يجمع سامر طوال سنوات سبعةً وعشرين ألف جنيه، ليضع بها أول خطوة في البيت الذي سيجمعه بخطيبته. لكن ظهور دين ثقيل على والده يضعه أمام اختيار صعب بين حلم انتظره طويلًا، والرجل الذي ظل يسنده طوال حياته. قصة إنسانية عن البر والتضحية، وعن أحلام قد تتأجل دون أن تضيع.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 5 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
كان سامر يعدّ المال كل ليلة. ليس لأنه لا يثق في حسابه، بل لأنه كان يحب أن يرى ما اقترب منه يومًا بعد يوم.
سبعة وعشرون ألف جنيه.
كان يضعها في ظرف بني صغير، ويخفيه في الدرج السفلي لخزانة ملابسه. كلما أضاف إليه مبلغًا، جلس أمامه قليلًا، ثم أغلق الدرج بابتسامة.
لم يكن المال ثروة، لكنه كان بالنسبة إلى سامر شيئًا أكبر من ذلك؛ كان بداية حياته.
بعد أشهر قليلة سيتزوج، وكان قد وعد خطيبته أن يبدأ معها حياة لا تحتاج فيها إلى كثير من الأشياء؛ يكفي أن تكون الأشياء التي لديهما تخصهما.
وكان السبعة والعشرون ألف جنيه هي المبلغ الذي جمعه ليضعه مقدمًا لشقة صغيرة اتفق مع خطيبته أن يبدآ حياتهما فيها.
وكان قد جمعها خلال سنوات عمله.
لكن في تلك الليلة، لم يكن سامر يفكر في الزواج. كان جالسًا في غرفته عندما سمع صوت رجل في الصالة:
رسالة دافئة من جار قديم تصل إلى هشام في نهاية يوم مزدحم، لكنه يقرر تأجيل الرد إلى الغد. وبين العمل والمواعيد والوعود المؤجلة، تمر الأيام بينما يظل مقتنعًا بأن الفرصة ما زالت موجودة. قصة إنسانية مؤثرة عن العلاقات التي تذبل حين نؤجل الاهتمام بها، وعن كلمات بسيطة قد تصبح أثقل ما نحمله عندما يفوت أوانها.
شيماء الصاوى5قراءة
خرج سامر من غرفته، فوجد رجلًا يقف أمام أبيه، وفي يده ورقة.
كان أبوه جالسًا على طرف الكرسي، يضغط بيده على ركبته، وينظر إلى الأرض.
للمرة الأولى، بدا الرجل العجوز أصغر من عمره.
قال سامر:
— في إيه؟
التفت الرجل إليه.
— أبوك عليه دين.
نظر سامر إلى أبيه، فلم يجب.
قال الرجل:
— تسعين ألف جنيه.
شعر سامر أن الرقم أكبر من الغرفة.
تسعون ألفًا!
نظر إلى أبيه مرة أخرى.
— ليه ما قلتليش؟
رفع الأب عينيه إليه.
— كنت هحلها.
ابتسم سامر ابتسامة قصيرة لم يكن فيها شيء من الفرح.
— إزاي؟
لم يجد الأب إجابة.
كان الدين قد بدأ قبل أشهر، عندما اضطر الأب إلى الاقتراض لتغطية خسارة حدثت في عمله، وكان يظن أنه سيستطيع سداد المبلغ مع الوقت. لكنه كلما ضاق عليه الأمر، أخفى الأمر عن سامر، خصوصًا أنه يعلم بأنه يجمع المال لبدء حياته.
لم يكن يريد أن يشغله بالدين، ولا أن يفسد عليه خطته.
وضع الرجل الورقة على الطاولة.
— أنا مش جاي أضغط عليك يا حاج، وأنا عارف ظروفك، بس أنا كمان ورايا التزامات.
ثم سكت لحظة وقال:
— بس بصراحة، مش هقدر أستنى عليك أكتر من أسبوع.
رفع الأب عينيه إليه.
— أسبوع؟
— أيوه. بعد أسبوع لازم يكون الدين اتسدّد، أو على الأقل يكون عندك حل واضح.
خرج الرجل، وأغلق الباب خلفه.
ظل الصمت في البيت طويلًا.
قال الأب:
— متشغلش بالك.
ضحك سامر بهدوء.
— ما أشغلش بالي بإيه؟
— أنا هتصرف.
نظر إليه سامر.
كان يعرف هذه الجملة. أبوه يقولها دائمًا عندما لا يريد أن يجعل أحدًا يقلق.
لكنه هذه المرة لم يكن يملك شيئًا يتصرف به.
في تلك الليلة، لم ينم سامر. ظل ينظر إلى سقف غرفته، ثم فتح الدرج وأخرج الظرف البني ووضعه أمامه.
سبعة وعشرون ألف جنيه.
بدأ يعدّها.
مرة.
ثم مرة أخرى.
كان يعرف الرقم جيدًا، لكنه كان يحاول أن يجد فيه شيئًا آخر.
شيئًا يكفي تسعين ألفًا.
لم يجد.
أعاد المال إلى الظرف، وأغلق الدرج.
في الصباح، اتصل بخطيبته.
تحدث معها قليلًا، ثم قال:
— ممكن نتكلم؟
— خير؟
صمت.
ثم قال:
— لو اضطرينا نأجل الجواز شوية؟
ساد الصمت في الطرف الآخر.
— ليه؟
لم يعرف ماذا يقول.
— حصل ظرف عندنا في البيت.
قالت بعد لحظة:
— يعني إيه نأجل؟ وإحنا هنفضل مستنيين لحد إمتى؟ إحنا كنا مخططين لكل حاجة يا سامر.
سكت.
قالت بصوت أكثر هدوءًا:
— في حاجة حصلت؟
ظل صامتًا للحظات، ثم أخبرها بالحقيقة.
لم تتكلم فورًا.
ثم قالت:
— لو أبوك محتاجك، ساعده.
— والجواز؟
— الجواز ممكن يتأجل. لكن لو أنت قادر تساعده وسيبته لوحده، هتفضل فاكر ده طول عمرك.
تنفس سامر ببطء.
— يعني مش زعلانة؟
— زعلانة إن ظروفنا اتغيرت مش منك.
أغلق الهاتف.
جلس على طرف السرير.
كان يشعر بالراحة لأنها فهمته، وكان يشعر بثقل القرار أكثر.
بعد أسبوع، عاد الرجل.
كان الأب ينتظره في الصالة.
جلس سامر في غرفته، والظرف البني أمامه.
سمع صوت أبيه:
— اديني مهلة كمان.
— أنا اديتك مهلة.
— والله ما معايا.
صمت الرجل قليلًا.
ثم قال:
— طيب، هتعمل إيه؟
لم يجب الأب.
فتح سامر الدرج.
أخرج الظرف.
وقف.
ظل واقفًا للحظات.
كان يستطيع أن يعيد الظرف إلى مكانه. كان يستطيع أن يقول لنفسه إن أباه رجل كبير، وإن عليه أن يتحمل نتيجة ما فعل، وإن هذا المال هو بداية حياته هو.
وكان يستطيع أيضًا أن يخرج.
فتح الباب.
دخل الصالة.
وضع الظرف أمام الرجل.
نظر الأب إليه باستغراب.
— إيه ده؟
قال سامر:
— سبعة وعشرون ألف.
حدّق الرجل في الظرف.
— أنت معاك المبلغ ده؟
هز سامر رأسه.
— ده كل اللي معايا.
قال الأب بسرعة:
— لا.
نظر سامر إليه.
— لا إيه؟
— خد فلوسك.
— ليه؟
— دي فلوس جوازك.
ابتسم سامر.
— الجواز يتأجل.
— يا ابني...
— ينفعش أسيبك لوحدك تواجه الموقف ده.
سكت الأب.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
مد يده نحو الظرف، ثم سحبها.
قال:
— مش هقدر آخدها.
اقترب سامر منه.
— وأنا مش هقدر أشوفك محتاج وأنا عندي.
أمسك الأب يده، ولم يقل شيئًا.
أخذ الرجل المال، وقال:
وأنا كل اللي أقدر أعمله في باقي المبلغ إن أنت وابنك تدفعوه على دفعات بسيطة.
شكره الأب وابنه، لم يحل المبلغ المشكلة كلها.
بقي من الدين الكثير، لكن ذلك اليوم انتهى.
ولم يعد الأب مضطرًا إلى الاختباء خلف جملة "أنا هتصرف".
أما سامر، فعاد إلى غرفته:
فتح الدرج، كان فارغًا، جلس أمامه طويلًا، لم يشعر أنه خسر ماله، كانت خطته قد تغيرت.
لم يعد يعرف متى سيحجز الشقة، ولا متى سيبدأ حياته كما تخيلها، لكنه لم يشعر أنه عاد إلى نقطة الصفر، كان سيبدأ من جديد.
بعد أسابيع، عاد سامر إلى العمل لساعات أطول، وأصبح يقتطع جزءًا من راتبه كل شهر.
لم يكن يعرف متى سيصل إلى الرقم الذي وصل إليه مرة أخرى.
لكنه هذه المرة لم يكن يعدّ المال كل ليلة، كان يترك الدرج مفتوحًا.
وبعد أشهر، حين أخبرته خطيبته أنهما يستطيعان الانتظار حتى تتحسن ظروفه، ابتسم.
لم يكن يعرف كم سيحتاج من الوقت، لكنه عرف شيئًا واحدًا:
أن بعض الأشياء التي نؤجلها لا تضيع.
وبعض الأشياء، إذا تركناها تسقط أمامنا، لا تعود كما كانت.
وفي إحدى الليالي، عاد سامر إلى غرفته، فتح الدرج، وجد فيه ظرفًا جديدًا، كان بداخله أول ألف جنيه جمعها من جديد.
وضع يده فوقه، ثم أغلق الدرج، هذه المرة لم يعدّ المال؛ لأنه كان يعرف أن السبعة والعشرين ألفًا التي جمعها ذات يوم لم تختفِ تمامًا..لقد تحولت:
من مال كان سيبني به بيتًا، إلى يدٍ أسند بها أباه حين احتاج إليها.
وربما كان ذلك، بالنسبة إلى سامر، أول حجر وضعه في البيت الذي كان يحلم ببنائه.
حينها أدركت سلمى أن الثوب لم يكن ضيقًا على جسدها فقط، بل كان لا يشبه حياتها ولا قيمها ولا ما تحتاجه حقًا. قصة عن ضغط المظاهر، والخوف من أحكام الآخرين، والثمن الذي ندفعه أحيانًا لنرضي عيونًا لا تنظر إلينا أصلًا.
قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.