رحلة أحمد زويل من دمنهور ودسوق إلى جامعة الإسكندرية ومعهد كاليفورنيا للتقنية، وصولًا إلى نوبل الكيمياء عام 1999. تشرح المقالة معنى الفيمتوثانية وكيف أتاحت أبحاثه تتبّع التفاعلات الكيميائية، وتتوقف عند حلمه ببناء نهضة علمية في مصر.
بواسطة فريق مُلهموقت القراءة 5 دقائق
0قراءة
اقرأ المقال
نافذة على أسرع لحظات الطبيعة
حين تلتقط صورة لجسم يتحرك بسرعة، قد يظهر مشوشًا. ولكي ترى تفاصيل حركته، تحتاج إلى التقاط المشهد خلال زمن أقصر. لكن ماذا لو كان الجسم ذرة، وكانت الحركة جزءًا من تفاعل كيميائي يحدث في زمن يصعب تخيله؟
من هذا التحدي جاءت أهمية أبحاث أحمد زويل. فقد أسهم في تطوير طرق تستخدم نبضات ليزر فائقة القِصر لتتبّع التغيرات التي تمر بها الجزيئات أثناء التفاعل، بدل الاكتفاء بمعرفة المواد الموجودة قبله وبعده.
وعبارة «الرجل الذي صوّر الفيمتوثانية» وصف مجازي لإنجازه؛ فهو لم يصوّر الزمن نفسه، بل فتح نافذة لرصد أحداث تقع على مقياس زمني بالغ الصغر. ومن هذه النافذة نشأ مجال «كيمياء الفيمتو» الذي قاده إلى جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999.
من دمنهور إلى دسوق والإسكندرية
وُلد أحمد حسن زويل في دمنهور يوم 26 فبراير 1946، ونشأ في مدينة دسوق على ضفاف فرع رشيد. وفي سيرته التي كتبها لمؤسسة نوبل، يستعيد بيئة أسرية محبة وداعمة، وطفولة ارتبطت بالمدرسة والأسرة والحياة في مدينة مصرية.
التحق بكلية العلوم في جامعة الإسكندرية، وحصل على البكالوريوس في الكيمياء عام 1967، ثم الماجستير عام 1969. وهناك بدأت ملامح اهتمامه بالبحث العلمي تتضح، خصوصًا في مجال دراسة تفاعل الضوء مع المادة.
لم تكن هذه المرحلة مجرد مقدمة سريعة لنجاح تحقق في الخارج؛ فقد منحته الدراسة في مصر أساسًا علميًا، وأسهم تشجيع بعض أساتذته في توجيهه نحو استكمال تعليمه والبحث عن فرص أوسع.
وتذكّرنا بدايته بأن مسيرة العالم تتشكل عبر سنوات من التعلم، وبأثر معلم يلاحظ موهبة طالب ويدفعه إلى اختبار قدراته.
رحلة إلى مختبرات جديدة
انتقل زويل إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته في جامعة بنسلفانيا، حيث حصل على الدكتوراه عام 1974 تحت إشراف العالم روبن هوكستراسر.
بعد ذلك، عمل باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ثم انضم إلى معهد كاليفورنيا للتقنية، المعروف باسم «كالتك»، عام 1976.
أتاحت له هذه المحطات العمل مع باحثين من تخصصات مختلفة، واستخدام أدوات متقدمة، وتطوير أسئلة جديدة عن حركة الجزيئات وانتقال الطاقة بينها. وفي كالتك، بنى مع فريقه البرنامج البحثي الذي أصبح أساس إنجازه الأشهر.
ولم تكن الطريق تجربة واحدة نجحت فجأة؛ بل عملًا متراكمًا في تصميم التجارب وتحسين أدوات القياس وتحليل النتائج، حتى أصبح ممكنًا الاقتراب من الزمن الذي تتحرك فيه الذرات أثناء التفاعلات.
ما الفيمتوثانية؟
الفيمتوثانية وحدة زمن تساوي جزءًا من مليون مليار جزء من الثانية، أي واحدًا مقسومًا على عدد يتكون من واحد وأمامه خمسة عشر صفرًا.
ولتقريب هذا المقدار، فإن نسبة الفيمتوثانية إلى الثانية تشبه تقريبًا نسبة ثانية واحدة إلى نحو 32 مليون سنة.
قد تبدو هذه الأرقام بعيدة عن حياتنا اليومية، لكنها مهمة لفهم العالم الجزيئي. فبعض الحركات المرتبطة بتغير الروابط الكيميائية تقع خلال عشرات أو مئات الفيمتوثواني.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل تفاعل كيميائي، من بدايته إلى نهايته، يستغرق فيمتوثانية واحدة. المقصود أن هذا المقياس يتيح دراسة خطوات وحركات شديدة السرعة داخل التفاعل.
كيف يمكن رصد تفاعل بهذه السرعة؟
تعتمد إحدى الطرق الأساسية على استخدام نبضتين من الليزر تفصل بينهما مدة قصيرة يمكن ضبطها بدقة.
تبدأ النبضة الأولى العملية التي يريد الباحث دراستها، ثم تأتي الثانية لتستطلع حالة الجزيئات بعد تأخير زمني محدد. وبإعادة التجربة مع تغيير هذا التأخير، يحصل الباحثون على قياسات عند مراحل مختلفة.
يمكن تشبيه الفكرة بتجميع لقطات متتابعة لحركة سريعة. لكن اللقطات هنا ليست صورًا عادية تلتقطها كاميرا هاتف، بل إشارات وقياسات ضوئية تُحلَّل لاستخلاص معلومات عن تطور الحالة الجزيئية.
بهذه الطريقة، أصبح ممكنًا تتبّع ما يحدث أثناء تفكك رابطة أو تغير ترتيب الذرات. وأتاح ذلك اختبار تصورات عن التفاعل كانت دراستها المباشرة صعبة بسبب سرعتها.
نوبل: تكريم لفهم لحظة التحول
في عام 1999، مُنح زويل جائزة نوبل في الكيمياء منفردًا عن دراساته للحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام التحليل الطيفي بالفيمتوثانية.
والحالة الانتقالية، بصورة مبسطة، ترتبط بترتيب ذري بالغ القِصر تمر به المنظومة أثناء تحولها من المتفاعلات إلى النواتج. وفهم هذه المنطقة من مسار التفاعل يساعد على تفسير كيفية حدوث التحول والعوامل المؤثرة فيه.
لم تكن الجائزة عن اختراع وحدة الفيمتوثانية، بل عن استخدامها في دراسة الكيمياء بطريقة كشفت تفاصيل كانت تفلت من أدوات الرصد الأبطأ.
وقد فتح هذا المجال أبوابًا لدراسة عمليات في الجزيئات والمواد والأنظمة الحيوية، وأسهم في توسيع قدرة العلماء على الربط بين حركة الذرات والسلوك الذي نلاحظه على نطاق أكبر.
ما بعد الجائزة
واصل زويل أبحاثه بعد نوبل، ومن المجالات التي طورها مع مجموعته «المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد».
تقوم الفكرة على الجمع بين المعلومات المكانية الدقيقة وإمكان تتبّع التغير مع الزمن؛ فالزمن هو البعد الرابع المقصود هنا. والهدف أن نعرف كيف تتطور بنية المادة، إلى جانب معرفة شكلها.
يمثل هذا العمل امتدادًا لسؤال رافقه طويلًا: كيف نرى الطبيعة وهي تتغير؟ فرفع دقة الصورة مهم، وتقليل الزمن اللازم لالتقاط التغير مهم أيضًا.
حلم علمي يحمل اسم مصر
ظل التعليم والبحث العلمي في مصر حاضرين في اهتمام زويل. وسعى إلى إنشاء مؤسسة تجمع إعداد الطلاب بالبحث المتقدم والابتكار، في المشروع الذي أصبح «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار».
وبعد عام 2011، اتخذ المشروع إطارًا وطنيًا، وتولى زويل رئاسة مجلس أمنائه الأول. وكانت الفكرة أن تتوافر للأجيال الجديدة بيئة تستطيع فيها دراسة العلوم والمشاركة في إنتاج المعرفة.
ويطرح هذا الحلم سؤالًا يتجاوز سيرة صاحبه: كيف تتحول الموهبة الفردية إلى قدرة علمية مستمرة؟ فالباحث يحتاج إلى تعليم جيد، وأجهزة، وتمويل، وزملاء، ووقت يسمح بالتجربة والخطأ والمراجعة.
وتُظهر رحلة زويل قيمة هذه العناصر مجتمعة. فالإرادة الشخصية كانت مهمة، وكذلك المؤسسات والأساتذة وفرق البحث التي ساعدت على تحويل الأفكار إلى نتائج.
إرث أبقى من لحظة التكريم
توفي أحمد زويل في 2 أغسطس 2016، وبقي أثره في مجال علمي ساعد على تأسيسه، وفي باحثين تعلموا وعملوا معه، وفي مشروع أراد به توسيع فرص العلم في مصر.
يمكن الاحتفاء به بوصفه مصريًا وصل إلى نوبل، لكن فهم إنجازه يمنح هذا الاحتفاء معنى أعمق: لقد اختار سؤالًا صعبًا، وطوّر مع فريقه وسيلة للإجابة عنه، ثم واصل طرح أسئلة جديدة.
ومن دمنهور ودسوق إلى الإسكندرية وكالتك، كانت رحلته دليلًا على أن المعرفة تتقدم حين تجد الموهبة فرصة للتعلم، وتجد الأسئلة مكانًا تُختبر فيه.
- لقاءات لينداو لنوبل: الملف البحثي لأحمد زويل — تطور اهتماماته العلمية والتعليمية.