رسالة دافئة من جار قديم تصل إلى هشام في نهاية يوم مزدحم، لكنه يقرر تأجيل الرد إلى الغد. وبين العمل والمواعيد والوعود المؤجلة، تمر الأيام بينما يظل مقتنعًا بأن الفرصة ما زالت موجودة. قصة إنسانية مؤثرة عن العلاقات التي تذبل حين نؤجل الاهتمام بها، وعن كلمات بسيطة قد تصبح أثقل ما نحمله عندما يفوت أوانها.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 5 دقائق
28قراءة
اقرأ القصة
لم تكن النغمة صادرةً من هاتفٍ يضج بالرسائل، بل كان صوتًا خافتًا لاهتزازٍ قصير على سطح الطاولة الخشبية، في تمام الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة ليلًا.
كان هشام يجلس أمام حاسوبه المحمول، يراجع تقرير العمل الذي يجب أن يسلّمه لشركته في الصباح. رفع عينيه المجهدتين، وألقى نظرة سريعة على هاتفه.
اسمٌ دافئ أضاء على الشاشة لثوانٍ: «عم إبراهيم».
وتحت الاسم، ظهر سطرٌ واحد من الرسالة:
«يا هشام يا بني، لما تظبط ظروفك ابقى عدّي عليا نشرب الشاي سوا.. بقالك كتير مش باين.»
ابتسم هشام ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين والإرهاق.
عم إبراهيم، جارهم القديم في الحي العتيق، وشريك والده الراحل في مكتبة الأدوات المكتبية الصغيرة. الرجل الذي كان يُعدّ له كوب الشاي بالنعناع كلما مرّ به في أزقة الشارع القديم.
خطأ صغير يهزّ ثقة نهى بخبرتها، فتتحول مراجعة الأرقام إلى بحث لا ينتهي عن ضمانٍ بألّا تخطئ مجددًا. وحين يبدأ التردد في تعطيل عملها وإسكات ملاحظاتها، تواجه سؤالًا جديدًا: متى تكون المراجعة كافية؟ قصة إنسانية عن الخوف من الخطأ وحدود اليقين.
شيماء الصاوي17قراءة
لكن صباح الغد لم يمنحه مهلة.
بدأ باتصالٍ طارئ من مدير الشركة في الثامنة صباحًا، يليه اجتماعٌ متوتر امتد ثلاث ساعات، ثم ملفاتٌ متراكمة فرضت نفسها على يومه.
ومع ذلك، لم يكن هشام مشغولًا طوال أربع وعشرين ساعة بلا انقطاع.
في الواحدة ظهرًا، وأثناء وقوفه أمام المصعد، أخرج هاتفه وتصفحه. ظهرت المحادثة أمام عينيه مرة أخرى.
قال لنفسه وهو يمسح الشاشة لأعلى:
«هكتب له وأنا في طريق العودة.»
وفي الرابعة عصرًا، وهو ينتظر وصول وجبة الغداء السريعة إلى مكتبه، مرّت الرسالة بين أصابعه مجددًا.
فكر لثوانٍ، ثم قال:
«الجو حر دلوقتي، والمحل بيكون مقفول. هرد عليه بكرة أول ما أعدّي عليه.»
وفي المساء، وهو يقلّب في مقاطع الفيديو قبل النوم، ظهرت المحادثة أمامه مرة أخرى.
أزاح الهاتف جانبًا، وتمتم:
«كده كده الجمعة قربت.. هروحله ونقعد براحتنا.»
كان يملك عشرات الدقائق بين المهام، لكنه كان يؤجل الرسالة دائمًا إلى الغد بضميرٍ مريح.
فالرجل هناك دائمًا.
يجلس في نفس الزاوية من دكانه القديم، يسقي شجرتين صغيرتين أمام الباب، ويستمع إلى الراديو كما يفعل منذ عشرين عامًا.
مرّ الأربعاء، ثم الخميس.
وفي يوم الجمعة، أثناء قيادته السيارة وسط الزحام، تذكر المحادثة مرة أخرى، فابتسم بثقة من وضع خطة واضحة:
بدأت فكرة هاري بوتر في رحلة قطار، لكنها احتاجت سنوات من الكتابة والتخطيط والمراجعة حتى وصلت إلى القراء. نتتبّع مسيرة جوان رولينغ، من حكايات الطفولة وتحولات حياتها إلى البحث عن ناشر وبناء عالم روائي عرفه الملايين، ثم تجاربها الأدبية بعد انتهاء السلسلة.
رحل أبو القاسم الشابي في الخامسة والعشرين، لكن شعره ظل حاضرًا في الذاكرة العربية. نتتبّع رحلته من توزر إلى جامع الزيتونة، واهتمامه بتجديد الخيال الشعري، وقصائده عن الطبيعة والحرية وإرادة الحياة، وصولًا إلى إرث تجاوز قِصر عمره.