الخطأ الذي لم يفعله مازن
الخطأ الذي لم يفعله مازن
حين تحطّم صندوق ثمين في محلٍ صغير، وُجّه الاتهام إلى العامل الجديد مازن، بينما كان عبدالله يعرف الحقيقة. بين الخوف من تحمّل الخطأ والصمت الذي قد يدمّر حياة شخص بريء، يجد عبدالله نفسه أمام قرار لا يستطيع الهروب منه.

في أول شارع من شوارع المدينة، كان هناك محل يعرفه أهل المنطقة منذ سنوات. وفي أعلى واحد من الرفوف، كان هناك صندوق زجاجي كبير، بداخله طقم كاسات كريستال نادر، وكان صاحب المحل يعتبره من أغلى الأشياء الموجودة عنده. وكان الصندوق موضوعًا في مكان لا تصل إليه يد إلا إذا صعد صاحبها على السلم الصغير.
وكان عبدالله يعرف ذلك جيدًا.
قبل أن يغلق المحل في الليلة السابقة، قرر أن يعيد ترتيب الرفوف بنفسه. نقل بعض الصناديق من مكانها، وحمل الصندوق الزجاجي ووضعه فوق الرف بسرعة. مد يده مرة أخرى ليتأكد من ثباته، لكنه سمع صوت صاحب المحل يناديه من آخر المحل، فترك كل شيء وأطفأ النور وغادر.
في صباح اليوم التالي، كان المحل مزدحمًا بالزبائن كالمعتاد. وبعد حوالي ساعة من فتحه، دخل مازن، العامل الجديد الذي لم يكمل أسبوعه الأول بعد. كان يتحرك بحذر زائد، وكل فترة يسأل قبل أن ينقل شيئًا من مكانه.
وكان عبدالله قد لاحظ منذ أيام أن مازن يخرج هاتفه كل فترة ليتفقد الوقت، وكأنه يحسب الساعات حتى نهاية العمل. وفي إحدى الاستراحات، سمعه يتحدث مع والدته:
— متقلقيش يا أمي، أول ما القبض ينزل هجيب الدوا.
ثم أغلق الهاتف وعاد إلى عمله.
وقبل أذان الظهر بقليل، دوّى صوت ارتطام قوي.
التفت الجميع ناحية الصوت.
كان الصندوق على الأرض، والزجاج متناثرًا في كل مكان، والكاسات الكريستال التي بداخله قد تحطمت إلى قطع صغيرة.
اقترب صاحب المحل بسرعة، ونظر حوله.
— من كان واقفًا هنا؟
أشار أحد العمال ناحية مازن.
— هو كان يرتب الرف منذ قليل.
احمرّ وجه مازن، وخرج صوته مهتزًا:
— أنا؟! أنا لم ألمس الصندوق أصلًا.
نظر صاحب المحل إلى الرف، ثم إلى مازن.
— أنت كنت واقفًا هنا؟
— نعم، لكن...
سكت مازن.
وفي تلك اللحظة، نظر عبدالله إلى الصندوق.
عاد إلى ذهنه مشهد الليلة السابقة: يده وهي تضعه فوق الرف، وصوت صاحب المحل وهو يناديه، ويده وهي تنسحب من دون أن تتأكد من أن الصندوق ثابت.
فتح فمه ليتكلم.
— أنا...
لكن صاحب المحل سبقه:
— هذه القطعة ثمنها كبير، وستُخصم من مرتب من كسرها. يا مازن، قبل أن تذهب تعال إلى مكتبي.
رنّت الكلمة في أذن عبدالله.
نظر مازن إليه وإلى زملائه للحظات، كأنه ينتظر منهم شيئًا.
لكن عبدالله خفض عينيه.
عاد مازن إلى عمله.
مرّ اليوم ثقيلًا. وكلما مرّ عبدالله بجوار مكان الصندوق، كان يسمع في ذهنه صوت ارتطامه بالأرض من جديد.
وفي نهاية اليوم، دخل مازن غرفة الحسابات، وبعد قليل خرج ووجهه شاحب.
كان عبدالله ينتظره أمام المحل.
قال مازن:
— سيُخصم ثمنها من مرتبي على ثلاثة أشهر.
لم يرد عبدالله.
مشى مازن بجانبه في صمت، وبعد خطوات قليلة قال:
— أنا كنت محتاج المرتب ده كامل... كنت محوش أول مرتب عشان أجيب علاج أمي، والدكتور قال ما ينفعش يتأجل.
ظل عبدالله ساكتًا.
وصلا إلى مفترق الطريق، فقال مازن:
— حسنًا يا عبدالله، أراك غدًا.
رفع عبدالله عينيه إليه.
— إن شاء الله.
ثم أضاف بسرعة:
— لا تحمل همًا... ستُحل.
ابتسم مازن ابتسامة صغيرة ومضى.
ظل عبدالله واقفًا في مكانه.
في تلك الليلة، حاول أن يجلس مع أسرته، لكنه لم يستطع أن يشاركهم الحديث. وضعت زوجته الطعام أمامه، فحرّك الملعقة في طبقه من دون أن يأكل.
سألته:
— ما بك؟
هز رأسه.
— لا شيء.
دخل غرفته، لكنه لم يستطع النوم.
كلما أغمض عينيه، رأى مازن وهو يقول: «كنت محوش أول مرتب عشان أجيب علاج أمي.»
وفي مرة، قام من السرير وجلس على طرفه.
قال لنفسه:
— أنا الذي وضعته.
ظل ساكتًا للحظات.
— إذن أنا الذي أتحمل.
في صباح اليوم التالي، قام عبدالله، وتوضأ وصلى، ثم ودّع زوجته وأولاده وخرج إلى عمله.
وصل إلى المحل مبكرًا، ولم يجد سوى صاحب المحل في مكتبه يراجع الحسابات.
طرق على الباب.
— حضرتك فاضي؟
رفع صاحب المحل عينيه.
— تعال يا عبدالله.
دخل عبدالله، وجلس أمامه.
— كنت أريد أن أقول لحضرتك شيئًا... أنا السبب في الذي حدث للصندوق.
رفع صاحب المحل رأسه.
— ماذا؟
حكى عبدالله له كل ما حدث، ثم قال:
— أنا لم أكن متأكدًا أنني وضعته ثابتًا، وكنت مستعجلًا. وعندما وقع، خفت أن أقول. لكن مازن ليس له ذنب.
سكت صاحب المحل قليلًا، ثم سأله:
— ولماذا لم تقل وقتها؟
خفض عبدالله عينيه.
— خفت من ثمنه.
ظل صاحب المحل ساكتًا.
ثم قال:
— ثمن الكاسات سيُعوّض.
رفع عبدالله عينيه.
— وأنا مستعد أن أتحمل ثمنها.
هز صاحب المحل رأسه.
— ستتحمل نتيجة خطئك، نعم. لكن قبل أي شيء، يجب أن تصلح ما حدث لمازن.
هز عبدالله رأسه.
— حاضر.
خرج من المكتب، وانتظر حتى جاء مازن.
ناداه.
توقف مازن ونظر إليه.
قال عبدالله:
— مازن، أنا كنت أعرف من أول لحظة أنك لم تفعل شيئًا.
تغيرت ملامح مازن.
— إذن لماذا سكت؟
— خفت.
— وتركتني أنا أدفع؟
خفض عبدالله عينيه.
— نعم.
سكت مازن.
ثم قال عبدالله:
— أنا آسف. لن أطلب منك أن تنسى ما حدث، لكن كان يجب أن أقول الحقيقة من البداية.
ومد يده إليه.
ظل مازن ينظر إلى يده لحظات.
ثم صافحه.
— أنا زعلان منك يا عبدالله... لكن أقدّر أنك رجعت وقلت الحقيقة.
شد عبدالله على يده.
وفي اليوم نفسه، أُعيد إلى مازن حقه، وتحمّل عبدالله ما ترتب على خطئه.
أما مازن، فذهب في طريقه وهو يحمل مرتبه كاملًا.
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

انتظارٌ في المحطة
رجل مسن يجلس وحيدًا في محطة قطار، ممسكًا بورقة قديمة، وينتظر شخصًا لا يتذكر اسمه. وبينما يحاول موظف الأمن مساعدته، تكشف الساعات الأخيرة من الانتظار عن شيء أعمق من النسيان… شيء لا تستطيع الذاكرة أن تمحوه.

دينٌ بلا دائن
بعد وفاة والده، يعثر ياسر على مفتاح غامض يقوده إلى سرّ أخفاه أبوه لأكثر من عشرين عامًا. وبينما يحاول معرفة صاحبه، يكتشف أن الورشة التي ظنها ملكًا لعائلته كانت في الأصل أمانة، وأن والده ظل طوال حياته يبحث عن طريقة لرد جميل رجل منحه فرصة في أصعب أيامه. وحين يفهم ياسر حقيقة المفتاح، يدرك أن بعض الديون لا تُسدَّد بالمال… بل بأن تفتح الباب لغيرك

محفظة عم سالم
يجد الطفل آدم محفظة مليئة بالمال، ويكتشف أنها تخص عم سالم الذي يحتاجها بشدة لشراء البضاعة ودواء زوجته. ورغم أن المال كان يكفي لتحقيق حلمه بالدراجة الحمراء، يختار آدم الأمانة ويرد المحفظة لصاحبها، لأنه يؤمن أن الله يراه حتى عندما لا يراه أحد.