تخطّي إلى المحتوى

سَلِّفها للي بعدك

بواسطة فريق ملهموقت القراءة ٥ دقائق
٢قراءة

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا إلى مساعدة صغيرة في اللحظة المناسبة لتتغير حياته كلها. لكن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند من تلقّاه؛ فقد ينتقل من شخص إلى آخر، حتى يعود يومًا إلى صاحبه من طريق لم يتوقعه.

سَلِّفها للي بعدك

في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، كان عم رمضان يجلس كل صباح على رصيفٍ صغير بالقرب من محطة المترو، يفترش قطعة قماش يعرض عليها الجوارب والمناديل وبعض الأدوات البسيطة.

لم يكن يملك محلًا، ولا لافتةً تحمل اسمه، لكن أهل المنطقة كانوا يعرفونه جميعًا.

يعرفه الموظفون الذين يمرون مسرعين في الصباح، والطلاب الذين يعودون من مدارسهم وجامعاتهم، وأصحاب المحلات المجاورة الذين اعتادوا أن يلقوا عليه السلام كلما مروا به.

وكان عم رمضان يعرف بدوره كثيرًا من الوجوه.

يعرف من يشتري منه كل يوم، ومن يأتيه آخر الشهر ويطلب منه أن يؤجل الحساب، ومن يقف أمام بضاعته طويلًا ثم يرحل لأنه لا يملك ثمنها.

ولم يكن يسأل أحدًا عن السبب.

كان يقول دائمًا:

— كل واحد شايل حاجة محدش يعرفها.

وفي صباح شتوي، جلس عم رمضان يرتب بضاعته حين وقف أمامه شاب في منتصف العشرينيات.

كان يرتدي قميصًا أبيض مكويًّا بعناية، ويحمل ملفًا بلاستيكيًّا شفافًا، لكن حذاءه القديم كان يكشف أن مظهره المرتب لم يكن يعني أن حاله ميسورة.

ظل واقفًا لحظات، ثم أخرج ورقة من الملف وسأل:

— معلش يا عمي... تعرف شركة النور للمقاولات؟

أخذ عم رمضان الورقة منه وقرأ العنوان.

— أيوه، في الناحية التانية من المدينة.

تنفس الشاب براحة وقال:

— يعني أوصل لها إزاي؟

شرح له عم رمضان الطريق، ثم سأله:

— وعندك ميعاد إمتى؟

— الساعة عشرة.

نظر عم رمضان إلى ساعته القديمة.

— لسه قدامك وقت.

ثم لاحظ أن الشاب لم يتحرك.

رفع عينيه إليه وقال:

— في إيه؟

هز الشاب رأسه وقال:

— ولا حاجة.

لكن صوته لم يكن مقنعًا.

ظل صامتًا لحظة، ثم قال:

— المشكلة إني... مش معايا فلوس كفاية للمواصلات.

لم يعرف ماذا يقول بعدها.

خفض عينيه إلى الأرض، وكأنه كان يخشى أن يرى عم رمضان في وجهه شيئًا من الخجل.

أما عم رمضان فلم يعلّق.

مد يده إلى جيب صديريته القديمة، وأخرج خمسين جنيهًا مطوية بعناية، ثم وضعها في يد الشاب.

قال الشاب بسرعة:

— لا يا عمي، مينفعش.

— خد.

— بس دي فلوسك.

ابتسم عم رمضان:

— وأنا هروح على رجلي.

ثم أضاف وهو يشير إلى الورقة:

— المهم توصل في معادك.

تردد الشاب، لكنه أخذ المال أخيرًا.

وقبل أن يرحل، قال:

— أول ما أقبض هرجعهالك.

ضحك عم رمضان وقال:

— لا.

نظر إليه الشاب باستغراب.

— إزاي يعني؟

اقترب منه عم رمضان وقال:

— أنا مش بديك الخمسين جنيه.

ثم وضع يده على كتفه وقال:

— أنا بسلّفك للي بعدك.

ظل الشاب ينظر إليه.

فأكمل عم رمضان:

— لو ربنا فتحها عليك، وفي يوم قابلت واحد واقف مكانك ومحتاج خمسين جنيه عشان يوصل لحاجة تغيّر حياته... افتكرني وساعده.

ابتسم الشاب لأول مرة.

— حاضر يا عمي.

ثم انصرف مسرعًا.

وقف عم رمضان يتابعه بعينيه حتى اختفى وسط الزحام، ثم عاد إلى بضاعته وكأن شيئًا لم يحدث.

________________________________________

مرّت السنوات.

لم يصبح الشاب مليونيرًا، ولم تتغير حياته بين ليلة وضحاها.

لكنه حصل على الوظيفة.

ثم تعلم، واجتهد، وترقى في عمله خطوة بعد خطوة.

وفي الوقت نفسه، بدأت حياة عم رمضان تتغير ببطء.

تراجعت حركة البيع في الشارع، وظهرت محلات كبيرة تبيع الأشياء نفسها بأسعار أقل.

وأصبحت الساعات التي يقضيها جالسًا على الرصيف أثقل على ركبتيه.

كان يأتي كل صباح كعادته، يرتب بضاعته، ويظل حتى المساء، رغم أن ما يبيعه في يوم كامل لم يعد يساوي ما كان يبيعه قديمًا.

ثم جاء شتاء شديد البرودة.

مرض عم رمضان، واضطر إلى البقاء في منزله أسابيع.

وحين عاد، وجد أن مكانه على الرصيف لم يعد كما كان.

لكنّه لم يشتكِ.

جمع ما تبقى من بضاعته، وفرشها من جديد، وجلس ينتظر رزقه.

وفي صباح هادئ، توقفت سيارة بالقرب منه.

نزل منها رجل في أواخر الثلاثينيات، يرتدي ملابس أنيقة ويحمل حقيبة عمل.

اقترب الرجل من الفرشة، ثم ظل واقفًا أمام عم رمضان دون أن يتكلم.

رفع عم رمضان رأسه وقال:

— أؤمر يا ابني.

ابتسم الرجل.

— مش فاكرني؟

نظر إليه عم رمضان طويلًا.

هز رأسه بأسف:

— والله يا ابني، الوجوه كتير.

ضحك الرجل وقال:

— طبيعي... أنت ساعدت ناس كتير.

ثم أخرج من محفظته ورقة قديمة مطوية بعناية.

فتحها أمامه.

كانت نسخة من عنوان الشركة الذي حمله معه قبل سنوات.

اتسعت عينا عم رمضان قليلًا.

— أنت...

ابتسم الرجل.

— أيوه يا عمي.

جلس إلى جواره على الرصيف وقال:

— كنت رايح مقابلة شغل، ومكنش معايا أجرة الطريق.

ثم أضاف:

— وأنت ادتني خمسين جنيه.

ابتسم عم رمضان.

— آه... افتكرت.

سكت الرجل لحظة، ثم قال:

— أنا فضلت فاكر.

في ذلك اليوم، لم يعطِ الرجل عم رمضان ظرفًا مليئًا بالمال، ولم يشترِ له بيتًا.

لكنه بدأ يسأل عنه.

عرف أن عم رمضان لا يملك معاشًا منتظمًا، وأن الجلوس الطويل على الرصيف أصبح متعبًا له، وأنه كان يتمنى منذ سنوات أن يكون له مكان صغير يحفظ فيه بضاعته ويحميه من المطر والشمس.

وبمساعدة بعض معارفه، أنهى له إجراءات معاشه، وساعده في الحصول على كشك صغير مرخّص بالقرب من المكان الذي اعتاد أن يبيع فيه.

بعد أسابيع، وقف عم رمضان أمام الكشك الجديد.

كانت بضاعته مرتبة على الأرفف، وبابه يُغلق في المساء، ولم تعد حاجته إلى حمل الفرشة كل يوم.

نظر إلى الرجل وقال:

— ليه عملت كل ده؟

ابتسم الرجل وقال:

— عشان الخمسين جنيه.

ضحك عم رمضان:

— يا ابني، أنا كنت نسيتهم أصلًا.

قال الرجل:

— أنا منستهمش.

ثم سكت لحظة قبل أن يضيف:

— أنت يومها شفت واحد واقف قدامك ومحتاج مساعدة، لكنك شفت فيه حاجة أنا نفسي مكنتش شايفها.

— شفت إيه؟

ابتسم الرجل:

— شفت إن عنده فرصة... وصدّقت فيها قبلي.

خفض عم رمضان عينيه، ثم ابتسم.

قال الرجل:

— أنا كنت ممكن أرجعلك الخمسين جنيه من أول مرتب قبضته.

ضحك عم رمضان:

— وكان ده المطلوب.

هز الرجل رأسه.

— لأ... أنت قلتلي أديها للي بعدي.

نظر عم رمضان إليه، فابتسم الرجل وقال:

— وأنا لسه بدفعها.

________________________________________

مرت الأيام.

وفي الحي نفسه، لم يتوقف الأمر عند الرجل وعم رمضان.

صار الرجل يساعد من يحتاجه في عمله.

وصاحب محل قريب بدأ يسمح لبعض الزبائن بتأجيل الحساب إذا ضاقت بهم الحال.

وسائق ميكروباص كان أحيانًا يترك طالبًا لا يملك الأجرة يكمل طريقه.

وكلما حاول أحدهم أن يشكره، كان يسمع الجملة نفسها:

— أنا مش بديك... أنا بسلّفك للي بعدك.

وهكذا، لم تعد الخمسون جنيهًا مجرد ورقة نقدية ضاعت من جيب رجل عجوز ذات صباح.

صارت شيئًا آخر...

خيرًا انتقل من يدٍ إلى يد، دون أن ينتظر صاحبه أن يعود إليه.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

مطبخ على السطح
قصص نجاح

مطبخ على السطح

بعد وفاة زوجها، وجدت أم يوسف نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بلا دخل ثابت. لكنها لم تستسلم، وبدأت من مطبخ بيتها بطبخ وجبات بسيطة لجيرانها. ومع الصبر والعمل، تحوّلت بدايتها الصغيرة إلى مشروع ناجح. قصة ملهمة عن الإرادة، والعمل، وصناعة الفرصة من أبسط الإمكانات.

٣قراءة
سَلِّفها للي بعدك · ملهم