نشأ مصعب بن عمير في نعيم مكة، وعرفه الناس بأفخر ثيابه وأطيب رائحته، لكن سماعه للقرآن غيّر مسار حياته بالكامل. ترك الراحة والثروة من أجل إيمانه، ثم حمل القرآن إلى يثرب فكان من أوائل من مهّدوا لانتشار الإسلام فيها. رحلة ملهمة لصحابي اختار العقيدة، وحمل الراية، وبذل حياته دفاعًا عن رسول الله ﷺ.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 7 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
في أزقة مكة الشديدة الحرارة، حيث تتهادى قوافل التجارة، وتتردد أصوات الباعة في طرقاتها، لم يكن هناك فتى يسترعي انتباه العابرين كما كان يفعل مصعب بن عمير.
كان من أنعم شباب مكة عيشًا، وأحسنهم ثيابًا، وأطيبهم رائحة. نشأ في بيت له مكانته، وكانت أمه خناس بنت مالك شديدة الثراء والهيبة، تعتني به عناية ظاهرة، وتكسوه من أفخر الثياب.
كان إذا مر في طرق مكة عرفه الناس.
لم يكن مجرد شاب غني بين أغنياء قريش، بل كان فتى يلتفت إليه الناس لجمال هيئته وحسن مظهره، حتى صار النعيم الذي يعيش فيه جزءًا من صورته في أعين أهل مكة.
ولم يكن مصعب يعرف أن كل ذلك يمكن أن يختفي يومًا.
في تلك الأيام، كانت مكة تسمع شيئًا جديدًا.
رجل من بني هاشم يدعو إلى عبادة إله واحد، ويتلو كلامًا لم تألفه أسماع قريش، ويجتمع بأصحابه بعيدًا عن أعين الناس في دار الأرقم عند الصفا.
كان الخبر ينتقل من مجلس إلى آخر، وتتبعه أسئلة كثيرة.
في آخر لحظاته، وبينما كان ينزف في أرض أُحد، لم يفكر سعد بن الربيع رضي الله عنه في جراحه ولا في نفسه، بل كان همه رسول الله ﷺ وإخوانه من الأنصار.
قصة مؤثرة عن رجلٍ جعل الوفاء والإيثار والشجاعة طريقًا لحياته، حتى كانت كلماته الأخيرة وصيةً تُخلّد معنى التضحية والصدق.
فريق مُلهم9
وجلس يستمع.
ثم آمن.
ومنذ تلك اللحظة صار يعيش بحياتين.
حياة يعرفها الناس عنه، وحياة أخرى لا يعرفها إلا رسول الله ﷺ ومن أسلم معه.
كان يذهب إلى النبي ﷺ سرًا، ويعود إلى بيته كأن شيئًا لم يحدث.
لكن السر لم يدم.
رآه عثمان بن طلحة يومًا يصلي، فعرف ما يفعل، وأخبر أهله.
وسرعان ما عرفت أمه.
لم تكن خناس امرأة يسهل عليها أن ترى ابنها يخرج عن دين قومه ثم تسكت.
أُخذ مصعب وحُبس، وبقي محبوسًا حتى وجد فرصة للخروج مع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة في الهجرة الأولى.
كانت تلك أول مرة يبتعد فيها مصعب عن مكة لا بحثًا عن تجارة ولا طلبًا لراحة.
خرج منها وهو يعرف أنه ترك وراءه بيتًا كان يستطيع أن يعيش فيه في أمان، وأمًا تملك من المال والنفوذ ما يجعل حياته سهلة، وملابس اعتاد الناس أن يروه فيها، ومكانة لم يكن مضطرًا إلى التخلي عنها.
لكنه كان قد اختار.
وفي أرض الحبشة، عاش مع المهاجرين أيامًا مختلفة عن حياته الأولى.
ثم عاد إلى مكة.
وحين عاد، لم يكن مصعب هو الفتى الذي خرج منها.
كان قد ذاق معنى آخر للحياة.
ولم تمضِ الأيام حتى ظهر أثر ذلك على جسده وثيابه.
كان جالسًا مع النبي ﷺ وأصحابه في المسجد، فدخل عليهم مصعب، وليس عليه إلا بردة مرقوعة بفرو.
كان المشهد بعيدًا جدًا عن ذلك الفتى الذي عرفه أهل مكة في ثياب النعيم.
فلما رآه النبي ﷺ بكى لما كان فيه من النعمة، وما صار إليه من الحال، ثم تحدث إلى أصحابه عن الدنيا وما قد تفتح عليهم من زينتها، وأن حالهم يومها خير من حالهم حين تتسع عليهم الدنيا.
أما مصعب، فلم يعد يبحث عن النعمة التي فقدها.
كان قد وجد طريقًا آخر.
وبعد بيعة العقبة الأولى، وقبل الهجرة النبوية بعام واحد، احتاجت يثرب إلى من يعلّم من أسلم فيها القرآن، ويفقههم في الدين، ويكون قريبًا من الناس قبل أن تأتي الهجرة.
فوقع الاختيار على مصعب.
خرج من مكة متجهًا إلى يثرب.
لم يذهب إليها تاجرًا، ولا طالب مال، ولا رجلًا يبحث عن مكانة.
ذهب إليها ليقرأ القرآن على الناس ويعلمهم الإسلام.
وكان معه أسعد بن زرارة، ونزل مصعب عنده، وصار أهل المدينة يعرفونه بالمقرئ.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم كانا من أوائل من قدموا المدينة، وكانا يقرئان الناس القرآن.
كانت يثرب مختلفة عن مكة.
بيوت متفرقة، وبساتين، ونخيل، وقبائل تحمل في ذاكرتها سنوات طويلة من الخصومة.
وكان مصعب يدخل على الناس بهدوء.
يجلس معهم.
يقرأ القرآن.
ويترك للكلمات أن تصل إلى حيث ينبغي أن تصل.
لم يكن يعرف أن واحدة من أهم لحظات حياته ستبدأ في بستان.
في يوم من الأيام، خرج مصعب مع أسعد بن زرارة إلى حائط من حوائط بني ظفر، وجلسا عند بئر يقال لها بئر مرق، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وهما يومئذٍ من سادة بني عبد الأشهل، لم يكونا قد أسلما بعد.
سمع سعد بما يحدث، فقال لأسيد أن يذهب إليهما وينهاهما عن القدوم إلى ديارهم.
أخذ أسيد حربته ومضى.
كان الغضب ظاهرًا في خطوته.
وحين اقترب، رأى أسعد بن زرارة، ورأى مصعبًا، فقال بلهجة غاضبة:
— ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
نظر مصعب إليه.
لم يجادل الرجل في غضبه، ولم يرفع صوته.
قال:
— أوَلا تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره.
توقف أسيد.
كان يستطيع أن يصر على موقفه، لكنه وجد أمامه عرضًا بسيطًا: أن يجلس ويسمع.
قال:
— أنصفت.
وغرس حربته، ثم جلس.
بدأ مصعب يقرأ عليه القرآن.
لم يكن هناك صخب.
ولا جدال.
فقط آيات تتلى ورجل يسمع.
وظل أسيد ساكتًا حتى تبدّل وجهه.
ثم سأل عن الإسلام، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وعاد إلى قومه.
لم ينته الأمر عند أسيد.
أشار إلى سعد بن معاذ أن يذهب بنفسه.
أخذ سعد حربته وخرج.
كان غاضبًا مثل أسيد حين خرج أول مرة.
وحين وصل، واجه الرجلين بالكلام نفسه تقريبًا.
فقال له مصعب:
— أوَلا تجلس فتسمع؟
جلس سعد.
وتُلي عليه القرآن.
وسكت.
ثم أسلم.
عاد سعد إلى قومه بني عبد الأشهل، ونظر إليهم وقال:
— يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟
قالوا:
— سيدنا وأفضلنا رأيًا.
قال:
— فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
لم يحتج الأمر إلى خطبة طويلة.
بدأ الناس يدخلون في الإسلام.
وكان لإسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير أثر كبير في قومهما، وانتشر الإسلام في بني عبد الأشهل انتشارًا واسعًا.
وهكذا مضى مصعب في المدينة، من بيت إلى بيت، ومن مجلس إلى مجلس، حتى جاء موعد العودة إلى مكة.
عاد مع وفد الأنصار الذي جاء إلى بيعة العقبة الثانية.
وكانت يثرب قد تغيرت.
ولم تعد الأرض التي دخلها شاب غريب قبل عام كما كانت حين وصل إليها.
ثم جاءت الهجرة.
وجاء المسلمون إلى المدينة.
وجاء النبي ﷺ.
وكان مصعب واحدًا ممن مهدوا لهذا الطريق قبل أن يقطعه المهاجرون.
ثم جاءت بدر.
خرج مصعب مع المسلمين، وكان يحمل راية المهاجرين.
وهناك، في أرض المعركة، وجد نفسه أمام وجه يعرفه جيدًا.
كان أخوه أبو عزيز بن عمير في صف قريش.
وانتهت المعركة، وكان أبو عزيز بين الأسرى.
مر مصعب به، ورأى رجلًا من الأنصار يشد يده.
فقال مصعب للأنصاري:
— اشدد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك.
نظر أبو عزيز إلى أخيه بدهشة.
وقال:
— يا أخي، هذه وصاتك بي؟
فقال مصعب:
— إنه أخي دونك.
كان أبو عزيز أخاه لأبيه وأمه.
وكانت أمه التي عرفها مصعب قد بقيت في مكة.
لكن مصعبًا كان قد تغيّر.
لم تعد القرابة وحدها تحدد موقفه.
وأُخذ أبو عزيز إلى الأسر، ثم فُدي بمال أرسلته أمه من مكة. وتورد كتب السيرة أن فداءه بلغ أربعة آلاف درهم.
مرت الأيام.
ثم جاءت السنة الثالثة للهجرة.
أُحد.
خرج المسلمون إلى الجبل.
وكان مصعب هناك يحمل لواء المهاجرين.
بدأ القتال.
ارتفعت الأصوات، وتقدمت الصفوف، ثم تغير وجه المعركة.
وانكشف موضع الرماة، واضطربت صفوف المسلمين.
اشتد القتال حول النبي ﷺ.
وفي وسط ذلك كله ظل مصعب ممسكًا باللواء.
لم يتركه.
تقدم إليه ابن قمئة الليثي، فضرب يده اليمنى فقطعها، فأخذ مصعب الراية بيده اليسرى.
فضربها أيضًا فقطعها.
فضم مصعب الراية إلى صدره بعضديه.
ثم قُتل.
وسقط حامل اللواء.
وتروي روايات السيرة أن ابن قمئة كان يظنه رسول الله ﷺ، ولذلك اندفع إليه. أما الثابت في الروايات أن مصعبًا كان صاحب الراية، وأنه قُتل وهو يدافع عن النبي ﷺ.
بعد انتهاء القتال، كان بين الشهداء جسد مصعب.
اقترب الصحابة منه.
ولم يكن معه من الدنيا ما يكفي حتى لكفنه.
لم يترك إلا نَمِرة.
كساءً صغيرًا.
إذا غُطي رأسه ظهرت رجلاه، وإذا غُطيت رجلاه ظهر رأسه.
وكانت هذه الواقعة ثابتة في صحيح البخاري.
فأمر النبي ﷺ أن يُغطى رأسه، وأن يُجعل على رجليه من الإذخر.
هكذا انتهت حياة مصعب بن عمير شهيدًا في أُحد، بعد أن حمل راية المهاجرين ودافع عن رسول الله ﷺ حتى آخر لحظة.
لم تكن قصته مجرد انتقال من النعيم إلى الفقر، وإنما كانت رحلة اختار فيها الإيمان حين كان يستطيع أن يختار الراحة، وحمل القرآن إلى يثرب، وكان سببًا في إسلام رجال كان لإسلامهم أثر كبير في قومهم.
ثم انتهت رحلته شهيدًا، وقد ترك وراءه أثرًا امتد أبعد من حياته.
ذلك هو مصعب بن عمير، الفتى الذي عرفت مكة ثيابه، ثم عرفته المدينة بقرآنه.
وحين سقط في أُحد، لم تكن قيمة ما تركه تُقاس بما بقي معه من الدنيا، وإنما بما قدمه في حياته، وما نرجوه له عند الله.
ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل القادمين من اليمن عن رجلٍ مجهول بين الناس، لكنه عظيم القدر عند الله. كان أويس القرني فقيرًا، متواضعًا، شديد البر بأمه، يهرب من الشهرة كلما اقتربت منه. قصة رجل لم يبحث عن مكانة بين الخلق، فحفظت له سيرته مكانة لا تُقاس بالمال أو المظهر.
بسؤال من حفيدته، يفتح جدٌّ باب الحديث عن أصحاب السبت؛ قوم عرفوا النهي عن الصيد، ثم بحثوا عن حيلة تتيح لهم مخالفته. وبين إغراء الرزق وصوت الناصحين، تكشف القصة كيف يخدع الإنسان نفسه حين يتمسك بظاهر الفعل ويتجاهل حقيقته، وتدعونا إلى الصدق مع النفس والثبات أمام الاختبار.