كيف صوّر العلماء ثقبًا أسود لا يفلت منه الضوء؟ تعرّف إلى قصة الصورة الأولى المنشورة عام 2019، وكيف جمع مشروع «تلسكوب أفق الحدث» قياسات مراصد حول العالم، وما تكشفه الحلقة المضيئة والظل الداكن عن أحد أكثر أجرام الكون غموضًا.
بواسطة فريق مُلهموقت القراءة 4 دقائق
0قراءة
اقرأ المقال
حلقة ضوء كشفت ملامح العتمة
في العاشر من أبريل عام 2019، شاهد العالم صورة تبدو بسيطة: حلقة مضيئة مائلة إلى البرتقالي، تحيط بمركز مظلم. لم تكن الصورة شديدة الوضوح، لكنها مثّلت إنجازًا علميًا استثنائيًا؛ فقد استطاع البشر للمرة الأولى تصوير ظل ثقب أسود والمادة المتوهجة حوله.
وراء تلك الحلقة سنوات من التخطيط، ومراصد تفصل بينها قارات، وكميات هائلة من البيانات. أما السؤال الأكثر إثارة فهو: كيف نصوّر جسمًا لا يستطيع الضوء نفسه الإفلات منه؟
تبدأ الإجابة بفهم ما يظهر في الصورة فعلًا، ثم التعرف إلى الحيلة العلمية التي جعلت الأرض بأكملها شريكًا في التقاطها.
ما الثقب الأسود؟
الثقب الأسود منطقة من الفضاء تتركز فيها كتلة كبيرة داخل حيز صغير، فتبلغ الجاذبية شدة تجعل الهروب مستحيلًا بعد تجاوز حدّ يسمى «أفق الحدث». حتى الضوء، أسرع ما نعرفه، لا يستطيع العودة إلى الخارج إذا عبر هذا الحد.
وأفق الحدث ليس سطحًا صلبًا مثل سطح الأرض، وإنما حدّ يفصل بين منطقة يمكن أن تصلنا منها إشارات، وأخرى لا تستطيع إشاراتها الإفلات إلينا.
لكن محيط الثقب الأسود قد يكون شديد السطوع. فالمادة التي تتحرك حوله يمكن أن تسخن وتصدر إشعاعًا تلتقطه التلسكوبات. وهنا تظهر فرصة الرصد: دراسة الضوء القادم من جواره، والآثار التي تتركها جاذبيته في مسار ذلك الضوء.
ماذا رأينا في الصورة الأولى؟
كان الهدف ثقبًا أسود فائق الكتلة في مركز مجرة «مسييه 87»، ويُعرف باسم «M87*». تبعد هذه المجرة عنا نحو 55 مليون سنة ضوئية، وتبلغ كتلة ثقبها الأسود نحو 6.5 مليار مرة كتلة الشمس.
تُظهر الصورة إشعاعًا صادرًا من مادة ساخنة قرب الثقب الأسود، وقد انحنت مسارات الضوء بفعل الجاذبية الهائلة. وفي المركز تظهر منطقة داكنة تُعرف باسم «ظل الثقب الأسود».
المصادر(6)
1.ناسا: مكوّنات الثقب الأسود وأفق الحدث والظل.
2.المرصد الأوروبي الجنوبي: إعلان الصورة الأولى وتقنيات الرصد المستخدمة.
3.مشروع تلسكوب أفق الحدث: المدة التي استغرقها إنتاج الصورة.
4.الورقة العلمية الأصلية: طرق بناء الصورة والتحقق من نتائجها.
5.الورقة العلمية الأصلية: ظل الثقب الأسود ونتائج الرصد.
هذا الظل ليس صورة مباشرة لسطح، ولا يطابق حجم أفق الحدث ببساطة؛ فالتقاط الضوء وانحناؤه يجعلان الظل الظاهر أكبر من الأفق نفسه.
أما اللون البرتقالي فهو اختيار لعرض شدة الإشعاع الراديوي بصورة يمكن للعين قراءتها. لذلك لا ينبغي فهم الحلقة على أنها لهب برتقالي سنراه بالشكل نفسه لو اقتربنا منها.
لماذا احتاج العلماء إلى تلسكوب بحجم الأرض؟
على الرغم من الحجم الهائل لهذا الثقب الأسود، فإن بعده الشديد يجعل صورته في السماء متناهية الصغر. فالحجم الحقيقي الكبير لا يعني أن الجسم سيبدو كبيرًا لمن يراقبه من مسافة بعيدة.
ولتمييز تفاصيله، احتاج العلماء إلى قدرة على الفصل بين نقاط متقاربة في السماء تتجاوز إمكانات تلسكوب منفرد.
جاء الحل عبر مشروع «تلسكوب أفق الحدث»: شبكة من المراصد الراديوية المتباعدة، جرى تنسيق عملها لتراقب الهدف نفسه. وباستخدام تقنية تسمى «قياس التداخل ذي القاعدة الطويلة جدًا»، أمكن الاستفادة من المسافات بين المراصد للحصول على دقة زاوية تقارب ما يتيحه تلسكوب بحجم الأرض.
وهذا لا يعني أن الكوكب تحول إلى طبق استقبال متصل؛ فالشبكة تجمع قياسات من مواقع محددة، ثم تدمجها حسابيًا. كما يساعد دوران الأرض على توفير قياسات إضافية مع تغير اتجاه المسافات بين المراصد بالنسبة إلى الهدف.
كيف عملت المراصد معًا؟
خلال حملة الرصد في أبريل عام 2017، سجّلت المراصد موجات راديوية بطول موجي يقارب 1.3 مليمتر. ولأن الإشارات تصل إلى المواقع المختلفة في أوقات متباينة قليلًا، استُخدمت ساعات ذرية بالغة الدقة لتوقيت التسجيلات.
بعد ذلك، قورنت البيانات في مراكز معالجة متخصصة، مع حساب فروق وصول الإشارات وتصحيح آثار تؤثر في القياسات.
كانت البيانات ضخمة إلى درجة استدعت نقل أقراص التخزين نفسها إلى مراكز المعالجة، ومنها مركزان في الولايات المتحدة وألمانيا. وهكذا شاركت الطائرات والشحنات المادية في إنجاز علمي يعتمد على أحدث تقنيات الرصد والحوسبة.
ولم تكن كل محطة تلتقط جزءًا جاهزًا من الصورة؛ بل كانت تسجل إشارات تسهم، عند مقارنتها ببقية التسجيلات، في معرفة توزيع الإشعاع حول الثقب الأسود.
كيف تحولت الأرقام إلى صورة؟
هنا بدأ أحد أصعب أجزاء المشروع. فالبيانات لا تصل من المراصد على هيئة صورة مكتملة، كما يحدث عند استخدام كاميرا الهاتف، وإنما تحتاج إلى معايرة وتحليل وإعادة بناء.
استخدم الباحثون خوارزميات للبحث عن صور تتوافق مع القياسات المتاحة. ولأن عدد المراصد محدود، توجد فجوات في المعلومات؛ ولذلك كان التحقق من النتيجة جزءًا أساسيًا من العمل.
عملت فرق مستقلة في المرحلة الأولى على بناء الصور، ثم قورنت نتائجها. واختُبرت أساليب التصوير أيضًا باستخدام بيانات اصطناعية لأشكال معروفة، للتأكد من قدرتها على استعادة ملامحها.
ظهرت البنية الحلقية والمنطقة المركزية الداكنة عبر طرق تحليل مختلفة. وكان هذا الاتفاق مهمًا لتقليل احتمال أن تكون الملامح الأساسية ناتجة عن اختيار برمجي واحد أو توقع مسبق لدى الباحثين.
لماذا بدت الصورة ضبابية؟
قد يبدو غريبًا أن ينتج هذا الجهد كله صورة محدودة التفاصيل. لكن الحكم عليها بمعايير صور الهواتف يظلم طبيعة المهمة: نحن أمام جسم بعيد للغاية، ورصد عند حدود القدرة التقنية المتاحة آنذاك.
تعكس نعومة الصورة حدود الدقة ونقص بعض معلومات الرصد، ومع ذلك احتفظت بالملامح اللازمة للإجابة عن أسئلة علمية مهمة، مثل حجم الحلقة وشكل المنطقة الداكنة داخلها.
وفي العلم، لا تقاس قيمة الصورة بجمالها وحده، بل بما تسمح بقياسه واختباره.
ماذا غيّرت هذه اللحظة؟
كانت لدى العلماء أدلة قوية على وجود الثقوب السوداء قبل عام 2019، من بينها تأثيراتها في حركة النجوم والمادة المحيطة بها. أضافت الصورة وسيلة جديدة لدراستها على مقاييس قريبة من أفق الحدث، وجاءت خصائصها الأساسية متوافقة مع توقعات النسبية العامة.
لكنها لم تجب عن كل الأسئلة، ولم تكشف ما يحدث داخل الثقب الأسود. لقد فتحت نافذة جديدة، وأتاحت اختبار النماذج الفيزيائية بملاحظات لم تكن متاحة من قبل.
والقصة، في جوهرها، قصة تعاون: مراصد ومهندسون وعلماء فلك ومتخصصون في الحوسبة، جمعوا قياسات متناثرة ليكشفوا ملامح جسم يحجب الضوء عن العالم. لم يستطيعوا رؤية ما وراء أفق الحدث، لكنهم استطاعوا قراءة الأثر الذي يتركه على الضوء من حوله.
العلوم والتكنولوجيا
تلسكوب جيمس ويب: آلة الزمن التي تنظر إلى بدايات الكون