تلسكوب جيمس ويب: آلة الزمن التي تنظر إلى بدايات الكون
تلسكوب جيمس ويب: آلة الزمن التي تنظر إلى بدايات الكون
نبذة عن المقال
كيف يرى تلسكوب جيمس ويب مجرات من طفولة الكون؟ تشرح المقالة ببساطة العلاقة بين المسافة والزمن، ودور الأشعة تحت الحمراء في رصد الضوء القديم، وحدود ما يستطيع التلسكوب رؤيته، وكيف يصنع العلماء صوره الملوّنة.
بواسطة فريق مُلهموقت القراءة 5 دقائق
0قراءة
اقرأ المقال
ضوء قديم يصل إلى أعين جديدة
تخيّل أن تصلك اليوم رسالة بدأت رحلتها قبل ولادة الأرض والشمس بمليارات السنين. لا تحمل الرسالة كلمات، بل ضوءًا انطلق من مجرة بعيدة، وظل يعبر الفضاء حتى التقطته أجهزة صنعها الإنسان.
هذه إحدى أكثر الأفكار إثارة في مهمة تلسكوب جيمس ويب. فالصور التي يرسلها لا تكشف أماكن بعيدة فحسب، بل تعرض مراحل قديمة من تاريخ الكون، حين كانت المجرات في بدايات تشكلها.
ولهذا يُوصف بأنه «آلة زمن». لكنه لا يسافر إلى الماضي؛ إنه يستقبل ضوءًا احتفظ، خلال رحلته الطويلة، بمعلومات عن الماضي الذي صدر منه.
لماذا يعني النظر بعيدًا النظر إلى الماضي؟
ينتقل الضوء بسرعة هائلة تبلغ نحو ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية، لكنها سرعة محدودة. لذلك يحتاج إلى وقت كي يصل من مصدره إلى الراصد.
فضوء الشمس يستغرق نحو ثماني دقائق ليصل إلى الأرض. وحين ننظر إلى نجم يبعد مئة سنة ضوئية، نراه كما كان قبل نحو مئة عام، لا كما هو في هذه اللحظة. والسنة الضوئية هنا وحدة مسافة: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة.
وعندما تمتد الرحلة إلى مليارات السنين، تصبح التلسكوبات أدوات لقراءة تاريخ الكون. فنحن نستدل من الضوء الواصل الآن على حالة الجسم حين انطلق ذلك الضوء.
ومع المسافات الكونية الهائلة، ينبغي التمييز بين زمن رحلة الضوء والمسافة الحالية إلى مصدره؛ فالكون يتمدد أثناء الرحلة، ولذلك لا تتطابق الأرقام ببساطة كما في مثال نجم قريب.
مرصد صُمم لالتقاط الخافت والبعيد
أُطلق جيمس ويب في 25 ديسمبر 2021، وهو مشروع تقوده وكالة ناسا بالشراكة مع وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية، ويُعد من أقوى المراصد الفضائية وأكثرها تقدمًا.
المصادر(6)
1.وكالة الفضاء الأوروبية: معلومات تلسكوب جيمس ويب — الإطلاق والمرآة وأجهزة الرصد.
2.ناسا: كيف يدرس ويب الكون المبكر؟ — الضوء القديم وتمدد الكون.
3.ناسا: الأسئلة الشائعة عن ويب — المدار والانزياح الأحمر وخصائص التلسكوب.
4.ناسا: رصد المجرة MoM-z14 — مجرة شوهدت حين كان عمر الكون نحو 280 مليون سنة.
5.ناسا: تلسكوب ويب والانفجار العظيم — حدود الرصد والفرق عن الخلفية الكونية الميكروية.
6.- ناسا: كيف تُصنع صور ويب الملوّنة؟ — تحويل بيانات الأشعة تحت الحمراء إلى ألوان مرئية.
يبلغ قطر مرآته الرئيسية نحو 6.5 أمتار، وتتكون من 18 قطعة سداسية تعمل معًا. وتساعد مساحة المرآة الكبيرة على جمع الضوء الضعيف الذي يصل من الأجرام البعيدة.
ويعمل التلسكوب قرب نقطة تُعرف باسم «لاغرانج الثانية»، على بُعد نحو مليون ونصف المليون كيلومتر من الأرض. ويحمل درعًا شمسيًا كبيرًا يساعد على إبقاء أجهزته باردة، لأن الحرارة الصادرة عن التلسكوب نفسه قد تعوق رصد الإشارات تحت الحمراء الخافتة.
هذه الهندسة تخدم هدفًا دقيقًا: فصل الضوء الذي نريد دراسته عن الإشارات التي قد تحجبه أو تختلط به.
لماذا ينظر بالأشعة تحت الحمراء؟
أعيننا ترى جزءًا محدودًا من الطيف الكهرومغناطيسي، بينما صُمم ويب للرصد أساسًا في نطاق الأشعة تحت الحمراء.
وتكمن أهمية ذلك في تمدد الكون. فخلال رحلة الضوء من المجرات البعيدة، تتمدد أطواله الموجية مع تمدد الفضاء، وينزاح نحو أطوال موجية أطول. وتُعرف هذه الظاهرة باسم «الانزياح الأحمر الكوني».
وهكذا قد يصل الضوء الذي انطلق قديمًا في نطاق مرئي أو فوق بنفسجي إلى أجهزتنا في نطاق تحت الأحمر. ولكي نرصده، نحتاج إلى أدوات حساسة لهذا النوع من الضوء.
كما يتيح الرصد تحت الأحمر اختراق بعض سحب الغبار التي تحجب الضوء المرئي، ما يساعد على دراسة مناطق تتكون فيها النجوم والكواكب.
ماذا شاهد في طفولة الكون؟
يُقدَّر عمر الكون بنحو 13.8 مليار سنة. ويستطيع ويب رصد مجرات كما كانت بعد الانفجار العظيم ببضع مئات من ملايين السنين، وهي مرحلة مبكرة جدًا مقارنة بالعمر الكلي للكون.
ومن الأمثلة التي أعلنتها ناسا في يناير 2026 مجرة تُسمى MoM-z14، رُصدت كما كانت حين بلغ عمر الكون نحو 280 مليون سنة. وقد استغرق الضوء الذي وصلنا منها قرابة 13.5 مليار سنة في رحلته.
لا تعني هذه الصورة أننا نشاهد اللحظة التي وُلدت فيها المجرة بالضرورة، وإنما نراها في مرحلة مبكرة من وجودها. ومن تحليل ضوئها، يحاول العلماء معرفة خصائصها وكيف استطاعت تكوين النجوم بهذه السرعة.
وقد كشفت أرصاد ويب عن مجرات مبكرة أكثر سطوعًا مما توقّعته بعض النماذج، وهو ما يدفع الباحثين إلى مراجعة تفاصيل فهمهم لتشكل المجرات. والنتائج المفاجئة تحتاج إلى قياسات وتفسيرات واختبارات إضافية، ولا تتحول تلقائيًا إلى إعلان بانهيار علم الكون.
هل يستطيع رؤية الانفجار العظيم نفسه؟
لا يرى جيمس ويب لحظة الانفجار العظيم. فمهمته في هذا المجال تركز على النجوم والمجرات المبكرة، التي ظهرت بعد بداية تمدد الكون بزمن طويل.
أما أقدم ضوء يمكن رصده اليوم مباشرة فيعود إلى مرحلة كان عمر الكون فيها نحو 380 ألف سنة، عندما أصبح أكثر شفافية وبدأ الضوء ينتقل بحرية أكبر. ويصلنا هذا الأثر اليوم بوصفه «الخلفية الكونية الميكروية»، وقد درسته مراصد أخرى مثل «كوبى» و«دبليو ماب» و«بلانك».
لذلك، فإن وصف ويب بأنه ينظر إلى بدايات الكون صحيح بمعنى دراسته فجر النجوم والمجرات، لا بمعنى أنه يصوّر البداية المطلقة للزمن.
كيف يعرف العلماء عمر المشهد؟
لا تكفي صورة بقعة حمراء صغيرة لتحديد المسافة والزمن بدقة. يستخدم الباحثون التحليل الطيفي، الذي يفصل الضوء إلى أطواله الموجية، ويكشف بصمات يمكن مقارنتها بما نعرفه من الفيزياء.
ومن مقدار انتقال هذه البصمات نحو الأطوال الموجية الأطول، يُقاس الانزياح الأحمر. ثم تُستخدم نماذج تمدد الكون لتقدير زمن انبعاث الضوء.
ولهذا يوجد فرق بين مجرة مرشحة لأن تكون شديدة البعد اعتمادًا على ألوانها، ومجرة تأكد انزياحها الأحمر بقياسات طيفية. الإعلان الأول بداية مهمة، والتأكيد اللاحق يجعل الاستنتاج أقوى.
هل ألوان الصور حقيقية؟
صور ويب مبنية على بيانات رصد حقيقية، لكن معظم الضوء الذي يجمعه غير مرئي للعين البشرية. ولذلك تُحوَّل البيانات الملتقطة عبر مرشحات مختلفة إلى ألوان مرئية.
تُسند عادة الألوان الأقرب إلى الأزرق للأطوال الموجية الأقصر، والألوان الأقرب إلى الأحمر للأطوال الأطول، مع معالجة تُبرز التفاصيل.
هذه الألوان وسيلة لعرض المعلومات، وليست بالضرورة ما ستراه عينك لو استطعت الوقوف قرب الجسم المصوَّر. ومن المفيد قراءة شرح الصورة لمعرفة ما تمثله ألوانها وتفاصيلها.
صورة جميلة وسؤال أعمق
لا تقتصر مهمة ويب على الماضي البعيد؛ فهو يدرس أيضًا ولادة النجوم، والأغلفة الجوية لبعض الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وأجرامًا داخل مجموعتنا.
لكن قدرته على التقاط الضوء القديم تمنحه مكانة خاصة في خيالنا. فكل مجرة خافتة في إحدى صوره قد تكون شاهدًا على مرحلة سبقت وجود كوكبنا بزمن يصعب تصوره.
وحين ننظر إلى تلك الصور، نحن لا نشاهد الكون كله في لحظة واحدة، بل مشاهد من أزمنة مختلفة اجتمع ضوؤها عندنا الآن. ويب يمنحنا أدوات أدق لقراءة هذه المشاهد، وفهم كيف تشكّل العالم الواسع الذي أصبحنا جزءًا منه.