تخطّي إلى المحتوى

محفظة عم سالم

بواسطة فريق مُلهموقت القراءة ٥ دقائق
١قراءة

يجد الطفل آدم محفظة مليئة بالمال، ويكتشف أنها تخص عم سالم الذي يحتاجها بشدة لشراء البضاعة ودواء زوجته. ورغم أن المال كان يكفي لتحقيق حلمه بالدراجة الحمراء، يختار آدم الأمانة ويرد المحفظة لصاحبها، لأنه يؤمن أن الله يراه حتى عندما لا يراه أحد.

محفظة عم سالم

في حيٍّ هادئ، كان آدم، ذو العشر سنوات، يعود من المدرسة كل يوم مارًّا بدكان عم سالم البقّال. كان يشتري منه عصيره المفضل، ثم يكمل طريقه إلى البيت.

وفي يوم من الأيام، وبينما كان آدم يمشي بجوار الحديقة الصغيرة، لمح شيئًا أسود ساقطًا تحت المقعد الخشبي.

اقترب منه...

فإذا هي محفظة جلدية منتفخة!

حملها آدم بيدين مرتجفتين، وفتحها بحذر.

اتسعت عيناه.

كانت بداخلها نقود كثيرة... أكثر مما رأى في حياته!

بدأ يعدّها بسرعة، ثم توقف فجأة.

كانت تكفي لشراء الدراجة الحمراء التي يحلم بها منذ عام كامل، بل ويتبقى منها الكثير.

نظر آدم حوله.

الشارع فارغ...

لا أحد يراه.

ولا أحد يعرف أنه وجد المحفظة.

وهنا بدأت المعركة الحقيقية؛ ليست في الشارع، بل داخل صدر آدم.

همس صوت في داخله:

— خذها! أنت لم تسرقها، أنت وجدتها! ومن يضيّع ماله فهذا ذنبه... وتذكّر الدراجة الحمراء!

لكن صوتًا آخر جاء أكثر هدوءًا:

— المال له صاحب يبحث عنه الآن... وربما يحتاجه أكثر منك. الأمانة يا آدم ليست أن تفعل الصواب عندما يراك الناس، بل أن تفعله عندما لا يراك أحد.

وقف آدم في مكانه طويلًا.

كانت المحفظة في يده، لكنه شعر وكأنها أصبحت أثقل من قبل.

ثم تذكّر جملة كان أبوه يقولها له دائمًا:

— «يا آدم... الذي يراقب الله في السر، يرزقه الله من حيث لا يحتسب.»

أغلق آدم المحفظة، وأخذ نفسًا عميقًا.

ثم قال لنفسه:

— حتى لو لم أحصل على الدراجة... لا أريد شيئًا ليس لي.

وأخذ المحفظة، وعاد مسرعًا نحو الدكان.

كان دكان عم سالم قريبًا من الحديقة.

وعندما دخل آدم، رأى منظرًا آلمه.

كان عم سالم جالسًا على كرسيه، ممسكًا رأسه بيديه، ووجهه شاحب. وكان رجل من جيرانه يقف بجواره ويحاول تهدئته.

سمع آدم عم سالم يقول بصوت مكسور:

— نقود البضاعة كلها يا جاري... ونقود دواء زوجتي. جمعتها شهرًا كاملًا. لا بد أنها سقطت مني وأنا عائد من الحديقة... ضاع كل شيء.

توقف آدم لحظة.

ثم تقدم نحوه، ومد يده الصغيرة بالمحفظة، وقال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:

— عم سالم... هل هذه محفظتك؟

رفع الرجل رأسه.

نظر إلى المحفظة...

ثم إلى آدم...

ثم وقف بسرعة.

— محفظتي!

أمسكها بيدين مرتجفتين، وفتحها ليتأكد من محتوياتها.

كانت النقود في مكانها.

تنفس عم سالم براحة عميقة، ثم جلس من شدة التأثر.

— يا بني... أنت لا تعرف ماذا فعلت الآن.

ثم رفع عينيه إلى آدم وقال:

— أعدت لي نقود البضاعة... وأعدت لي دواء زوجتي. كنت أظن أنني فقدت كل شيء.

ابتسم آدم وقال:

— الحمد لله أنك وجدتها يا عم سالم.

اقترب الرجل منه، ووضع يده على كتفه.

— وهل كنت تعرف أنها لي عندما أعدتها؟

أومأ آدم.

— نعم. وجدت اسمك في البطاقة.

ابتسم عم سالم، ثم قال:

— كان بإمكانك أن تأخذها، أليس كذلك؟

خفض آدم رأسه قليلًا، ثم قال:

— نعم... كنت أستطيع.

— ولماذا لم تفعل؟

رفع آدم عينيه إليه وقال:

— لأن المال ليس لي. وحتى لو لم يرني أحد... الله يراني.

ساد الصمت للحظات.

ثم ابتسم الرجل العجوز وقال:

— يا بني، أنت صغير في العمر... لكن قلبك كبير.

فتح عم سالم المحفظة، وأخرج منها بعض النقود ومدّها إلى آدم.

— خذها يا بطل. هذه مكافأة مني لك.

تراجع آدم خطوة، وهز رأسه.

— لا يا عم سالم.

— لماذا؟

قال آدم:

— لأنني لم أُعد الأمانة من أجل المال. لو أخذت ثمنًا لأني فعلت الشيء الصحيح، فسأشعر أنني بعتها.

نظر عم سالم إلى الصغير طويلًا، ثم أعاد النقود إلى محفظته.

وقال بابتسامة:

— فهمت الآن لماذا وثق بك الله في هذا الموقف.

ضحك الجار وقال:

— ومن علّمك هذا الكلام يا ولد؟

ابتسم آدم:

— أبي.

ثم أضاف:

— أبي يقول دائمًا: «الذي يراقب الله في السر، لا يخاف أن يضيع منه الخير.»

هز عم سالم رأسه بإعجاب.

— بل سلّم لي على أبيك وقل له إن ابنه اليوم علّمني درسًا لن أنساه.

مرّت الأيام، وكادت قصة المحفظة تصبح ذكرى بعيدة.

أما آدم، فلم يعد يفكر في الدراجة الحمراء كثيرًا.

فقد أدرك أن هناك أشياء أهم من الحصول على ما نريد... مثل أن نستطيع أن ننظر إلى أنفسنا بفخر عندما نختار الصواب.

وفي صباح يوم عيد ميلاده، سمع طرقًا على الباب.

فتح آدم...

فتفاجأ بعم سالم يقف أمامه، وبجانبه رجل يحمل صندوقًا كبيرًا.

قال عم سالم:

— عيد ميلاد سعيد يا آدم.

نظر آدم إلى الصندوق بدهشة.

— ما هذا؟

ابتسم عم سالم:

— افتحه.

فتح آدم الصندوق...

وتجمّد مكانه.

كانت هناك دراجة حمراء جديدة!

اتسعت عيناه من شدة المفاجأة.

— لكن... لماذا؟

ضحك عم سالم وقال:

— سألت أباك عن أمنية كنت تتمناها منذ فترة، وعرفت أنك تحلم بدراجة حمراء.

ظل آدم صامتًا.

فأكمل عم سالم:

— لكن اسمعني جيدًا يا بني... هذه الدراجة ليست ثمن المحفظة، وليست مكافأة على الأمانة.

ثم وضع يده على كتف آدم وقال:

— لو لم تعد لي محفظتي، لما تغيّر ذلك من كون الأمانة واجبًا عليك. وأنا لم أعطك هذه الدراجة لأشتري أمانتك، فأمانتك لا تُشترى.

نظر آدم إلى الدراجة، ثم ابتسم.

— إذن لماذا أعطيتني إياها؟

قال عم سالم:

— لأنها هدية من رجل أحبّ طفلًا أعاد إليه شيئًا كان يمكنه أن يأخذه لنفسه. أردت فقط أن أفرحك في يوم ميلادك.

ابتسم آدم، واحتضن عم سالم بقوة.

ثم خرج بالدراجة إلى أبيه.

ركبها، وأخذ يدور حوله ضاحكًا، ثم صاح:

— أبي! انظر!

ضحك الأب وقال:

— ما أجملها!

أجاب آدم وهو يبتسم:

— جميلة جدًا... لكني سعيد أكثر لأنني في ذلك اليوم اخترت الصح.

احتضنه أبوه وقال:

— وهذا يا بني، هو الشيء الذي لا يستطيع أحد أن يشتريه منك.

نظر آدم إلى دراجته الحمراء، ثم إلى أبيه، وقال:

— وأظن أن كلامك كان صحيحًا...

— أي كلام؟

ابتسم آدم وقال:

— «من يراقب الله في السر، يرزقه الله من حيث لا يحتسب.»

ثم أضاف ضاحكًا:

— لكن هذه المرة... من حيث لا أحتسب، وصلتني وهي حمراء!

ضحك الجميع.

وظل آدم منذ ذلك اليوم يتذكر شيئًا واحدًا:

قد لا يراك الناس عندما تفعل الخير، لكن الخير لا يضيع.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

السلحفاة والأجنحة الملونة
قصص أطفال / حكايات ما قبل النوم

السلحفاة والأجنحة الملونة

تتمنى السلحفاة الصغيرة «غيمة» أن تطير مثل الطيور، فتطلب من الخفاش العجوز «عمشوش» أن يصنع لها أجنحة ملونة. لكن عندما تواجه خطرًا حقيقيًا في السماء، تكتشف أن ما كانت تظنه عبئًا ثقيلًا فوق ظهرها هو في الحقيقة مصدر قوتها وأمانها.

١قراءة
صندوق المفقودات
قصص أطفال / حكايات المدرسة

صندوق المفقودات

في صندوق المفقودات بالمدرسة، يجد زياد رسالة غامضة تقوده إلى اكتشاف سر زميله ياسين، الذي كان يختبر بطريقة مؤلمة إن كان أحد سيسأل عنه. قصة إنسانية عن الوحدة، والصداقة، وأثر كلمة بسيطة قد تجعل شخصًا يشعر للمرة الأولى أنه ينتمي إلى مكان.

١قراءة
البقشيش
قصص واقعية / علاقات إنسانية

البقشيش

قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.

١قراءة