الصياد وسمكة الدهب
الصياد وسمكة الدهب
يجد الصياد عوض سمكة ذهبية تمنحه أمنية واحدة، فيطلب بيتًا صغيرًا يؤمّن له ولزوجته حياة هادئة. لكن حين يبدأ في مقارنة ما لديه بما يملكه الآخرون، تتحول نعمة البيت في عينيه إلى شيء قليل. حكاية دافئة عن الرضا، وخطر الطمع، وقيمة النعمة التي بين أيدينا.

كان يا ما كان، يا سعد يا إكرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام...
كان في زمان، في قرية صغيرة على البحر، صياد غلبان اسمه عوض، عايش في عشة بسيطة مع مراته صابرين.
كان رزقهم على قد يومهم.
عوض كان بيطلع مع أول ضوء، يرمي شبكته في البحر، ويرجع آخر النهار باللي ربنا كاتبه له.
سمكتين...
تلاتة...
وأوقات كان بيرجع وشبكته فاضية.
بس عمره ما رجع ولسانه قال:
— ليه أنا؟
كان دايمًا يقول:
— الحمد لله... بكرة ربنا يرزقنا.
وكانت صابرين تضحك وترد عليه:
— طول ما إحنا مع بعض، العشة دي قصر.
وكانوا فعلًا عايشين مبسوطين.
________________________________________
وفي يوم من الأيام، كان البحر هادي بشكل غريب.
رمى عوض الشبكة مرة...
طلعت فاضية.
رماها تاني...
طلعت فيها شوية أعشاب وحجر صغير.
قال:
— يا رب.
ورماها للمرة التالتة.
المرة دي حس إن الشبكة تقيلة.
شدّها بكل قوته، ولما طلعت فوق المية، فتح عينيه من الدهشة.
كانت فيها سمكة صغيرة لونها دهبي.
قشورها بتلمع تحت الشمس، وعينيها خضرا زي حبات الزمرد.
وقبل ما عوض يلحق يعمل حاجة، سمع صوت:
— استنى يا عوض.
وقع عوض على الأرض من الخضة.
— مين اتكلم؟!
ضحكت السمكة وقالت:
— أنا.
بص عوض حواليه.
— إنتِ... بتتكلمي؟!
— أيوه.
وبعدين قالت:
— أنا سمكة الدهب، ولو رجعتني للبحر، أقدر أحقق لك أمنية واحدة.
فكر عوض.
كان ممكن يطلب دهب.
أو مركب كبيرة.
أو بيت فخم.
بس افتكر سقف العشة اللي كان بيخر عليهم كل شتوية، وافتكر صابرين وهي بتحط الحلل تحت نقط المية.
فقال:
— نفسي في بيت صغير... بس يكون له سقف ما يخرش علينا المطر، ومراتي تعيش فيه مرتاحة.
ابتسمت السمكة وقالت:
— طلبك بسيط يا عوض... بس قلبك راضي.
وبعدين نطت في البحر وقالت:
— ارجع بيتك... وهتلاقي أمنيتك.
________________________________________
رجع عوض يجري.
ولما وصل مكان عشته، وقف مش مصدق اللي شايفه.
العشة اختفت.
مكانها كان بيت أبيض صغير، له باب أخضر وشباكين يدخل منهم نور الشمس.
كانت صابرين واقفة قدامه، مش عارفة تضحك ولا تعيط.
قالت:
— يا عوض... ده بيتنا؟
هز راسه وهو مبتسم.
— أيوه يا صابرين.
دخلوا البيت.
كان صغير، بس نضيف ودافي.
وفي أول ليلة، نزل المطر.
قعد عوض وصابرين جنب بعض، بيسمعوا صوت المطر فوق السقف.
ولا نقطة مية دخلت البيت.
ضحكت صابرين وقالت:
— فاكر لما كنا بنحط الحلل تحت السقف؟
ضحك عوض وقال:
— أهو ربنا عوّضنا.
وناموا الليلة دي وهما أسعد ما يكونوا.
________________________________________
بس في الحارة كانت عايشة جارتهم أم طاهر.
كانت بتحب عوض وصابرين، بس عينها كانت دايمًا بتسبق قلبها.
لما شافت البيت، قالت لصابرين:
— بيت حلو... بس يعني، هو ده آخر اللي السمكة تقدر تعمله؟
بصت لها صابرين باستغراب.
— تقصدي إيه؟
قالت أم طاهر:
— يا بنتي، لو أنا مكانك كنت طلبت قصر! ودهب! ومركب كبيرة! وفلوس تكفي العمر كله!
ضحكت صابرين في الأول.
بس كلام أم طاهر فضل يرن في ودانها.
وبالليل، وهي قاعدة مع عوض، قالت له:
— عوض؟
— نعم؟
— هو إحنا استعجلنا؟
بصلها باستغراب.
— في إيه؟
قالت:
— كان ممكن نطلب حاجة أكبر.
قال عوض:
— بس إحنا طلبنا اللي كنا محتاجينه.
قالت:
— ما هو صح... بس تخيل لو كان عندنا قصر؟ أو دهب؟ أو مركب كبيرة؟
سكت عوض.
ولأول مرة، بدأ يبص لبيته بعين مختلفة.
ما بقاش شايف السقف اللي حماهم من المطر.
بقى شايف إنه صغير.
وما بقاش شايف الباب الأخضر الجميل.
بقى شايف إن فيه أبواب أكبر منه.
ومن يومها، بدأت النعمة اللي كانت ماليّة عينه...
تصغر في نظره.
________________________________________
بعد كام يوم، نزل عوض البحر.
وقف على الشط ونادى:
— يا سمكة الدهب!
ظهرت السمكة من بعيد.
— رجعت ليه يا عوض؟
قال وهو متردد:
— أنا... عايز أطلب حاجة تانية.
بصت له السمكة شوية، وقالت:
— مش فاكر إننا اتفقنا على أمنية واحدة؟
وطّى عوض راسه.
— فاكر.
قالت:
— والأمنية اللي طلبتها اتحققت.
قال عوض:
— بس...
قاطعته:
— بس إيه؟
قال:
— الناس بتقول إننا نقدر نعيش أحسن.
سألته السمكة:
— وإنت كنت عايش وحش؟
عوض ما عرفش يرد.
قالت له:
— ارجع بيتك يا عوض.
وبعدين اختفت تحت المية.
________________________________________
رجع عوض.
بس المرة دي، ما جريش على البيت.
كان بيمشي ببطء.
ولما وصل، لقى صابرين قاعدة قدام الباب.
سألها:
— إنتِ مبسوطة؟
قالت:
— كنت مبسوطة.
استغرب.
— يعني إيه كنتِ؟
بصت للبيت وقالت:
— من يوم ما بقينا نقارنه ببيوت الناس، وأنا مش شايفاه زي الأول.
سكت عوض.
وبعدين قالت:
— تعرف إيه اللي وجعني؟
— إيه؟
— إن البيت ده كان كفاية لنا يوم ما كان عندنا العشة.
رفعت عينيها له وقالت:
— هو إحنا بقينا محتاجين أكتر... ولا بقينا بنبص أكتر للي عند غيرنا؟
عوض ما ردش.
لأن الإجابة كانت واضحة.
________________________________________
في الليلة دي، قعد عوض وصابرين قدام البيت لحد وقت متأخر.
افتكروا أيام العشة.
وافتكروا أول ليلة ناموا فيها من غير ما يخافوا من المطر.
وافتكروا فرحتهم بالبيت يوم ما ظهر قدامهم.
وفجأة، فهموا إن البيت ما اتغيرش.
اللي اتغير كان نظرتهم ليه.
قال عوض:
— إحنا ما خسرناش النعمة يا صابرين.
بصت له وقالت:
— أمال خسرنا إيه؟
ابتسم عوض بحزن وقال:
— رضانا بيها.
________________________________________
تاني يوم الصبح، نزل عوض البحر مرة تانية.
وقف على الشط وقال:
— يا سمكة الدهب!
ظهرت السمكة.
وقالت:
— إنت عايز إيه المرة دي؟
قال:
— ولا حاجة.
سكتت السمكة شوية.
وبعدين قالت:
— أمال جاي ليه؟
ابتسم عوض وقال:
— جاي أقولك شكرًا.
بصت له السمكة باستغراب.
— شكرًا على إيه؟
قال:
— على البيت.
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
— وعلى إنك خلّتيني أفهم إن المشكلة ما كانتش في البيت... المشكلة كانت في عيني.
ابتسمت السمكة.
وقالت:
— أغلب الناس لما يخسروا حاجة، ييجوا يطلبوا مني أعوضهم عنها.
وبعدين قربت من سطح المية وقالت:
— إنت أول واحد يرجع لي وهو لسه فاكر قيمة اللي في إيده.
وبعدها غطست واختفت.
________________________________________
رجع عوض البيت.
وفي الطريق كان حاسس براحة غريبة.
ولما وصل، فتح الباب الأخضر.
بص للجدران البيضا.
وبص للشباكين.
وبص للسقف اللي ما بيدخلش منه المطر.
وبعدين ابتسم.
قالت صابرين:
— مالك؟
قال:
— ولا حاجة.
— شكلك مبسوط.
ضحك وقال:
— أصلّي بصيت للبيت بعين عوض القديمة.
ضحكت صابرين.
ومن يومها، كل ما يشوفوا حاجة أجمل عند غيرهم، ما بقوش يقولوا:
— يا ريت عندنا زيها.
كانوا يبصوا لبعض ويبتسموا.
ويقولوا:
— الحمد لله على اللي في إيدنا.
ومرت السنين.
وظل البيت الأبيض بابه الأخضر واقف على البحر.
ما بقاش قصر.
وما اتملاش دهب.
بس كان فيه حاجة أغلى من كل ده:
ضحكة عوض.
وصوت صابرين.
ورائحة الأكل وقت المغرب.
وذكريات سنين عاشوها مع بعض.
وكان ده...
بالنسبة لهم...
أغنى بيت في الدنيا.
وتوتة توتة، خلصت الحدوتة...
حلوة ولا ملتوتة؟
ولو في يوم بصيت لغيرك وحسيت إن اللي في إيدك قليل...
بص له مرة تانية.
يمكن النعمة مش صغيرة...
يمكن عينك هي اللي كانت مشغولة بحاجة تانية.
تصبحوا على رضا...
ونعمة تعرفوا قيمتها قبل ما تتمنوا غيرها. 🌙
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

سوق القمر
قصة خيالية من عوالم السحر... عن الأشياء التي نظن أننا نريد التخلص منها، ثم نكتشف أنها أثمن ما نملك.

قطار منتصف الليل
بعد يومٍ طويل أنهك يوسف، يظهر أمامه قطار غامض لا يظهر في جداول المحطة. يصعد إليه في رحلة هادئة، يكتشف خلالها أن الراحة ليست هروبًا من الحياة، بل فرصة لترك أثقال اليوم جانبًا واستعادة هدوئه من جديد.

يا نهار أبيض! بعتها للجروب!
كان مجدي يريد فقط أن يفضفض لصديقه عن عزومة عائلية طويلة ومليئة بالمواقف المضحكة، ففتح هاتفه وسجّل رسالة صوتية بكل ما يدور في رأسه دون أن يتخيل العواقب. لكن ضغطة واحدة خاطئة جعلت كلماته الخاصة تصل إلى المكان الخطأ... أمام العائلة كلها!