مطبخ على السطح
مطبخ على السطح
بعد وفاة زوجها، وجدت أم يوسف نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بلا دخل ثابت. لكنها لم تستسلم، وبدأت من مطبخ بيتها بطبخ وجبات بسيطة لجيرانها. ومع الصبر والعمل، تحوّلت بدايتها الصغيرة إلى مشروع ناجح. قصة ملهمة عن الإرادة، والعمل، وصناعة الفرصة من أبسط الإمكانات.

مطبخ على السطح
حين توفي زوجها، لم تعرف أم يوسف كيف ستكمل الطريق.
في صباح اليوم التالي، بدا البيت أصغر من المعتاد. ثلاثة أطفال يتحركون في الغرف بصمت، وإيجار متأخر، وفواتير متراكمة، وثلاجة لا يكاد يسكنها إلا بعض الخضراوات.
جلست أم يوسف في مطبخها الصغير، وأسندت ظهرها إلى الحائط.
كانت في الأربعين، تحمل شهادة الإعدادية، ولا تعرف مهنة تستطيع أن تبدأ بها من جديد.
بكت طويلًا، ثم راحت عيناها تجولان في أركان المطبخ حتى توقفتا عند حَلّة نحاسية قديمة فوق الرف.
كانت الحَلّة لأمها.
مدّت يدها إليها، ومسحت عنها الغبار، ثم ابتسمت وسط دموعها وقالت:
— أنا مش معايا فلوس... بس معايا إيد بتعرف تطبخ.
في اليوم التالي، اشترت قليلًا من الخضار من سوق الجملة قبل طلوع الشمس، وعادت إلى بيتها وبدأت العمل.
طبخت ملوخية ومحشي.
وضعت الطعام في علب بسيطة، وطرقت أبواب الجيران.
في البداية، اشترى منها ثلاثة أشخاص فقط.
وفي اليوم التالي، أربعة.
وفي نهاية الأسبوع، صار لديها عدد قليل من الزبائن ينتظرون طعامها.
لم تكن الأرباح تكفي بالكاد، لكنها كانت تكتب كل شيء في كشكول قديم: ثمن الخضار، والغاز، والعلب، وما دفعه كل زبون.
كانت تحسب الجنيه الواحد أكثر من مرة قبل أن تنفقه.
وفي إحدى الليالي، وبعد يوم طويل من العمل، غلبها النوم وهي تنتظر الطعام على النار.
استيقظت على رائحة احتراق.
رفعت الغطاء، فوجدت الطعام قد احترق كله.
جلست على الأرض وأجهشت بالبكاء.
لم يكن يؤلمها الطعام الذي ضاع بقدر ما كان يؤلمها شعورها بأنها لا تستطيع أن تخطئ.
فهي لا تملك مالًا لتعوض الخسارة.
ولا تملك زوجًا يحمل عنها نصف الطريق.
ولا تملك رفاهية أن تقول: «سأبدأ غدًا».
لكنها بعد دقائق نهضت.
غسلت الحَلّة.
وأشعلت النار من جديد.
في صباح اليوم التالي، طبخت مرة أخرى.
ثم حدث شيء لم تخطط له.
كانت إحدى الموظفات في العمارة المجاورة قد اشترت منها الغداء، فأعجبها الطعام. التقطت له صورة ونشرتها على صفحتها، وكتبت رقم أم يوسف أسفلها:
«أكل بيوت حقيقي.»
في اليوم التالي، رن الهاتف مرات كثيرة.
موظف يريد غداءً كل يوم.
وأم عاملة تسأل إن كانت تستطيع إعداد طعام أسبوع كامل.
وشركة صغيرة تسأل عن إمكانية تجهيز وجبات لموظفيها.
أصبح الهاتف القديم لا يهدأ.
لكن أم يوسف لم تعتبر ذلك نجاحًا.
كانت تعرف أن كثرة الطلبات يمكن أن تكون بداية النهاية إذا لم تستطع الحفاظ على الجودة.
كانت تستيقظ قبل الجميع، وتختار الخضار بنفسها، وتراجع كل طلب قبل خروجه.
وحين بدأت رائحة الطبخ تتصاعد يوميًا في العمارة، اعترض صاحب العقار.
قال لها بصرامة:
— يا أم يوسف، العمارة مش مطعم.
شعرت أن الأرض تضيق تحت قدميها.
عادت إلى بيتها تلك الليلة وهي تفكر في كل شيء بدأ ينهار.
ثم تذكرت الحَلّة النحاسية.
لم تكن تريد أن تخسر ما بنته، فجلست مع صاحب العقار، وتحدثت معه حتى اتفقا على أن تستأجر السطح المهجور فوق العمارة.
كان السطح مليئًا بالغبار والأشياء القديمة.
نظرت إليه أم يوسف وقالت:
— يعني هنبدأ من الصفر تاني؟
ابتسم يوسف، ابنها الأكبر، وقال:
— إحنا أصلًا بدأنا من الصفر يا أمي.
ضحكت.
وفي اليوم التالي، بدأ تنظيف السطح.
تحول المكان شيئًا فشيئًا إلى مطبخ صغير.
ومع زيادة الطلبات، ظهرت مشكلة جديدة.
بدأ بعض الناس يقلدونها، ويبيعون الوجبات بأسعار أقل.
قال لها أحد معارفها:
— نزلي السعر زيهم، وإلا الزباين هتروح.
هزت رأسها وقالت:
— اللي عايز أرخص هيروح للأرخص. أنا عايزة اللي يدور على أكل يثق فيه.
لم تدخل أم يوسف حرب الأسعار.
اهتمت بشيء آخر.
أن يصل الطعام في موعده.
أن يكون الطعم ثابتًا.
أن تكون الخضراوات نظيفة.
وأن تخرج كل وجبة من المطبخ كما لو كانت ستقدمها لأحد أبنائها.
ومع الوقت، بدأ الناس يعرفونها لا لأنها الأرخص، بل لأنها لا تخذل زبونًا.
كبر العمل.
ودخل يوسف، الذي كان يدرس التجارة، ليساعدها في الحسابات وتنظيم الطلبات.
اختفى الكشكول القديم تدريجيًا، وحلّت مكانه دفاتر مرتبة، ثم نظام أكثر تنظيمًا للطلبات والمصروفات.
وبعد سنوات، لم تعد أم يوسف تطبخ وحدها.
صار معها فريق من النساء اللواتي احتجن إلى فرصة مثلها.
كانت تختار الأرامل والمطلقات اللاتي يبحثن عن بداية جديدة، وتقول لهن:
— أنا مش هديكي صدقة. أنا هديكي شغل، وإنتِ هتثبتي نفسك.
ومع مرور ست سنوات، أصبح «مطبخ أم يوسف» اسمًا معروفًا في المنطقة.
مئات الوجبات تخرج كل يوم إلى البيوت والشركات.
وفي صباح مزدحم، جاءت صحفية شابة لإجراء لقاء معها.
نظرت حولها إلى العاملات، وإلى صفوف علب الطعام، ثم سألت:
— إيه سر النجاح؟
ضحكت أم يوسف وهي تتابع إحدى العاملات وهي تغلق علبة طعام.
— مفيش سر يا بنتي.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— أنا بس ماستنيتش حد ينقذني.
ثم أشارت إلى الحَلّة النحاسية القديمة الموضوعة في زاوية المطبخ.
كانت قديمة، مخدوشة، وفقدت لمعانها منذ سنوات.
وقالت:
— الدنيا وقفت بيّ يوم ما جوزي مات... فقمت أنا.
وفي نهاية اليوم، دخل يوسف إلى المطبخ، وأشار إلى باب السطح.
كان قد علّق عليه لوحة خشبية صغيرة.
قرأت أم يوسف الكلمات المكتوبة عليها، ثم ظلت صامتة لحظة.
كانت العبارة هي نفسها التي قالتها في تلك الليلة الأولى:
«مش معايا فلوس... بس معايا إيد بتعرف تشتغل.»
ابتسمت.
هذه المرة، لم تكن الجملة محاولة لإقناع نفسها بأنها تستطيع.
كانت حقيقة.
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

سَلِّفها للي بعدك
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا إلى مساعدة صغيرة في اللحظة المناسبة لتتغير حياته كلها. لكن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند من تلقّاه؛ فقد ينتقل من شخص إلى آخر، حتى يعود يومًا إلى صاحبه من طريق لم يتوقعه.