اعتاد حازم أن يرى في تفاصيل حياته اليومية أسبابًا للضيق، حتى قاده عطل بسيارته إلى محل ساعات صغير. هناك، يلتقي عجوزًا يحتفظ بأشياء تبدو بلا قيمة، لكنها تحمل حكايات أشخاص أحبهم وفقدهم. لقاء عابر يدفعه إلى تأمل حياته بعين مختلفة. قصة إنسانية عن الامتنان، ودفء العائلة، وقيمة ما نملك قبل أن يصبح مجرد ذكرى.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 5 دقائق
0قراءة
كان يملك كل ما يحتاج إليه تقريبًا، لكنه لم يكن يرى ذلك.
هكذا كان يبدأ يوم حازم. ففي كل صباح، كان يتذمر من الشاي الذي تعدّه زوجته بالطريقة نفسها كل يوم؛ شايًا ثقيلًا كثير السكر، ومن صوت أطفاله وهم يستعدون للمدرسة، ومن أمه التي تتصل به أكثر مما ينبغي، ومن عمله الذي لا يترك له وقتًا لنفسه.
«متى سأحظى بالحياة التي تُسعدني؟» كان هذا سؤاله الدائم لنفسه كل صباح، ثم يجيب عنه بالطريقة نفسها:
— يومًا ما سأرتاح.
وفي مساء يوم شتوي، تعطلت سيارة حازم في طريق عودته إلى منزله. خرج منها ووقف إلى جوارها لدقائق، يلتفت حوله بحثًا عمّن يساعده. مرت سيارة، ثم أخرى، وانتظر طويلًا، لكن لم يتوقف أحد. حتى قرر أن يترك سيارته ويكمل سيره على الطريق، لعله يجد من يساعده.
لم يكمل دقيقتين حتى وجد محلًا صغيرًا موارب الباب في أول الطريق. وما إن اقترب حتى قرأ اللافتة: «إصلاح الساعات».
دخل المحل، فوجد رجلًا عجوزًا جالسًا خلف مكتبه، منكّس الرأس فوق ساعة يمسكها بين يديه، وأمامه شاب يتحدث معه عن ساعته.
كان كلاهما منشغلًا بالحديث، وما إن دخل حازم حتى رفع العجوز والشاب رأسيهما نحوه.
رجل مسن يجلس وحيدًا في محطة قطار، ممسكًا بورقة قديمة، وينتظر شخصًا لا يتذكر اسمه. وبينما يحاول موظف الأمن مساعدته، تكشف الساعات الأخيرة من الانتظار عن شيء أعمق من النسيان… شيء لا تستطيع الذاكرة أن تمحوه.
شيماء الصاوي3قراءة
ابتسم الرجل.
— لا، هذه أشياء أحب الاحتفاظ بها.
ابتسم حازم ابتسامة حملت شيئًا من السخرية الخفيفة، لم يقصد أن تظهر على وجهه. لكن الرجل لمحها، فابتسم له، ثم أمسك بتذكرة حافلة قديمة.
— هذه تذكرة أول مرة سافرت فيها مع زوجتي، رحمها الله.
ثم رفع مفتاحًا صدئًا.
— وهذا مفتاح بيتنا القديم؛ البيت الذي تزوجت فيه، وُلد فيه أول أبنائي، وعشنا فيه حتى وسّع الله علينا.
وأخرج ملعقة صغيرة.
— وهذه كانت لأمي، كانت تفضلها كثيرًا.
نظر إلى الأشياء أمامه، ثم قال:
— كلها أشياء بسيطة، لكن قيمتها في أصحابها، وفي قدرهم عندي. أتدري يا أستاذ؟ لم أعترض يومًا على غياب أحد منهم، ولم أقل: لماذا يا رب؟ ولم أنقم. بل عشت عمري ممتنًا لأن لدي لكل واحد منهم شيئًا يذكرني به. مجرد أن أمسك الشيء، يتذكر قلبي وعقلي كل مواقفنا معًا.
ثم أعاد الأغراض إلى صندوق صغير بجانبه، وقال:
— في الحقيقة، كنت قد أخرجتها لأحضر قطع إكسسوار لساعات غالية كنت أحتفظ بها في الصندوق، وكنت أحتاج إليها للشاب الذي كان هنا.
لم يتحدث حازم. ظل ينظر إلى الأشياء، ثم إلى العجوز بتأثر.
قال:
— وتحتفظ بهذه الأشياء من أجل ذكرياتك معهم؟
تأمل الرجل وجه حازم طويلًا قبل أن يقول:
— لأن كل شيء منها كان عاديًا جدًا... حتى لم يعد موجودًا.
سكت حازم.
عاد الرجل إلى ترتيب أشيائه، ثم سأله:
— وأنت؟ هل تحتفظ بشيء؟
فكر حازم قليلًا، ثم قال:
— ليس لدي شيء يستحق.
رفع الرجل عينيه إليه باستغراب، ثم قال:
— أحيانًا لا يعرف الإنسان قيمة الشيء وهو بين يديه، إلا عندما يبحث عنه بعد أن يختفي.
سكت قليلًا، ثم نظر إلى حازم وقال:
— ربما لهذا يحتاج الإنسان إلى أن ينظر إلى الشيء وهو لا يزال موجودًا، قبل أن يتحول إلى ذكرى.
لم يفهم حازم تمامًا ما يقصده، أو ربما لم يُرِد أن يفهم.
ابتسم العجوز وأشار إلى ساعته.
— كنت أنظر إلى هذه الساعة كل يوم، ولا أرى فيها سوى ساعة. أما الآن، فعندما أمسكها، أتذكر يد زوجتي وهي تقدمها إليّ في بداية زواجنا.
ثم مرر يده على المفتاح القديم.
— وهذا المفتاح... كنت أتضايق كلما عدت إلى البيت ووجدته في جيبي، وأقول: متى سنترك هذا البيت الضيق ونعيش في مكان أفضل؟ أما الآن، فأتمنى لو أستطيع الوقوف أمام بابه دقيقة واحدة فقط.
نظر حازم إلى الأشياء صامتًا.
قال العجوز:
— ربما لا تتغير الأشياء يا أستاذ... نحن فقط نتأخر في معرفة قيمتها.
في تلك اللحظة، رن هاتف الرجل.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه دون أن يجيب.
سأله حازم:
— ابنك؟
هز الرجل رأسه.
— ابني مات منذ سبع سنوات مع والدته في حادث.
ثم أشار إلى الأشياء حوله وقال:
— منذ ذلك الوقت بدأت أجمع كل شيء كنت أراه عاديًا.
ساد الصمت للحظات.
ثم سأل الرجل:
— أتيت لإصلاح ساعتك؟
ابتسم حازم وقال:
— سيارتي تعطلت، وأحتاج إلى معرفة أقرب ميكانيكي.
قال العجوز:
— هناك عم محمود قريب من هنا. دقيقة، سأتصل به.
— شكرًا لك.
أعطاه الرجل رقم عم محمود، وخرج حازم متجهًا إلى سيارته.
بعد نحو نصف ساعة، انتهى عم محمود من إصلاح السيارة. دفع له حازم الحساب، وشكره، ثم تحرك بسيارته.
في الطريق إلى البيت، ظل يفكر في سؤال الرجل:
هل لدي شيء أخاف أن أبحث عنه يومًا ولا أجده؟
عندما وصل، وجد زوجته تنتظره عند الباب.
— تأخرت يا حبيبي، حمدًا لله على السلامة.
— الله يسلمك. تعطلت السيارة واحتاج إصلاحها إلى بعض الوقت.
دخل حازم، وكاد يتذمر من يومه كعادته، لكنه توقف عندما رأى الغداء جاهزًا، وأطفاله يلعبون أمام التلفاز في انتظار عودته ليتناولوا الطعام معهم.
دخل ليغير ملابسه، فوجد حذاء ابنته الصغيرة قرب الباب، ودفتر ابنه مفتوحًا على الطاولة.
ولدهشته، لأول مرة، لم تبدُ له هذه الأشياء عادية.
غيّر ملابسه سريعًا، وعاد إليهم ليتناول الغداء. ولأول مرة منذ وقت طويل، سأل أطفاله:
— ماذا فعلتم في المدرسة اليوم يا أولاد؟
تحدثوا معًا بحماس، ولم يزعجه صوتهم هذه المرة، بل ظل يبتسم لهم ولزوجته.
بعد الغداء، وبينما كانت زوجته تُحضّر الشاي، اتصل بأمه.
وعندما أجابت، قال:
— اشتقت إليكِ.
سكتت أمه لحظة، ثم ضحكت.
وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، فتح حازم درجًا صغيرًا ووضع فيه شيئًا واحدًا.
إيصال إصلاح السيارة.
لم تكن له قيمة تُذكر.
لكنه أراد أن يحتفظ به.
لأنه كان، بالنسبة إليه، ذكرى الليلة التي بدأ فيها يرى الأشياء التي كان يظنها عادية... ويعرف قيمتها قبل أن تصبح ذكرى.
ملاحظة بسيطة من عم حسين، عامل الصيانة، بتفتح للمهندس سامر طريق حل مشكلة خطيرة في تصميم المشروع. لكن لما ييجي وقت التكريم، سامر بيواجه اختبارًا تاني: هل يكتفي باسمه على لوحة النجاح، ولا ينصف صاحب الملاحظة الأولى؟ حكاية عن قيمة الخبرة العملية، وحسن الاستماع، ونسب الفضل لأصحابه.
بعد وفاة والده، يعثر ياسر على مفتاح غامض يقوده إلى سرّ أخفاه أبوه لأكثر من عشرين عامًا. وبينما يحاول معرفة صاحبه، يكتشف أن الورشة التي ظنها ملكًا لعائلته كانت في الأصل أمانة، وأن والده ظل طوال حياته يبحث عن طريقة لرد جميل رجل منحه فرصة في أصعب أيامه.
وحين يفهم ياسر حقيقة المفتاح، يدرك أن بعض الديون لا تُسدَّد بالمال… بل بأن تفتح الباب لغيرك