في زاوية مقهى، يعثر يونس السيد على دفتر قديم تحمل صفحاته أسماء غرباء ولحظات ستغيّر حياتهم. وحين يجد اسمه، يتحول فضوله إلى مواجهة مع سر أخفاه عن زوجته عشر سنوات. قصة غموض نفسي عن ثقل الصمت، والخوف من الاعتراف، واللحظة التي يصبح فيها الهروب أصعب من قول الحقيقة.
كان المقعد الخشبي في زاوية المقهى باردًا، وصوت المطر يطرق الزجاج بإيقاع رتيب حين لمحتُه لأول مرة. دفتر جلد كستنائي قديم، حوافه متآكلة، يربض على الطاولة المجاورة.
مددتُ يدي وفتحته، لأجد صفحات مكتوبة بخط دقيق:
الصفحة 12:
«أحمد عبد السلام — سيرد على مكالمة خاطئة، ليقرر بعدها استقلال أول قطار إلى قريته.»
توقفت قليلًا.
قلبت الصفحة.
الصفحة 27:
«ليلى منصور — ستدخل هذا المقهى غاضبة، ثم تخرج منه وهي تحمل رسالة ظلت تنتظرها سبع سنوات.»
ثم صفحة أخرى.
الصفحة 43:
«حسن إبراهيم — سيترك فنجان القهوة قبل أن يشربه، حين يرى رجلًا لم يره منذ خمسة عشر عامًا.»
تصفحتُ المزيد بذهول.
كانت كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم لحظة صغيرة ستغير شيئًا في حياة صاحبها.
تستيقظ قرية كنانة لتجد أن أهلها نسوا أسماء بعضهم، بينما بقيت الوجوه والحكايات مألوفة. يلجؤون إلى صاحب دكان قديم يحتفظ بدفتر يربط الأسماء بتفاصيل أصحابها، لكن صفحة غامضة وعودة امرأة غابت خمسة وعشرين عامًا تفتحان بابًا إلى ماضيه. قصة واقعية سحرية عن الذاكرة والغياب، وما يجعلنا نحتفظ بمكانٍ في حياة الآخرين.
شيماء الصاوي0قراءة
— أرى أنك وجدتَ دفتر الغرباء.
رفعت رأسي.
— ما هذا الشيء؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم بدأ يمسح الطاولة بقطعة قماش.
— دفتر قديم.
— هذا ليس جوابًا.
رفع كتفيه.
— لا أحد يعرف من يتركه هنا. يظهر أحيانًا، ويختفي أحيانًا. وبعض الناس يقرأون فيه، ثم يعودون إلى بيوتهم ولا يحدث شيء.
نظرت إليه.
— وبعضهم؟
توقف عن المسح لحظة.
— بعضهم يجد اسمه.
ثم ابتعد.
بقيت أحدق في الدفتر.
كان يمكنني أن أغلقه وأتركه مكانه.
لكنني قلبت الصفحات.
وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
الصفحة 120:
«يونس السيد — في المقهى، بعد دقائق من الآن، سيغلق الدفتر ويتركه للغريب القادم، ثم يعود إلى بيته ويخبر زوجته بالحقيقة التي أخفاها عنها عشر سنوات.»
تجمدت يدي.
قرأت السطر مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
يونس السيد.
اسمي.
رفعت عيني إلى النادل، لكنه كان يقف عند الطرف الآخر من المقهى.
أغلقت الدفتر بسرعة.
ثم فتحته من جديد.
كان الاسم ما يزال هناك.
مررت أصابعي فوق السطر.
لم أكن خائفًا من أن الدفتر عرف اسمي.
كنت خائفًا من الجملة الأخيرة.
الحقيقة.
تلك الكلمة وحدها كانت كافية لأعرف ما يقصده.
منذ عشر سنوات، وأنا أخفي عن زوجتي أمرًا واحدًا.
أمرًا حدث قبل عشر سنوات، واتفقنا بعدها ألّا نتحدث عنه مرة أخرى.
ولم يكن خوفي من أن تغضب حين تعرفه، بل من أن تنظر إليّ بعده بالطريقة نفسها التي كنت أنظر بها إلى نفسي طوال تلك السنوات.
أغلقت الدفتر.
قلت لنفسي إنني لن أفعل ما كُتب.
نهضت من مكاني، وتركت الدفتر على الطاولة.
خطوت نحو الباب، ثم سمعت صوت النادل خلفي:
— لو كنتَ تستطيع تجاهل الصفحة الأخيرة، لما وصلت إليها.
استدرت.
كان يقف على بعد خطوات مني، وقد ترك قطعة القماش فوق الطاولة.
— ماذا تقصد؟
أشار إلى الدفتر.
— اقرأ الصفحة التي بعدها.
عدت إلى الطاولة.
فتحت الدفتر.
كانت الصفحة 121 فارغة.
حدقت فيها لحظات.
ثم ظهرت على الورق، ببطء، كلمات لم تكن هناك قبل قليل:
«سيحاول يونس أن يقنع نفسه بأن الصمت كان حماية.»
توقفت أنفاسي.
ظهرت جملة أخرى تحتها:
«وسيقول لنفسه إن بعض الحقائق تموت إذا لم ننطق بها.»
رفعت رأسي.
— من يكتب هذا؟
لم يجب النادل.
نظرت إلى الصفحة.
ظهر سطر جديد:
«لكنه يعرف أنها لم تمت.»
أغلقت الدفتر.
هذه المرة لم أشعر بالخوف.
شعرت بشيء أقرب إلى الخجل.
لم يكن الدفتر يخبرني بما سيحدث.
كان يعرف فقط ما كنت أرفض أن أفعله.
خرجت من المقهى تحت المطر.
وفي الطريق إلى البيت، لم أعد أفكر في الدفتر، ولا في النادل، ولا في الكيفية التي عرف بها اسمي.
كنت أفكر في سؤال واحد:
ماذا لو كانت عشر سنوات من الصمت لا تحمي أحدًا، بل تؤجل لحظة لا مفر منها؟
عندما وصلت إلى البيت، كانت زوجتي جالسة قرب النافذة.
رفعت رأسها نحوي.
— اتأخرت.
جلست أمامها، لكنني لم أخلع معطفي.
ظلت تنظر إليّ لحظات، ثم قالت:
— في حاجة؟
نظرت إليها.
— فاكرة اللي حصل قبل عشر سنين؟
سكتت.
لم تسألني ماذا أقصد.
وكأنها عرفت فورًا أي يوم أعنيه.
خفضت عيني.
— أنا محتاج أقولك حاجة.
ظلت تنظر إليّ، ثم قالت بهدوء:
— كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
رفعت عيني إليها.
— إزاي؟
نظرت إلى النافذة، ثم عادت إليّ.
— لأن بعض الحاجات، مهما سكتنا عنها، بتفضل مستنيانا.
ظللت صامتًا.
ثم قلت:
— أنا تعبت من السكوت.
لم تجب.
انتظرت لحظات، ثم أضفت:
— ومش عايز أهرب أكتر.
أومأت ببطء.
— طيب... احكي.
ولأول مرة منذ عشر سنوات، لم أبحث عن جملة أهرب بها.
بدأت أحكي.
ولم تقاطعني مرة واحدة.
وحين انتهيت، بقيت تنظر إليّ طويلًا.
لم أعرف إن كانت غاضبة، أم حزينة، أم فقط تحاول أن تستوعب ما سمعته.
لم أطلب منها شيئًا.
لأول مرة، لم يكن لدي ما أخفيه.
وفي صباح اليوم التالي، عدت إلى المقهى.
كان المقعد الخشبي في الزاوية فارغًا.
والدفتر لم يكن موجودًا.
سألت النادل عنه.
قال:
— لم أره.
نظرت إليه طويلًا.
— وأنت؟ هل قرأت فيه من قبل؟
ابتسم.
— كلنا غرباء فيه.
ثم وضع أمامي فنجان القهوة.
جلست في مكاني.
وخارج النافذة، كان المطر قد توقف.
أما الدفتر، فلم أعرف أين ذهب.
لكنني، منذ ذلك اليوم، كلما رأيت غريبًا يترك شيئًا على طاولة المقهى، كنت أتساءل:
كل ليلة، يتسلل حارس غامض إلى الأحلام ليوقظ أصحابها قبل أن ينسوا طريق العودة إلى الواقع. لكن ضوءًا غير مألوف يقوده إلى مدينة يعيش أهلها كل ما تمنّوه، وهناك يجد الشخص الذي لم يستطع يومًا وداعه. قصة فانتازيا إنسانية عن الفقد والحنين، وصعوبة الاستيقاظ من حلم يمنحنا ما سلبته الحياة.
بعد يومٍ طويل أنهك يوسف، يظهر أمامه قطار غامض لا يظهر في جداول المحطة. يصعد إليه في رحلة هادئة، يكتشف خلالها أن الراحة ليست هروبًا من الحياة، بل فرصة لترك أثقال اليوم جانبًا واستعادة هدوئه من جديد.