ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل القادمين من اليمن عن رجلٍ مجهول بين الناس، لكنه عظيم القدر عند الله. كان أويس القرني فقيرًا، متواضعًا، شديد البر بأمه، يهرب من الشهرة كلما اقتربت منه. قصة رجل لم يبحث عن مكانة بين الخلق، فحفظت له سيرته مكانة لا تُقاس بالمال أو المظهر.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 4 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
كان عمر بن الخطاب إذا قدمت عليه أمداد أهل اليمن، سألهم عن رجل بعينه:
— أفيكم أويس بن عامر؟
لم يكن السؤال عن أميرٍ من أمراء اليمن، ولا عن رجلٍ صاحب مالٍ أو نسبٍ يجعل الناس يعرفونه.
كان السؤال عن رجلٍ لم يكن أكثر الناس يعرفون عنه شيئًا.
وكان عمر يعرف عنه ما لم يعرفه غيره.
فقد أخبر رسول الله ﷺ أصحابه أن يأتيهم رجل من اليمن، من مراد ثم من قرن، اسمه أويس بن عامر. كان قد أصيب بالبرص، فبرأ منه إلا موضعًا بقدر الدرهم، وله والدة هو بها بر، ولو أقسم على الله لأبره، ومن استطاع أن يطلب منه الاستغفار فليفعل.
ظل عمر يسأل عنه حتى جاء اليوم الذي وقف فيه أمامه.
نظر إليه، ثم سأله:
— أنت أويس بن عامر؟
قال:
— نعم.
— من مراد، ثم من قرن؟
قال:
— نعم.
ثم سأله عن العلامة التي أخبر بها رسول الله ﷺ:
— فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟
المصادر(6)
1.صحيح مسلم — الإمام مسلم بن الحجاج
2.الطبقات الكبرى — ابن سعد
3.حلية الأولياء وطبقات الأصفياء— أبو نعيم الأصبهاني
نشأ مصعب بن عمير في نعيم مكة، وعرفه الناس بأفخر ثيابه وأطيب رائحته، لكن سماعه للقرآن غيّر مسار حياته بالكامل. ترك الراحة والثروة من أجل إيمانه، ثم حمل القرآن إلى يثرب فكان من أوائل من مهّدوا لانتشار الإسلام فيها. رحلة ملهمة لصحابي اختار العقيدة، وحمل الراية، وبذل حياته دفاعًا عن رسول الله ﷺ.
شيماء الصاوي0قراءة
قال:
— نعم.
— ولك والدة؟
قال:
— نعم.
لم يكن في الرجل ما يدل على المكانة التي أخبر عنها النبي ﷺ.
كان واحدًا من أولئك الذين يمرون في الجموع فلا تلتفت إليهم العيون.
لكن عمر كان يعرف أن هذا الرجل ليس كغيره.
فقال له:
— استغفر لي.
فاستغفر له أويس.
ثم سأله عمر:
— أين تريد؟
قال:
— الكوفة.
فقال عمر:
— ألا أكتب لك إلى عاملها؟
كان بإمكان كتاب من أمير المؤمنين أن يفتح لأويس بابًا من أبواب المكانة في مدينة جديدة.
لكنه أجاب:
— أكون في غبراء الناس أحب إلي.
تركه عمر يمضي.
ومضى أويس إلى الكوفة.
لم تكن الكوفة مدينة هادئة من جهة أحوالها؛ كانت مدينة واسعة يجتمع فيها القادمون من أمصار مختلفة، ويتجاور فيها أهل العلم والجند والتجار والفقراء، ويعرف الناس بعضهم بعضًا بالأنساب والقبائل والمكانة.
أما أويس، فاختار أن يعيش بعيدًا عن ذلك كله.
كان قليل المتاع، رث البيت.
ولم يكن الناس يرون في حياته ما يدفعهم إلى السؤال عنه.
وكان في أهل الكوفة من يسخر من فقره ورثاثة ثيابه، حتى إن أسير بن جابر، أحد الذين عرفوه، ذكر أن بعض أصحابه كانوا يفعلون ذلك. وفي رواية أنه أراد أن يعطيه بردًا ليلبسه، فخشي أويس أن يزيد ذلك من أذى الناس له.
لم يكن الفقر عنده وسيلة يتحدث بها عن نفسه.
كان ببساطة حالًا يعيشها.
وفي الكوفة، كان أويس يجلس مع الناس في مجالسهم، ويستمع.
وكان إذا تكلم، سمع الناس منه كلامًا لم يكونوا يسمعون مثله من غيره.
ومع ذلك، ظل اسمه بعيدًا عن مجالس الشهرة.
الرجل الذي كان عمر يعرف منزلته، لم يكن أهل الكوفة يعرفونه إلا باعتباره رجلًا فقيرًا قليل المتاع.
ومرت الأيام.
وفي العام التالي، حج رجل من أشراف أهل الكوفة ضمن وفد الكوفة.
ولما عاد، لقي عمر بن الخطاب.
سأله عمر عن أويس.
قال الرجل:
— تركته رث البيت، قليل المتاع.
عندها أخبره عمر بما سمعه رسول الله ﷺ عن أويس ووصفه له.
عاد الرجل إلى الكوفة.
لكن هذه المرة لم يعد يرى أويسًا كما كان يراه سابقًا.
ذهب يبحث عنه.
ولما وجده، قال:
— استغفر لي.
نظر إليه أويس وقال:
— أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي.
كان الرجل قد عاد من الحج.
وكان أويس يرى أن من رجع من ذلك السفر أولى بأن يُطلب منه الدعاء.
لكن الرجل أعاد طلبه:
— استغفر لي.
فكرر أويس:
— أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي.
ثم سكت لحظة، وسأله:
— لقيت عمر؟
قال الرجل:
— نعم.
عندها استغفر أويس له.
ولم يكن يعلم أن السر الذي حمله عمر في قلبه لم يعد سرًا.
فقد فطن الناس إلى أمر أويس.
عرفوا أن الرجل الذي يعيش بينهم في بيت رث وقليل المتاع هو الرجل الذي أخبر عن فضله رسول الله ﷺ.
وانتشر خبره.
وأقبل الناس إليه.
أما أويس، فلم يبقَ ينتظرهم.
انطلق على وجهه.
ترك المكان الذي عرفوه فيه، ومضى بعيدًا عن أعينهم.
وكان أسير بن جابر قد كسا أويس بُردة.
لكن البردة نفسها أصبحت سببًا في أن يسأل الناس عنه:
— من أين لأويس هذه البردة؟
حتى ثوبٌ أُعطي لرجلٍ يريد أن يبقى بعيدًا عن الأنظار، صار علامةً تلفت العيون إليه.
وكأن الرجل كلما حاول أن يختفي، ظهر له في الطريق ما يعيد الناس إلى السؤال عنه.
لم تنتهِ أخبار أويس عند الكوفة.
تذكر كتب التراجم روايات عن خروجه مع جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صفين، وتذكر روايات أخرى في آخر حياته؛ ولذلك لا يصح أن نجعل تفاصيل موته كلها في درجة واحدة من اليقين. ومن أشهر ما رُوي أنه شهد صفين وقُتل فيها، بينما وردت رواية أخرى تذكر خروجه إلى أذربيجان ثم مرضه ووفاته، وقد ضعّف أهل العلم إسنادها.
لكن الثابت الذي بقي من قصته أقوى من تفاصيل نهايتها المختلف فيها.
رجلٌ أخبر النبي ﷺ أصحابه بفضله قبل أن يعرفه الناس.
ورجلٌ وقف أمام عمر بن الخطاب، فطلب منه عمر الدعاء.
ثم عُرض عليه أن يُكتب إلى عامل الكوفة، فاختار أن يكون بين غبراء الناس.
وحين عرف الناس أمره، لم يمد يده إلى المكانة التي فُتحت أمامه.
بل مضى.
انطلق على وجهه.
وظل أويس، في حياته، كما أراد أن يكون:
رجلًا لا يحتاج أن يعرفه الناس، ما دام له عند الله قدر.
بسؤال من حفيدته، يفتح جدٌّ باب الحديث عن أصحاب السبت؛ قوم عرفوا النهي عن الصيد، ثم بحثوا عن حيلة تتيح لهم مخالفته. وبين إغراء الرزق وصوت الناصحين، تكشف القصة كيف يخدع الإنسان نفسه حين يتمسك بظاهر الفعل ويتجاهل حقيقته، وتدعونا إلى الصدق مع النفس والثبات أمام الاختبار.
بجوار ثوب طفل غائب، تجلس أمٌّ تواسي ابنتها بحكاية أم موسى؛ الأم التي ألقت طفلها في اليم وقلبها معلّق بوعد الله. تتداخل الحكايتان في نص عن خوف الأمهات، وألم الفقد، والرفق بالحزن، وما تمنحه الثقة بالله من رجاء حين لا نرى نهاية الطريق.