تخطّي إلى المحتوى

أصحاب الأخدود

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة ٤ دقائق
٢قراءة

حين يصبح التراجع عن الحق أسهل من مواجهته، يجد عمر في قصة أصحاب الأخدود درسًا عن الثبات والشجاعة وحفظ الضمير.

أصحاب الأخدود

مسح عمر اسمه المكتوب بخط عريض في أصل الوثيقة، ثم طوى الورقة ببطء شديد وألقاها على الطاولة. كانت حركته حاسمة، لكنها تحمل ثقل من يستسلم بعد طول عناء. لم يكن يظن أن التمسك بالحق ورفض الظلم تكلفته الاستبعاد من عمله، ورفض ملفه في كل شركة يقصدها.

وكان جرمه الوحيد أنه رفض رفضا قاطعا أن يشهد زورا على زميله بناء على أقاويل الشبهات. كيف يفعل وهو لم ير منه إلا صدقا وأمانة؟ لكن رفضه لم يعجب أصحاب المصالح في شركته، ممن يفضلون المداراة والمال على حساب الضمير.

تنهد بضيق، وأرسل زفيرا حارا يملؤه الحيرة.

كان والده يجلس في الناحية المقابلة، يراقب صمت ابنه وحركة يديه المترددة قبل أن يستقر نظره على الفراغ. سأله بصوت هامس يحمل عتابا رفيقا: استسلمت؟

لم ينظر عمر إلى والده خشية أن تلتقي عينه بنظراته، بل ظل يتأمل الورقة المطوية وقال: ليس استسلاما يا أبي، بل انسحاب عاقل. الأمور أصبحت أعقد مما أتخيل، والثمن الذي أدفعه كل يوم لم يعد منطقيا.

اعتدل الأب في جلسته، ونظر في عيني ابنه بفضول هادئ وقال: هل اكتشفت أن الموقف الذي تدافع عنه باطل؟ أو أن ما تطلبه ليس بحق؟

تردد عمر للحظة، ثم هز رأسه بنفي قاطع وقال: بالطبع لا، ما أفعله هو الحق بعينه، لكن المشكلة أن الثبات عليه بات مكلفا جدا. الخسائر تزداد، والجميع ينصحني بالمرونة والتراجع. التراجع هنا هو الخيار الأسهل والأقل ضررا.

ابتسم الأب ابتسامة خفيفة تحمل أسى عميقا، ثم قال: صحيح، التراجع دائما يسير، وهو أبخس البضائع ثمنا. لكن الخوف يا بني ليس في أن تخسر موقفك، بل في أن تتعود على السلامة المبتذلة كلما صار الحق ثقيلا.

صمت الأب لثوان، واستند بساعديه على الطاولة وأدنى رأسه من ابنه ليقول بدفء: هل تعرف أن هناك فتى كان يملك أن يختار الطريق الأسهل وينجو بنفسه، لكنه اختار أن يثبت حتى صار موته سببا في إيمان قومه جميعا؟

عقد عمر حاجبيه بدهشة وقال: كيف؟

أومأ الأب وقال: سأحكي لك قصة الغلام والراهب والملك، قصة أصحاب الأخدود، لعلّك تقتبس منها الصبر والثبات.

قال عمر: أحتاج أن أسمعها يا أبي.

فأكمل الأب: كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر. فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر. فأرسل الملك إليه غلاما ليعلمه.

وكان الغلام في طريقه إلى الساحر يمر براهب، فجلس إليه وسمع كلامه، فأعجبه ما يقول. ومنذ ذلك اليوم، أصبح كلما مر بالراهب جلس عنده، فإذا أتى الساحر ضربه لتأخره، وإذا عاد إلى أهله عاقبوه. فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.

وظل الغلام بين الطريقين، حتى جاء يوم اعترضت فيه دابة عظيمة طريق الناس ومنعتهم من المرور. فقال الغلام في نفسه: اليوم أعلم، أأمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر؟ فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلت، ومضى الناس.

وعندما أخبر الراهب بما حدث، قال له الراهب: يا بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فلا تدل علي.

ومرت الأيام، وجعل الله على يدي الغلام شفاء المرضى والأكمه والأبرص، حتى سمع به جليس للملك كان قد عمي، فجاءه بهدايا وجلائل، فآمن بالله فبرئ بصره. فلما علم الملك غضب وعذبه حتى دل على الغلام، وجيء بالغلام فعُذّب حتى دل على الراهب.

فُجيء بالراهب وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فشُق بالمنشار نصفين. ثم جيء بجليس الملك، فأبى، فشُق بالمنشار كذلك. ثم جيء بالغلام وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى.

فأمر الملك زبانيته أن يأخذوه إلى قمة الجبل ليطرحوه إن لم يرجع، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا جميعا، وجاء الغلام يمشي إلى الملك.

ثم أرسلوه في سفينة في وسط البحر، فدعا بالدعاء نفسه، فانكفأت بهم السفينة وغرقوا، وعاد الغلام يمشي ثابتا إلى الملك.

وهنا قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: باسم الله رب الغلام، ثم ترميني.

ففعل الملك ما أمره به، ورماه بالسهم فوقع في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات. فصرخ الناس جميعا في ساحة واحدة: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام.

سأل عمر بلهفة: وهل خضع الملك ليقين الناس وآمن؟

أجاب الأب: بل شق الأخاديد في الأرض وأضرم فيها النيران، وعرض الناس على النار، فمن لم يرجع عن إيمانه أُلقي فيها. حتى جاءت امرأة تحمل طفلها، فتقاعست خائفة أن تقع فيها، فأنطق الله الرضيع في حجرها وقال: يا أمه، اصبري فإنك على الحق. فألقيت نفسها ومضت ثابتة.

ساد الغرفة صمت ثقيل.

كان عمر يحدق في الطاولة، ولم تعد النيران القادمة من التاريخ مجرد قصة بعيدة، بل أضحت مرآة كشفت له صغر حسابه وثقل حجته الواهية.

سأل عمر بنبرة يملؤها الذهول: أيعني هذا أنني لا أملك حق التراجع يا أبي طالما أن ما أفعله هو الحق؟

نظر عمر إلى الورقة المطوية أمامه، الورقة التي طواها منذ دقائق لمجرد أن التراجع هو الخيار الأسهل ليتفادى رفض الشركات.

رفع الأب يده ببطء، ووضعها على كتف ابنه، ولم يضف كلمة واحدة.

مسح عمر وجهه بكفيه، وتنفس بعمق، ثم مد يده إلى الورقة المطوية. فتحها، وبحركة واثقة قاطعة، أعاد كتابة اسمه في أصل الوثيقة بخط عريض.

اعتدل في جلسته وهو يتأمل اسمه بثبات، ثم التفت إلى والده وابتسم.

همّ عمر بالمغادرة، ثم توقف عند الباب وكأنه استوعب المغزى الأعظم، وقال: الراهب والغلام لم يتركا موقفيهما لمجرد أن المنشار أو الجبل كان أمامهما.

ابتسم الأب باطمئنان وأشار إلى الباب قائلا: اذهب يا بني، واعلم أن ثباتك على موقفك اليوم هو أمان لضميرك غدا.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

على ضفة الأندلس
قصص تاريخية

على ضفة الأندلس

في عام 711م، عبر طارق بن زياد البحر نحو أرض مجهولة، دون أن يعرف ما الذي ينتظره خلف الشاطئ. ومن تلك الخطوة الأولى بدأت رحلة غيّرت تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، وانطلقت منها قصة الأندلس.

٠قراءة
العالِم الذي ادّعى الجنون — قصة ابن الهيثم
العلماء

العالِم الذي ادّعى الجنون — قصة ابن الهيثم

عندما فشل ابن الهيثم في تنفيذ مشروعه لتنظيم مياه النيل، وجد نفسه في مواجهة حاكم لا يرحم. فاختار أن يدّعي الجنون لينجو، وحوّل عزلته القسرية إلى فرصة للبحث والتجربة، ليضع أسسًا مهمة في علم البصريات ويترك أثرًا علميًا امتد قرونًا. قصة عالم حوّل المحنة إلى إنجاز خالد.

١قراءة
الفلاح العجوز والحصان
قصص حول العالم

الفلاح العجوز والحصان

هرب حصان ساي وونغ، فظن الجميع أن المصيبة حلّت به... لكن عودته حملت مفاجأة أكبر. ثم جاءت أحداث قلبت الخير إلى شر، والشر إلى نجاة. فهل نستطيع حقًا أن نعرف أين يكمن الخير؟

١قراءة