تخطّي إلى المحتوى

دينٌ بلا دائن

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة ٦ دقائق
٠قراءة

بعد وفاة والده، يعثر ياسر على مفتاح غامض يقوده إلى سرّ أخفاه أبوه لأكثر من عشرين عامًا. وبينما يحاول معرفة صاحبه، يكتشف أن الورشة التي ظنها ملكًا لعائلته كانت في الأصل أمانة، وأن والده ظل طوال حياته يبحث عن طريقة لرد جميل رجل منحه فرصة في أصعب أيامه. وحين يفهم ياسر حقيقة المفتاح، يدرك أن بعض الديون لا تُسدَّد بالمال… بل بأن تفتح الباب لغيرك

دينٌ بلا دائن

بعد وفاة الحاج محمود بثلاثة أيام، دخل ياسر الورشة وحده للمرة الأولى.

كان قد جاء لينهي ما تركه أبوه وراءه؛ أوراق الحساب، عقود الموردين، وما يمكن بيعه قبل أن تُغلق الورشة نهائيًا.

في آخر درج من مكتب أبيه، وجد مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا مربوطًا بخيط قديم. كانت معه ورقة مطوية بعناية.

فتحها.

«لا تسلّمه إلا لصاحبه.»

ظل ياسر ينظر إلى الجملة.

قلب المفتاح بين أصابعه. لا رقم عليه، ولا علامة تدل على الباب الذي يفتحه.

سمع صوتًا خلفه.

— لقيته؟

التفت.

كان عم صابر يقف عند باب المكتب.

كان يعمل مع أبيه منذ أكثر من عشرين عامًا، حتى صار وجوده في الورشة جزءًا من المكان نفسه.

رفع ياسر المفتاح.

— تعرفه؟

توقف صابر لحظة، ثم اقترب.

ما إن وقعت عيناه عليه حتى تغير وجهه.

— لسه موجود؟

— يعني إيه لسه موجود؟

لم يجب صابر. مد يده، ثم تراجع قبل أن يلمسه.

— أبوك كان بيحتفظ بيه هنا.

— بيفتح إيه؟

نظر صابر إلى الباب، ثم إلى المفتاح.

— باب.

ضحك ياسر بسخرية خفيفة.

— دي مش إجابة.

ابتسم صابر ابتسامة صغيرة.

— عارف.

جلس على الكرسي المقابل لمكتب محمود، وظل صامتًا قليلًا.

قال ياسر:

— إنت كنت تعرف عن الموضوع ده؟

— أعرف إن أبوك كان بياخد المفتاح كل كام شهر، يبص عليه، ويرجعه مكانه.

— ليه؟

— ما كانش بيقول.

— وأنت ما سألتوش؟

هز صابر رأسه.

— سألت مرة.

— وقال إيه؟

ابتسم صابر.

— قال لي: «لما ييجي وقته، هييجي صاحبه.»

قطّب ياسر حاجبيه.

— صاحبه مين؟

— رجب.

كان الاسم جديدًا على ياسر.

— مين رجب؟

نظر صابر إلى المفتاح طويلًا.

— واحد كان صاحب أبوك قبل ما يبقى صاحب الورشة.

— يعني إيه؟

تنهد صابر.

— يعني إنك لو عايز تعرف حكاية المفتاح، اسأل عن رجب.

ثم سكت لحظة وأضاف:

— بس قبل ما تسأل، اعرف حاجة عن أبوك.

نظر إليه ياسر.

— إيه؟

قال صابر:

— أبوك كان عنده عادة غريبة. كل ما حد يقف على رجله بمساعدته، يفضل شايل هم إنه يرد له الجميل.

— يعني كان بيساعد الناس؟

ضحك صابر.

— أبوك ما كانش بيحب حد يقول عليه كده.

— أمال كان بيعتبرها إيه؟

نظر صابر إلى مكتب محمود.

— كان بيقول: «الخير اللي يترد فلوس، يبقى فلوس. إنما الخير اللي يفتح لك باب… ده يترد بباب.»

سكت ياسر.

كانت أول مرة يسمع جملة عن أبيه لم تكن تخص حسابًا أو ورقة.

وضع المفتاح في جيبه.

— ورجب ده لسه عايش؟

هز صابر رأسه.

— أيوه.

— وبييجي هنا؟

— كل كام شهر.

— ليه؟

نظر إليه صابر.

— يسأل عن المفتاح.

رفع ياسر عينيه.

— ويسأل عليه ليه؟

ابتسم صابر بحزن.

— عشان يتأكد إن أبوك لسه محافظ على وعده.

في اليوم التالي، جاء رجب.

كان رجلًا في أواخر الستينيات، يحمل حقيبة جلدية صغيرة. وقف عند باب الورشة لحظات، ولم يدخل فورًا؛ ظل ينظر إلى المكان كأنه يستعيد شيئًا مضى عليه زمن طويل.

قال:

— أنت ياسر؟

— أيوه.

نظر رجب إليه طويلًا، ثم قال:

— أبوك قال لي إنك هتسأل عني يومًا.

أخرج ياسر المفتاح من جيبه.

ما إن رآه حتى تغير وجه رجب.

— لسه معاك؟

— أيوه.

مد رجب يده نحوه، لكنه لم يأخذه.

قال ياسر:

— بيفتح إيه؟

سكت رجب قليلًا.

— باب.

ضحك ياسر بسخرية خفيفة.

— دي نفس إجابة عم صابر.

ابتسم رجب.

— لأن المشكلة مش في الباب.

— أمال في إيه؟

نظر رجب إلى الورشة.

— أبوك كان عنده سبب يخليك ما تعرفش عني قبل دلوقتي.

— إيه السبب؟

قال رجب بهدوء:

— مش كل حاجة أبوك عملها كانت عشان نفسه.

لم يفهم ياسر.

— يعني إيه؟

اقترب رجب من مكتب محمود، ومرر يده فوق سطحه.

— أبوك عمره ما اعتبر الورشة دي ملكه.

تغيرت ملامح ياسر.

— الورشة دي بتاعة أبويا من قبل ما أتولد.

— عارف.

— أمال بتقول إيه؟

سكت رجب لحظة، ثم قال:

— المفتاح خليه معاك.

— مش هتاخده؟

— لأ.

— بس عم صابر قال إنك بتيجي كل كام شهر تسأل عليه.

ابتسم رجب بحزن.

— كنت باجي أشوف لسه موجود… ولا أبوك سلّمه لحد.

— وليه؟

رفع رجب عينيه إليه.

— عشان كان واعدني.

— بوعد إيه؟

وقف رجب، وحمل حقيبته.

— هتعرف.

ثم خرج.

في اليوم التالي، لم يبحث ياسر عن الباب.

بحث عن أبيه.

فتح الدفاتر القديمة، وقلب الفواتير والعقود والحسابات، حتى عثر على دفتر مهترئ في آخر رف.

بين صفحاته ورقة مطوية.

فتحها.

في أعلاها تاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.

وتحته بخط أبيه:

«اليوم سلّمني رجب الورشة.»

توقف ياسر.

قرأ السطر الذي يليه:

«قال لي: أنت أحق بها مني الآن، لكن لو في يوم رجعت أطلبها، ما تسألنيش ليه.»

ثم وجد تحتها، بخط مختلف:

«وأنا واثق إنك مش هتسأل.»

قلب الصفحة.

كانت هناك جملة أخرى:

«رفضت أشتريها منه. ورفض ياخد ثمنها. اتفقنا إنها تفضل باسمي، وأنا أديرها، لحد ما يطلبها.»

ظل ياسر يحدق في الورقة.

طوال عشرين عامًا، كان أبوه يدير ورشة لم تكن ملكه.

واصل التقليب.

وجد إيصالًا قديمًا، ثم آخر، ثم ثالثًا.

كلها مبالغ دُفعت على فترات متباعدة، وبجوارها اسم واحد:

«رجب.»

اتصل به فورًا.

— حضرتك كنت بتاخد فلوس من أبويا؟

ضحك رجب ضحكة قصيرة.

— لأ.

— أمال الإيصالات دي إيه؟

صمت قليلًا.

— أبوك كان بيحاول يرجع لي حاجة.

— حاجة إيه؟

— مش فلوس.

— أمال إيه؟

قال رجب:

— جميل.

سكت ياسر.

ثم قال رجب:

— تعالى بكرة.

في اليوم التالي، كان رجب ينتظره.

أخذه إلى آخر الورشة، وأشار إلى باب خشبي صغير اختفى خلف ألواح قديمة.

— عمرك شفته؟

هز ياسر رأسه.

أخرج المفتاح.

أدخله في القفل.

وانفتح الباب.

كانت الغرفة ضيقة، وفي منتصفها صندوق خشبي قديم.

فتح رجب الصندوق.

لم يجد ياسر مالًا ولا أوراق ملكية.

وجد عشرات الأظرف.

فتح أول ظرف.

إيصال بمبلغ من المال، وتحته بخط أبيه:

«دفعة من ثمن الورشة.»

نظر إلى رجب.

— إنت قلت إنك ما بعتهاش.

— ما بعتهاش.

— أمال أبويا كان بيدفع لك ليه؟

قال رجب:

— عشان كان فاكر إن المعروف دين.

فتح ياسر ظرفًا آخر.

ثم آخر.

كلها مبالغ صغيرة، متباعدة، وكلها مرفوضة.

قال رجب:

— كل مرة كان ييجي يحاول يدفع. وكل مرة كنت أرجع له الفلوس.

— ليه؟

جلس رجب أمام الصندوق.

— لأن اللي عملته لأبوك ما كانش قرض.

ثم أضاف:

— يوم ما دخل الورشة أول مرة، ما كانش معاه غير أجرة يوم. وأنا كنت محتاج حد يشتغل معايا. اديته فرصة.

نظر إلى الأظرف.

— وبعد سنين، لما وقف على رجله، جه لي وقال: «خد حقك.»

ابتسم رجب.

— قلت له: «أنا ما ليش حق عندك.»

— وأبويا؟

— ما اقتنعش.

سكت قليلًا.

— عشان كده اتفقنا على حاجة واحدة. لو في يوم غاب واحد فينا، المفتاح يفضل مع اللي يقدر يفتح الباب لحد تاني.

نظر ياسر إلى المفتاح.

— يعني الورشة هترجع لك؟

هز رجب رأسه.

— لأ.

— أمال؟

أشار إلى الصندوق.

— أبوك دفع دينه بالطريقة الوحيدة اللي قدرت أقبلها.

— إزاي؟

قال رجب:

— كل واحد بدأ من عنده، كان لازم يفتح الباب لغيره.

ظل ياسر صامتًا.

تذكر الأوراق التي جاء بها ليبيع الورشة، وتذكر أنه كان ينوي إغلاقها نهائيًا.

أغلق الصندوق.

ثم نظر إلى رجب.

— ولو أنا مش عايز الورشة؟

ابتسم رجب.

— يبقى ما فهمتش ليه أبوك خبّى المفتاح عشرين سنة.

مد ياسر يده بالمفتاح.

لكن رجب دفعها إليه.

— خليه معاك.

— ليه؟

قال رجب:

— لأن دلوقتي جه وقته.

في صباح اليوم التالي، لم تُغلق الورشة.

وعلى بابها علّق ياسر ورقة صغيرة:

«العمل متاح لمن يريد أن يبدأ.

ولو وقفت على رجلك يومًا… افتح الباب لغيرك.»

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

محفظة عم سالم
قصص تربوية / الأمانة

محفظة عم سالم

يجد الطفل آدم محفظة مليئة بالمال، ويكتشف أنها تخص عم سالم الذي يحتاجها بشدة لشراء البضاعة ودواء زوجته. ورغم أن المال كان يكفي لتحقيق حلمه بالدراجة الحمراء، يختار آدم الأمانة ويرد المحفظة لصاحبها، لأنه يؤمن أن الله يراه حتى عندما لا يراه أحد.

٦قراءة
انتظارٌ في المحطة
قصص تربوية / الرحمة والتعاطف

انتظارٌ في المحطة

رجل مسن يجلس وحيدًا في محطة قطار، ممسكًا بورقة قديمة، وينتظر شخصًا لا يتذكر اسمه. وبينما يحاول موظف الأمن مساعدته، تكشف الساعات الأخيرة من الانتظار عن شيء أعمق من النسيان… شيء لا تستطيع الذاكرة أن تمحوه.

٠قراءة
الخطأ الذي لم يفعله مازن
قصص تربوية / المسؤولية

الخطأ الذي لم يفعله مازن

حين تحطّم صندوق ثمين في محلٍ صغير، وُجّه الاتهام إلى العامل الجديد مازن، بينما كان عبدالله يعرف الحقيقة. بين الخوف من تحمّل الخطأ والصمت الذي قد يدمّر حياة شخص بريء، يجد عبدالله نفسه أمام قرار لا يستطيع الهروب منه.

٠قراءة