الموعد المؤجل
الموعد المؤجل
نبذة عن القصة
رسالة دافئة من جار قديم تصل إلى هشام في نهاية يوم مزدحم، لكنه يقرر تأجيل الرد إلى الغد. وبين العمل والمواعيد والوعود المؤجلة، تمر الأيام بينما يظل مقتنعًا بأن الفرصة ما زالت موجودة. قصة إنسانية مؤثرة عن العلاقات التي تذبل حين نؤجل الاهتمام بها، وعن كلمات بسيطة قد تصبح أثقل ما نحمله عندما يفوت أوانها.

اقرأ القصة
لم تكن النغمة صادرةً من هاتفٍ يضج بالرسائل، بل كان صوتًا خافتًا لاهتزازٍ قصير على سطح الطاولة الخشبية، في تمام الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة ليلًا.
كان هشام يجلس أمام حاسوبه المحمول، يراجع تقرير العمل الذي يجب أن يسلّمه لشركته في الصباح. رفع عينيه المجهدتين، وألقى نظرة سريعة على هاتفه.
اسمٌ دافئ أضاء على الشاشة لثوانٍ: «عم إبراهيم».
وتحت الاسم، ظهر سطرٌ واحد من الرسالة:
«يا هشام يا بني، لما تظبط ظروفك ابقى عدّي عليا نشرب الشاي سوا.. بقالك كتير مش باين.»
ابتسم هشام ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين والإرهاق.
عم إبراهيم، جارهم القديم في الحي العتيق، وشريك والده الراحل في مكتبة الأدوات المكتبية الصغيرة. الرجل الذي كان يُعدّ له كوب الشاي بالنعناع كلما مرّ به في أزقة الشارع القديم.
رفع هشام الهاتف، وفتح لوحة المفاتيح ليكتب:
«أهلًا يا عم إبراهيم، بكرة إن شاء الله...»
لكن إبهامه توقف فوق الشاشة.
فكر لحظة:
«لو رديت دلوقتي، ممكن ندخل في كلام طويل، وأنا لسه مخلصتش التقرير.»
مسح السطر الذي كتبه، وقلب الهاتف على وجهه فوق الطاولة، وقال لنفسه بصوت خافت:
«هرد عليه بكرة الصبح أول ما أصحى.. الشاي مش هيطير.»
© جميع الحقوق محفوظة. يُحظر نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو توزيعه أو استغلاله، كليًا أو جزئيًا، دون إذن كتابي مسبق من صاحب الحقوق، باستثناء ما تسمح به القوانين المعمول بها. وتبقى حقوق الأعمال والمصادر المشار إليها لأصحابها.

حينها أدركت سلمى أن الثوب لم يكن ضيقًا على جسدها فقط، بل كان لا يشبه حياتها ولا قيمها ولا ما تحتاجه حقًا. قصة عن ضغط المظاهر، والخوف من أحكام الآخرين، والثمن الذي ندفعه أحيانًا لنرضي عيونًا لا تنظر إلينا أصلًا.
بدأ باتصالٍ طارئ من مدير الشركة في الثامنة صباحًا، يليه اجتماعٌ متوتر امتد ثلاث ساعات، ثم ملفاتٌ متراكمة فرضت نفسها على يومه.
ومع ذلك، لم يكن هشام مشغولًا طوال أربع وعشرين ساعة بلا انقطاع.
في الواحدة ظهرًا، وأثناء وقوفه أمام المصعد، أخرج هاتفه وتصفحه. ظهرت المحادثة أمام عينيه مرة أخرى.
قال لنفسه وهو يمسح الشاشة لأعلى:
«هكتب له وأنا في طريق العودة.»
وفي الرابعة عصرًا، وهو ينتظر وصول وجبة الغداء السريعة إلى مكتبه، مرّت الرسالة بين أصابعه مجددًا.
فكر لثوانٍ، ثم قال:
«الجو حر دلوقتي، والمحل بيكون مقفول. هرد عليه بكرة أول ما أعدّي عليه.»
وفي المساء، وهو يقلّب في مقاطع الفيديو قبل النوم، ظهرت المحادثة أمامه مرة أخرى.
أزاح الهاتف جانبًا، وتمتم:
«كده كده الجمعة قربت.. هروحله ونقعد براحتنا.»
كان يملك عشرات الدقائق بين المهام، لكنه كان يؤجل الرسالة دائمًا إلى الغد بضميرٍ مريح.
فالرجل هناك دائمًا.
يجلس في نفس الزاوية من دكانه القديم، يسقي شجرتين صغيرتين أمام الباب، ويستمع إلى الراديو كما يفعل منذ عشرين عامًا.
مرّ الأربعاء، ثم الخميس.
وفي يوم الجمعة، أثناء قيادته السيارة وسط الزحام، تذكر المحادثة مرة أخرى، فابتسم بثقة من وضع خطة واضحة:
«بكرة السبت إجازة.. هعدي عليه العصر، أجيب شوية كعك ونقعد نتكلم براحتنا.»
أزاح ثقل التأجيل عن كاهله، وأكمل يومه عاديًا.
صباح السبت، كانت الشمس دافئة.
استيقظ هشام متأخرًا، ارتدى ملابسه الرياضية، واحتسى قهوته ببطء وهو يقلّب في التلفاز. كان يخطط للخروج في الثالثة عصرًا إلى الحي القديم.
في الثانية عشرة ظهرًا، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كانت والدته.
أجاب بصوتٍ بشوش:
«صباح الخير يا أمي، أنا جاي لك في الطريق، وعلى فكرة هعدي على عمي إبراهيم الأول...»
قاطعه صوت والدته من الطرف الآخر، بنبرة ثقيلة لا تخطئها الأذن:
«هشام.. عمك إبراهيم اتوفى النهارده الصبح. السكتة القلبية جاتله وهو بيفتح المحل.. الجنازة من المسجد الكبير بعد العصر.»
وقفت القهوة في حلق هشام.
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت أنفاس أمه المنتظرة على الطرف الآخر.
لم يصرخ، ولم يسقط أرضًا.
كل ما حدث أن عقله انطفأ فجأة.
رد بصوتٍ آلي يخلو من أي نبرة:
«إنا لله وإنا إليه راجعون.. مسافة السكة وأكون عندك.»
بعد الظهر، وصل هشام إلى الحي القديم.
دخل المسجد، ثم ظل إلى جوار أبناء عم إبراهيم منذ بداية الجنازة، يستقبل معهم الناس ويقف بينهم في صمت.
وحين حان وقت حمل النعش، حمله مع أبناء الحي، وسار إلى جوارهم حتى المقابر.
كان وزن النعش على كتفه ثقيلًا، لكن شيئًا آخر كان أثقل منه بكثير.
كل خطوة كان يخطوها كانت تعيد إليه صوت عم إبراهيم، وضحكته، وكلماته التي لم يكن يتخيل يومًا أنها ستصبح ذكريات.
بعد انتهاء الدفن، عاد هشام مع أبناء الحي إلى البيت، وظل معهم حتى انفضّ أغلب الناس.
لكن اللحظة الفاصلة كانت في الثامنة مساءً.
استأذن هشام ومضى بمفرده في الزقاق المظلم المؤدي إلى دكان عم إبراهيم.
كان الصاج الحديدي مغلقًا بقفلٍ ثقيل.
وكانت الشجرتان الصغيرتان أمام الباب كانت أوراقهما متدلية، وقد بدا واضحًا أن أحدًا لم يسقهما منذ الصباح.
جلس هشام على الدكة الخشبية الصغيرة بجوار الباب.
وظل ينظر إلى الشجرتين.
وفجأة، عادت إليه ذكرى قديمة.
كان جالسًا هنا منذ أشهر، بينما وقف عم إبراهيم أمام المحل، يحمل إبريق الماء ويسقي الشجرتين واحدةً تلو الأخرى.
نظر إليه هشام وقتها وقال ضاحكًا:
— لسه بتسقيهم بنفسك يا عم إبراهيم؟ ما تجيب حد يعملها عنك.
ابتسم عم إبراهيم، ومسح جبينه بطرف كمه.
— الحاجات اللي مبتسألش عليها يا ابني... هتدبل.
ضحك هشام.
— يا عم إبراهيم، دي شجرتين مش أكتر.
وضع الرجل الإبريق على الأرض، ونظر إليه طويلًا قبل أن يقول:
— أنا مش بتكلم عن الشجر.
اختفت الذكرى ببطء.
ظل هشام ينظر إلى الشجرتين.
ثم خفض عينيه إلى الدكة، وتذكر آخر مرة جلس فيها هنا.
كان عم إبراهيم يضع كوب الشاي أمامه، ثم قال وهو يبتسم:
— أنت مبتجيش غير لما تحتاج حاجة يا هشام.
ضحك هشام:
— لا والله يا عم إبراهيم، بس الشغل واخدني.
هز عم إبراهيم رأسه، وأخذ رشفة من كوبه.
— الشغل مش هيخلص يا ابني.
ابتسم هشام.
— عارف.
سكت عم إبراهيم لحظة، ثم أشار إلى كوب الشاي أمام هشام:
— اشرب قبل ما يبرد.
رفع هشام الكوب وشرب رشفة، ثم أعاده إلى مكانه.
رن هاتفه في جيبه.
أخرجه ونظر إلى الشاشة.
— لازم أمشي يا عم إبراهيم.
هز الرجل رأسه:
— ماشي يا ابني.
ثم ابتسم وقال:
— بس متغيبش علينا.
رد هشام وهو ينهض:
— حاضر.
انتهت الذكرى.
عاد هشام ينظر إلى الدكان المغلق، وإلى الشجرتين العطشى أمامه.
أخرج هاتفه ببطء.
فتح تطبيق الرسائل، وسحب بأصابعه إلى الأسفل حتى وصل إلى المحادثة.
أضاءت الشاشة بالنص الأخير:
«يا هشام يا بني، لما تظبط ظروفك ابقى عدّي عليا نشرب الشاي سوا.. بقالك كتير مش باين.»
وتحت الرسالة، كان هناك سطر فارغ، والمؤشر الأبيض ينبض في صمت، بانتظار إجابة لن تُقرأ أبدًا.
تذكر هشام كم مرة أخرج هذا الهاتف خلال الأيام الماضية.
كم إشعارًا تصفحه وهو ينتظر المصعد.
كم رسالة كتبها لزملائه.
وكم مرة مرت هذه الرسالة أمام عينيه، وقال لنفسه:
بكرة.
كان يستطيع أن يرد في ثوانٍ.
كان يستطيع أن يقول فقط: «حاضر يا عم إبراهيم.»
لكنه كان يظن أن الوقت موجود دائمًا.
وضع هشام إبهامه على الشاشة، وكتب في خانة الرد:
«أنا آسف.. تأخرت عليك.»
نظر إلى الكلمات لثوانٍ.
ثم لم يضغط «إرسال».
مسح الجملة حرفًا حرفًا، وأغلق الشاشة.
انهمرت دموعه أخيرًا في صمت الزقاق.
ظل ينظر إلى القفل الحديدي، ثم إلى الشجرتين الصغيرتين أمام الدكان.
تذكر كلمات عم إبراهيم:
«الحاجات اللي مبتسألش عليها يا ابني... هتدبل.»
كان قد وعد نفسه أن يأتي غدًا.
لكن الغد هذه المرة... لم يأتِ فيه عم إبراهيم.

قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا إلى مساعدة صغيرة في اللحظة المناسبة لتتغير حياته كلها. لكن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند من تلقّاه؛ فقد ينتقل من شخص إلى آخر، حتى يعود يومًا إلى صاحبه من طريق لم يتوقعه.