تصل إلى مكتب المحقق مراد صورة لرجل يقف أمام منزله. تبدو عادية تمامًا، باستثناء حقيقة واحدة: الرجل مات قبل تاريخ إرسالها بثلاثة أيام.
ومع وصول صور أخرى، تبدأ وفاة فؤاد التي سُجلت باعتبارها طبيعية في التحول إلى قضية معقدة. تقود الصور مراد إلى مستودع مهجور، وملفات مدفونة، وفساد قديم، وزائر كان آخر من دخل المنزل قبل الوفاة. قصة بوليسية عن رجل أدرك أنه قد لا يستطيع إنقاذ حياته، فاختار أن يترك خلفه ما ينقذ الحقيقة.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 7 دقائق
1قراءة
حين وصلت الصورة الأولى إلى مكتب المحقق مراد، لم يكن أكثر ما فيها غرابة هو الرجل الواقف أمام منزله.
كان فؤاد كامل يقف عند الباب، مرتديًا معطفه الرمادي، ويده اليسرى في جيب بنطاله، بينما تمسك يده الأخرى بمفتاح الباب. خلفه كانت واجهة المنزل غارقة في الظلام، وفوق كتفه انعكس ضوء مصباح الشارع على زجاج النافذة.
صورة عادية لرجل عادي.
لولا أن فؤاد كان قد مات قبل ثلاثة أيام من تاريخ إرسالها المثبت على الختم البريدي.
رفع عينيه إلى مساعدته.
— مين جاب الظرف؟
— عامل البريد. قال إنه كان متوجه للعنوان المكتوب عليه، لكنه لما وصل لقى المكان عليه شريط الشرطة، وعرف إن البيت بقى مسرح جريمة، فقرر يسلّم الظرف للقسم.
— والعنوان؟ أعطته الورقة.
كان عنوان منزل فؤاد نفسه.
عاد مراد إلى الصورة. لم ينظر هذه المرة إلى فؤاد، بل إلى النافذة خلفه.
ظهر في الزجاج انعكاس باهت لشخص يقف خلف الكاميرا. لم يظهر وجهه، فقط جزء من كتف وحزام معدني يلمع تحت الضوء.
تُعثر على نوال مقتولة داخل منزلها الهادئ، من دون آثار اقتحام أو اشتباك واضح. وبينما يبدو مسرح الجريمة خاليًا من الأدلة، يكتشف المحقق سليم أثرًا يستحيل تفسيره: بصمة كلب مات قبل الجريمة بأسبوع.
تقوده البصمة إلى شبكة من الأسرار العائلية والتحويلات المالية والأدلة المصنوعة بعناية. لكن كلما اقترب من الحقيقة، أدرك أن الدليل الأوضح قد لا يكون وُضع لكشف القاتل… بل لإخفائه.
شيماء الصاوى4قراءة
— أمال إيه؟
أشار إلى فؤاد.
كان الرجل ينظر إلى شيء خارج إطار الصورة.
ليس إلى الكاميرا.
بل إلى شخص يقف على الجانب الآخر من الشارع.
لم تكن وفاة فؤاد قد أثارت شبهة في البداية. عُثر عليه في غرفة مكتبه، جالسًا إلى جوار النافذة، وقد بدا أنه تعرض لأزمة قلبية مفاجئة.
كان في التاسعة والخمسين، ويعاني من مشكلة في القلب منذ سنوات، ويعيش وحده.
لا آثار اقتحام.
لا سرقة.
ولا شيء في المكان يشير إلى أن شخصًا آخر كان معه.
كتب الطبيب في تقريره الأول أن الوفاة تبدو طبيعية.
لكن مراد لم يحب كلمة «تبدو».
احتفظ بالصورة على مكتبه.
وفي اليوم التالي وصلت الثانية.
كان فؤاد يقف أمام مستودع قديم في طرف المدينة، والباب نصف مفتوح خلفه.
وعلى بعد أمتار منه ظهر رجل آخر داخل الصورة.
معطف داكن.
وقفة ثابتة.
ووجه لم يظهر كاملًا، لكن ملامحه كانت كافية لتثير انتباه مراد.
وضع الصورتين جنبًا إلى جنب.
فؤاد أمام منزله.
ثم فؤاد أمام المستودع.
والرجل نفسه يظهر بالقرب منه في الثانية.
قالت مساعدته:
— ممكن يكون صدفة.
— ممكن.
— وممكن يكون هو اللي كان بيراقبه.
ظل مراد ينظر إلى الصورة.
— يبقى نعرف الأول فؤاد كان بيعمل إيه هناك.
كان المستودع مهجورًا منذ سنوات. لم يجد رجال الشرطة شيئًا في داخله سوى صناديق قديمة وأرفف فارغة.
لكن مراد لاحظ أن إحدى ألواح الأرضية مختلفة عن البقية.
رفعوها.
كان تحتها صندوق معدني صغير.
وفي داخله ملفات وعقود وصور وتقارير هندسية.
بين الأوراق وجد مراد تقريرًا عن مبنى انهار قبل عامين، وسقط فيه ثلاثة أشخاص. كان التحقيق الرسمي قد انتهى، لكن التقرير الذي أخفاه فؤاد أظهر أن بعض تقارير السلامة قد زُورت.
وفي الهامش كتب فؤاد بخط يده:
«كنت أعرف. وسكتُّ لأنني ظننت أنني أستطيع إصلاح الأمر وحدي.»
قلب مراد الصفحة. كانت هناك مستندات أخرى تتعلق بمشروعات ترميم، وأموال صُرفت على أعمال لم تُنفذ كما ورد في الأوراق.
توقف عند اسم تكرر أكثر من مرة.
منصور راضي.
استُدعي منصور.
دخل الغرفة بهدوء، وجلس أمام مراد.
وُضعت الصورة الثانية أمامه.
نظر إليها لثوانٍ.
ثم قال:
— دي قديمة.
— عارف.
— ووجودي هناك مش معناه حاجة.
— ما قلتش إنه معناه حاجة.
رفع مراد عينيه إليه.
— كنت بتعمل إيه عند المستودع؟
— شغل قديم.
— مع فؤاد؟
— بينا أعمال كتير زمان.
— وانتهت.
— من زمان.
لم يضغط مراد أكثر. أخذ الصورة منه وأخرجها.
لكن قبل أن يغادر منصور، سأله:
— آخر مرة شفت فؤاد إمتى؟
توقف الرجل لحظة.
— قبل موته بيومين تقريبًا.
ثم خرج.
في مساء اليوم نفسه، وصل مراد إلى اسم المصور.
كان ياسر حمدي، مصورًا صحفيًا سابقًا يعمل الآن في تصوير العقارات والمواقع التجارية، فاستُدعي إلى القسم.
وعندما رأى الصورة، قال قبل أن يسأله مراد:
— أيوه. أنا اللي صورتها، وأنا اللي بعت جزء منهم.
— كنت بتصور فؤاد؟
— أيوه.
— ليه؟
أخرج ياسر هاتفه، وبحث في رسالة قديمة.
— فؤاد هو اللي طلب مني.
قرأ مراد الرسالة.
كانت قصيرة:
«صوّر الشخص اللي بيتابعني. من بعيد. ومتدخلش مهما شفت.»
رفع مراد عينيه.
— إمتى طلب منك ده؟
— قبل موته بأسبوع.
— ليه ما قالكش هو مين؟
— قال لي ما يهمنيش أعرف. المهم أجيب صور.
— والصور دي كلها؟
— بعضها.
— يعني فيه صور تانية؟
سكت ياسر.
— فيه.
— فين؟
— معايا.
— وليه ما بعتهاش؟
نظر ياسر إلى الأرض.
— لأن الصور اللي عندي من ليلة موته.
تغير وجه مراد.
— كنت موجود؟
أومأ.
— فؤاد طلب مني أراقب البيت من بعيد في الليلة دي.
— وشفت منصور؟
— شفته يدخل.
— ودخلت وراه؟
— لأ.
— ليه؟
— لأن فؤاد قال لي بوضوح: ما تدخلش، مهما حصل.
سكت لحظة ثم تابع:
— وبعد شوية شفت منصور يخرج. بعد كده حصلت حركة جوه البيت، وشفت العربية اللي جت تاخد فؤاد. وقتها ما كنتش عارف إنه مات.
— ولما عرفت؟
— خفت.
— من إيه؟
— ما كنتش عارف إيه اللي حصل بالضبط، وفؤاد كان مانعني أتدخل مهما شفت. ولما عرفت إنه مات، خفت أبقى أنا آخر واحد كان واقف بيراقب البيت، والشرطة تشك فيا.
نظر مراد إلى الكاميرا الموجودة معه.
— والصور؟
— ما قدرتش أمسحها.
— بس ما بعتهاش؟
— لأ.
— ليه بعتها دلوقتي؟
قال ياسر:
— لأن فؤاد طلب مني لو حصل له حاجة أبدأ بصورة واحدة، ولو احتجتم باقي الصور أبعتها.
مد يده إلى حقيبته.
— عندي باقي الصور من الليلة دي، اتفضل دول الصور.
مراد: اتفضل أنت دلوقتي.
نظرت إلى واحدة منهم: كان فؤاد واقفًا أمام منزله. وفي الجهة المقابلة ظهرت سيارة سوداء.
داخلها منصور.
كانت الساعة الظاهرة في لوحة السيارة العاكسة تشير إلى العاشرة وثماني دقائق.
لم يكن منصور ينظر إلى فؤاد.
كان ينظر إلى البيت.
وعلى المقعد المجاور له حقيبة صغيرة.
احتفظ مراد بالصورة في الملف، ثم تمعن في الرابعة: هذه المرة كان منصور يخرج من بوابة منزل فؤاد، بينما بقي فؤاد واقفًا عند الباب.
الوقت: الحادية عشرة وأربع دقائق.
وتحت الصورة كتب ياسر:
«دي آخر صورة.»
رفع مراد عينيه إلى الساعة.
الطبيب كتب أن الوفاة حدثت في حدود الحادية عشرة والثلث.
كان منصور داخل البيت قبل الوفاة بدقائق، وخرج قبلها بقليل.
عاد مراد إلى تقرير الطبيب.
في البداية لم يكن هناك ما يكفي للشك.
لكن بعد ظهور الصور، طلب إعادة فحص الأدوية التي كان فؤاد يتناولها.
جاءت النتيجة في اليوم التالي.
كانت معظم الأقراص الموجودة داخل العبوة مطابقة للدواء الموصوف لفؤاد، لكن بعض الأقراص كانت من الدواء نفسه وبالشكل نفسه، مع تركيز أعلى بكثير من المادة الفعالة، وقد اختلطت بالأقراص الأصلية داخل العبوة.
لم يتوقف الأمر عند ذلك.
أظهر تحليل العينات المأخوذة من جسد فؤاد ارتفاعًا غير طبيعي في المادة الفعالة نفسها، بكمية تتوافق مع تناول جرعة زائدة، وكان ذلك كافيًا لإحداث اضطراب حاد في القلب، خصوصًا مع حالته المرضية.
لم تعد الوفاة تبدو طبيعية.
وعندما عاد المحققون إلى الصيدلية، تذكر الصيدلي الرجل الذي حضر قبل وفاة فؤاد بيومين.
كان منصور.
لم يكتفِ بالسؤال عن دواء فؤاد، بل طلب علبة من الدواء نفسه بتركيز أعلى، واشترى شريطًا منه.
راجع الصيدلي سجل البيع، ثم أُرسلت بيانات الشراء إلى المحققين.
كان التوقيت يسبق وفاة فؤاد بيومين.
واجه مراد منصور بالأمر.
قال منصور:
— كنت بسأل عليه.
— وسألت عن التركيز الأعلى كمان؟
لم يجب.
— اشتريت شريطًا منه.
ظل منصور صامتًا.
— ليه؟
— فؤاد كان مريض.
— وإنت مهتم بصحته فجأة؟
لم يجب.
عاد مراد إلى الصور.
في الصورة الثالثة، كانت الحقيبة الصغيرة إلى جوار منصور.
وفي الرابعة، كان منصور يخرج من المنزل من دونها.
لم يكن ذلك دليلًا منفردًا على شيء، لكنه أصبح جزءًا من سلسلة لم يعد من السهل تجاهلها.
وُضعت الصورة الثالثة أمامه.
— كنت قدام بيته الساعة عشرة وثماني دقايق.
ثم وضع الرابعة.
— ودخلت البيت وخرجت قبل موته بحوالي ربع ساعة.
ثم وضع تقرير الصيدلية.
— وقبلها بيومين اشتريت نفس الدواء بتركيز أعلى.
ظل منصور صامتًا.
— الجرعة اللي قتلت فؤاد كانت مخلوطة بالدواء الأصلي في علبته.
رفع منصور عينيه.
— ومين قال إنها قتلته؟
— التحليل قال إن الجرعة الزائدة وصلت لجسمه. والصور بتقول إنك كنت آخر شخص خرج من البيت قبل وفاته بوقت قصير.
لم يعترف منصور.
ولم ينكر.
لكن هذه المرة، كان الصمت يحيط به من كل جانب، و الأدلة كانت قد بدأت تكتمل، و لم يجد منصور ما يخرجه من هذا المأزق.
خفض عينيه إلى الملف، وظل صامتًا لثوانٍ طويلة. ثم مرر يده على وجهه، كأن شيئًا ظل يخفيه لوقت طويل ولم يعد قادرًا على حمله.
قال بصوت خافت:
— أيوه... أنا قتلته.
لم يتحرك مراد.
تابع منصور:
— فؤاد كان هيكشف كل حاجة. كان هيبلغ عن الشغل اللي عملناه، وعن الفلوس اللي اتاخدت، وكل حاجة كنت فاكر إنها هتفضل مدفونة.
ابتلع ريقه، ثم قال:
— حاولت أخليه يتراجع. لكنه رفض. ولما عرفت إنه مصمم يرسل الملف الصبح، قررت إنه ما يوصلش لهدفه.
وهكذا، انتهى التحقيق، ولكن بقي منصور في القسم لمواجهة التهمة.
في المساء، جلس مراد وحده أمام الصور الأربع، رفع مراد الصور ببطء وفكر:
كان فؤاد يعرف أن ما يفعله الآن لن ينقذ حياته، لكنه قد ينقذ الحقيقة.
جريمة غامضة، باب مغلق، وضحية ماتت دون أن يترك قاتلها أثرًا واضحًا. لكن في مسرح الجريمة كان هناك شاهد صامت لم ينتبه إليه أحد... تفصيلة صغيرة بدت عادية، حتى اكتشف المحقق أنها تخفي مفتاح الحقيقة.
اعتاد حازم أن يرى في تفاصيل حياته اليومية أسبابًا للضيق، حتى قاده عطل بسيارته إلى محل ساعات صغير. هناك، يلتقي عجوزًا يحتفظ بأشياء تبدو بلا قيمة، لكنها تحمل حكايات أشخاص أحبهم وفقدهم. لقاء عابر يدفعه إلى تأمل حياته بعين مختلفة. قصة إنسانية عن الامتنان، ودفء العائلة، وقيمة ما نملك قبل أن يصبح مجرد ذكرى.