تخطّي إلى المحتوى

البقشيش

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة ٥ دقائق
٠قراءة

قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.

البقشيش

في نهاية الوردية، كان سامح يجمع الفواتير من الطاولات الأخيرة سريعًا.

كان المطعم هادئًا على غير عادته. انطفأت نصف الأنوار، واختفت أصوات الصحون والكراسي، وخفتت همسات الزبائن وضحكاتهم، ولم يبقَ سوى صوت ماكينة القهوة وهي تعمل في الخلفية.

وصل سامح إلى الطاولة رقم سبعة. كان قد جلس عليها رجل في الخمسين من عمره تقريبًا، بمفرده. لم يطلب سوى وجبة بسيطة وكوب شاي، لكنه كرر على سامح أن يكون السكر زائدًا، وأن يضع له نعناعًا طازجًا.

كلما مر سامح بالقرب من طاولته ليأخذ طلب أحد الزبائن، لاحظ شيئًا غريبًا. كان الرجل يراقب هاتفه بشكل مبالغ فيه، ثم يرفع عينيه إلى باب المطعم كلما سمع خطوات أحد الداخلين. لم يتحدث كثيرًا. ربما لأنه كان بمفرده، لكن سامح، الذي اعتاد مراقبة الزبائن أكثر مما اعتادوا هم مراقبته، شعر أن الرجل ليس من الأشخاص الذين يحبون الحديث كثيرًا، حتى وسط الناس.

عندما انتهى الرجل من وجبته، جاءه سامح بالشاي. ظل الرجل ممسكًا بكوب الشاي لبعض الوقت، ثم أشار إليه.

— ممكن الحساب؟

— دقائق وهرجعلك بالفاتورة.

أومأ الرجل برأسه، وأخذ رشفة من الشاي. بعد دقائق، عاد سامح ووضع الفاتورة أمامه. دفع الرجل، ونهض وغادر دون أن يوجه له كلمة. لكن بعد أن ابتعد خطوات قليلة، ناداه سامح:

— حضرتك، الباقي.

التفت الرجل.

— خليه.

— ده كتير.

ابتسم الرجل.

— عارف.

ثم خرج.

نظر سامح إلى الباب، ثم إلى النقود. كانت الفاتورة مئتين وثلاثين جنيهًا، لكنه ترك خمسمئة زائدة على الحساب. أخذ سامح نفسًا طويلًا.

خمسمئة جنيه بقشيش!

لم يحصل على هذا المبلغ من قبل. اعتاد أن يغادر الزبون دون أن يقول حتى «شكرًا»، أو يترك له بقشيشًا لا يكفي ثمن المواصلات التي ستقله إلى بيته.

مد يده إلى النقود، لكنه توقف. كان هناك شيء غير طبيعي. أعاد النظر إلى الباب. لم يكن الرجل يبدو من النوع الذي يترك مبلغًا كهذا لمجرد أنه أعجب بالخدمة.

هذا ليس المطعم الذي يرتاده عادةً من يتركون مئات الجنيهات بقشيشًا.

ومع ذلك، ما الذي يعنيه ذلك؟ بقشيش هو بقشيش، أليس كذلك؟

وضع سامح النقود في جيبه مؤقتًا، وأكمل عمله.

أما الرجل، فقبل أن يغادر، كان قد لمح من خلف زجاج المطعم رجلًا يقف في الخارج ممسكًا بيد ابنته، ويتردد قبل أن يدخل.

بعد دقائق، دخلت فتاة صغيرة إلى المطعم مع رجل يبدو في أواخر الثلاثينيات. اختارا الطاولة رقم ستة. جلس الرجل، وأخذ قائمة الطعام، ثم أعادها بعد ثوانٍ.

— لا، شكرًا.

نظر إلى الفتاة.

— نروح؟

قالت:

— بس أنا جعانة.

خفض الرجل عينيه.

— عارف يا حبيبتي.

سمع سامح الجملة، لكنه لم يتدخل. أخرج الرجل محفظته، فتحها، ثم أغلقها. نهض.

— معلش.

قال سامح:

— حضرتك، ممكن تطلبوا حاجة بسيطة.

هز الرجل رأسه.

— معايا فلوس تكفي حاجة بسيطة، بس هي محتاجة تاكل كويس.

نظر سامح إلى الفتاة. كانت تحاول ألا تنظر إلى قائمة الطعام. اقترب منهما.

— اقعدوا.

ثم أخذ القائمة.

— تحبوا تطلبوا إيه؟

نظر الرجل إليه بحرج.

— لا، مش لازم.

ابتسم سامح.

— أنا بسأل البنت.

نظرت الفتاة إلى والدها، ثم قالت:

— مكرونة.

ابتسم سامح.

— مكرونة إذن.

عاد إلى المطبخ وطلب الوجبة. وعندما عاد، وضع أمام الرجل كوب ماء.

قال الرجل بصوت منخفض:

— والله لما أقبض...

قاطعه سامح بابتسامة:

— لما تقبض تبقى تيجي.

جلس الرجل، وأكلت الفتاة. كان سامح يمر بجوار الطاولة من وقت لآخر، دون أن يشعر أنه يراقبهما.

بعد أن انتهيا، جاء الحساب. أخرج الرجل نقوده وعدها. كانت أقل من المطلوب. رفع عينيه إلى سامح.

— أنا آسف. هرجعلكم بالباقي، صدقني.

— ولا يهمك.

— لا، لازم أدفع الباقي.

أخرج سامح من جيبه النقود التي تركها الرجل الأول. أخذ منها مئتي جنيه، ووضعهما على الطاولة.

— كده الحساب كامل.

نظر الرجل إليه بدهشة.

— إيه ده؟

— الباقي.

— لا، أنا مش فاهم.

ابتسم سامح.

— اعتبر حد دفعهم... أو عزمكم على حسابه.

رفض الرجل في البداية، لكن سامح أصر. أخذ الرجل ابنته، وشكره، ثم خرج. ظل سامح واقفًا عند الباب حتى اختفيا.

ثم عاد إلى الطاولة رقم سبعة. أخرج ما تبقى من الخمسمئة جنيه، وظل ينظر إليها.

في صباح اليوم التالي، دخل الرجل الذي تركها. اقترب منه سامح فورًا.

— حضرتك.

— نعم؟

أخرج سامح النقود.

— حضرتك نسيت خمسمئة جنيه امبارح.

ابتسم الرجل.

— لا، ما نسيتش. أنا متأكد.

— بس أنا مش فاهم.

جلس الرجل.

— شفت الراجل اللي كان مع بنته؟

— أيوه.

— أنا كنت قاعد هنا وببص عليه.

سكت قليلًا، ثم أكمل:

— شوفته وهو بيعد الفلوس، وشوفته لما حاول يضحك على بنته ويقول لها إنه هيجيب لها الأكل بعدين.

نظر سامح إلى النقود. فهم أخيرًا لماذا كان الرجل يراقب باب المطعم طوال الوقت.

— وعملت كده عشانه؟

هز الرجل رأسه.

— عملتها عشانه وعشانك.

— عشاني؟

ابتسم.

— أنا شفتك وأنت بتدفع عنه.

صمت سامح. أكمل الرجل:

— كنت فاكر إنك هتاخد الفلوس بقشيش ليك.

ضحك سامح بخفة.

— وأنا كمان كنت بفكر آخدها.

ضحك الرجل.

— وكنت هتكون حر.

ثم أضاف:

— بس لما شفتك بتدفع للرجل، عرفت إن الفلوس دي وصلت لمكانها.

دفع سامح النقود نحوه.

— بس دي مش بتاعتي.

لم يأخذها الرجل.

— هي ليك.

— ليه؟

نظر الرجل إليه لحظة، ثم قال:

— البقشيش مش دايمًا بيتدفع مقابل الخدمة.

رفع سامح عينيه إليه.

— أمال مقابل إيه؟

ابتسم الرجل.

— أحيانًا مقابل إنك عملت حاجة كويسة من غير ما تستنى حد يشوفها.

ظل سامح ساكتًا، ثم دفع النقود نحوه مرة أخرى.

— برضه مش هقدر.

رفع الرجل حاجبه.

— ليه؟

قال سامح:

— عشان لو أخدتها، هحس إني عملت اللي عملته عشان الفلوس.

ابتسم الرجل. هذه المرة لم يجادله. أخذ النقود، ووضع مئة جنيه منها على الطاولة.

— طيب خد دي.

نظر سامح إليها.

— ليه؟

— عشان الشاي.

ضحك سامح.

— دي كتير على شاي.

ابتسم الرجل.

— عارف.

ثم وقف وغادر.

ظل سامح ينظر إلى المئة جنيه. لم يعرف هل يضحك أم يرفضها.

في المساء، جاءت الفتاة الصغيرة نفسها مع والدها. عرفها سامح من بعيد. كانت تحمل طبق المكرونة نفسه الذي طلبته في اليوم السابق.

اقترب منها.

— مكرونة؟

ابتسمت.

— أيوه.

نظر سامح إلى والدها. كان هذه المرة يحمل محفظته ممتلئة.

قال له:

— المرة دي أنا اللي هدفع الشاي.

ضحك الرجل.

وفي نهاية الليلة، عندما أغلق سامح المطعم، وجد المئة جنيه لا تزال في جيبه. أخرجها ووضعها في صندوق البقشيش، ثم أضاف إليها من ماله مئة أخرى.

لم يكتب اسمًا، ولم يخبر أحدًا. فقط دفع الصندوق إلى آخر الطاولة.

وبعد دقائق، دخل عامل النظافة. نظر إلى الصندوق، ثم إلى سامح.

— ده إيه؟

ابتسم سامح.

— بقشيش.

— لمين؟

نظر سامح إلى الصندوق لحظة، ثم قال:

— لأي حد هيحتاجه.

وأطفأ آخر نور في المطعم.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

سَلِّفها للي بعدك
قصص واقعية / دروس الحياة

سَلِّفها للي بعدك

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا إلى مساعدة صغيرة في اللحظة المناسبة لتتغير حياته كلها. لكن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند من تلقّاه؛ فقد ينتقل من شخص إلى آخر، حتى يعود يومًا إلى صاحبه من طريق لم يتوقعه.

٤قراءة
مطبخ على السطح
قصص واقعية / قصص نجاح

مطبخ على السطح

بعد وفاة زوجها، وجدت أم يوسف نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بلا دخل ثابت. لكنها لم تستسلم، وبدأت من مطبخ بيتها بطبخ وجبات بسيطة لجيرانها. ومع الصبر والعمل، تحوّلت بدايتها الصغيرة إلى مشروع ناجح. قصة ملهمة عن الإرادة، والعمل، وصناعة الفرصة من أبسط الإمكانات.

٦قراءة
على ضفة الأندلس
قصص تاريخية

على ضفة الأندلس

في عام 711م، عبر طارق بن زياد البحر نحو أرض مجهولة، دون أن يعرف ما الذي ينتظره خلف الشاطئ. ومن تلك الخطوة الأولى بدأت رحلة غيّرت تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، وانطلقت منها قصة الأندلس.

٠قراءة
البقشيش · مُلهم