًا.