تخطّي إلى المحتوى

يا نهار أبيض! بعتها للجروب!

بواسطة فريق ملهموقت القراءة ٤ دقائق
١قراءة

كان مجدي يريد فقط أن يفضفض لصديقه عن عزومة عائلية طويلة ومليئة بالمواقف المضحكة، ففتح هاتفه وسجّل رسالة صوتية بكل ما يدور في رأسه دون أن يتخيل العواقب. لكن ضغطة واحدة خاطئة جعلت كلماته الخاصة تصل إلى المكان الخطأ... أمام العائلة كلها!

يا نهار أبيض! بعتها للجروب!

كان مجدي يظن أن أسوأ ما يمكن أن يحدث له بعد عزومة عائلية طويلة هو أن يضطر لحضور عزومة أخرى.

لم يكن يعرف أن هناك ما هو أسوأ بكثير...

أن يسخر من عائلته كلها، ثم يرسل التسجيل الصوتي إليهم هم.

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً حين عاد مجدي إلى بيته بعد أربع ساعات قضاها في عزومة عند عمته نعمات.

استلقى على الكنبة، وأمسك هاتفه، ثم فتح محادثة صديقه المقرب سامح.

ضغط زر التسجيل وقال:

— يا عم سامح، أنا لسه راجع من عزومة عمتي نعمات... والله قعدة أربع ساعات، حاسس إني كنت فيها أربعين سنة!

ضحك وحده وأكمل:

— أول حاجة الأكل. عمتي عاملة محشي من غير ملح خالص، والناس كلها بتقول: «يا سلام! إيه الحلاوة دي؟» وأنا شايفهم بيبلعوا الأكل بالمياه!

ثم خفض صوته وقال:

— وجوز عمتي، الحاج صابر، حكى نكتة المطار بتاعته للمرة الميت وستين. والكل ضحك نفس الضحكة اللي بنضحكها قدام المدير في الشغل... ضحكة مجاملة وخلاص.

انفجر مجدي بالضحك، ثم تابع:

— وابنهم شريف طبعًا فتح موضوع الكورة بتاعه. كل مرة يقول: «أنا لو كنت كملت في الكورة، كنت بقيت أحسن من صلاح!» يا عم شريف، أنت بتطلع السلم وتاخد استراحة في النص!

توقف لحظة، ثم قال:

— وآخر واحدة خالتي فايقة، سألتني للمرة التالتة: «إمتى هتخلف يا مجدي؟» قلت لها في سري: لما أخلص من العزايم بتاعتكم الأول!

ضحك مجدي بشدة.

ثم ضغط زر الإرسال.

وضع الهاتف على صدره، وأغمض عينيه براحة.

مرت عشر ثوانٍ.

اهتز الهاتف.

فتح عينيه.

رسالة من سامح:

«يا مجدي... إنت بعتلي حاجة؟»

اعتدل مجدي في جلسته.

— أيوه.

فتح المحادثة.

ثم نظر إلى أعلى الشاشة.

تجمد.

لم يكن يكتب إلى سامح.

كان يكتب في:

«عائلة المحبة ❤️ — 34 عضوًا»

ظل يحدق في الشاشة كأنه ينتظر أن تختفي.

لم تختفِ.

وفي أسفل التسجيل الصوتي ظهرت علامتا الصح الزرقاوان.

ثم ظهرت العبارة التي جعلت قلبه يتوقف لحظة:

«يكتب الآن...»

قال مجدي:

— يا نهار أبيض!

________________________________________

خلال ثوانٍ، حاول حذف الرسالة.

ضغط على «حذف لدى الجميع».

ظهرت أمامه رسالة:

«لا يمكن حذف هذه الرسالة.»

ظل ينظر إليها.

ثم قال:

— انتهت مهلة الحذف؟! دي رسالة اتبعت من عشرين ثانية!

فكر في إغلاق الإنترنت.

ثم تذكر الحقيقة المروعة:

أربعة وثلاثون شخصًا شافوا الرسالة بالفعل.

جاء أول رد.

ابن خالته الصغير:

«😂😂😂 المحشي من غير ملح فعلًا.»

أغلق مجدي عينيه.

ثم جاء الرد الثاني.

الحاج صابر:

«نكتة المطار حلوة، وكل مرة بحكيها الناس بتضحك من قلبها. وربنا يسامحك يا مجدي.»

ثم ظهر اسم شريف.

كتب:

«أنا كنت هبقى أحسن من صلاح فعلًا.»

ثم خرج من المجموعة.

بعد دقيقتين عاد.

وكتب:

«والسلم بتاع بيتنا عالي أصلًا.»

لم يعرف مجدي هل يضحك أم يختفي من الحياة.

لكن بقي الرد الأخطر...

عمته نعمات.

ظهرت رسالتها بعد دقيقة كاملة.

رسالة قصيرة.

هادئة.

ومخيفة.

«العزومة الجاية عندي يوم الجمعة. ومجدي هيساعدني في المطبخ.»

ثم أضافت:

«عشان يورّينا الملح بيتحط إزاي.»

ساد الصمت في المجموعة.

ثم انفجرت الرسائل بالضحك.

________________________________________

جاء يوم الجمعة.

وقف مجدي في مطبخ عمته مرتديًا مريلة وردية عليها فراشة كبيرة.

كان أمامه جبل من ورق العنب، وحلة ضخمة، وكمية من البصل تكفي لإطعام فرقة جيش.

ومن فتحة باب المطبخ، كانت العائلة كلها تراقبه.

كلما أمسك ورقة عنب، صفقوا.

وكلما اقترب من الحلة، صاحوا في صوت واحد:

— الملح يا مجدي!

ضحك مجدي رغمًا عنه.

قال الحاج صابر:

— خد بالك، إحنا واثقين في قدراتك.

رد مجدي:

— بعد التسجيل ده؟ أنتم واثقين إني هطبخ أصلًا؟

ضحكت العائلة.

وبعد ساعة طويلة، انتهى مجدي من إعداد الطعام.

وضعت عمته الصينية على المائدة، ثم أخذت قطعة أمام الجميع.

مضغتها ببطء.

نظر إليها مجدي بتوتر.

قالت:

— حلو.

تنفس مجدي الصعداء.

ثم أضافت:

— بس ناقصه ملح.

انفجرت الصالة بالضحك.

حتى مجدي ضحك.

ضحك الحاج صابر، ثم بدأ يحكي نكتة المطار للمرة المئة وواحد وستين.

هذه المرة لم يضحك مجدي مجاملة.

ضحك من قلبه.

وحين نظر حوله، وجد نفسه يضحك مع الجميع.

عندها فهم شيئًا لم يكن قد انتبه إليه في كل عزومة سابقة:

لم تكن العائلة مملة كما ظن.

كانوا فقط...

عائلته.

وكانت تلك التفاصيل الصغيرة التي كان يسخر منها هي نفسها الأشياء التي ستبقى في ذاكرته يومًا.

________________________________________

بعد ذلك بأيام، تغيّر اسم مجموعة العائلة.

لم يعد:

«عائلة المحبة ❤️»

بل أصبح:

«عائلة المحبة — من غير ملح 🧂»

وثبّتوا الرسالة الصوتية في أعلى المجموعة.

ومنذ ذلك اليوم، كلما اجتمعت العائلة، كان أحدهم يشغّل التسجيل، فيبدأ الجميع بالضحك قبل أن يصل مجدي إلى منتصفه.

أما مجدي، فكان كلما أراد إرسال رسالة صوتية، يتأكد من اسم المحادثة ثلاث مرات قبل أن يضغط زر التسجيل.

وحين سأله سامح:

— اتعلمت الدرس؟

قال مجدي:

— طبعًا.

ثم أضاف:

— قبل ما تدوس تسجيل، بص فوق... ثانية واحدة ممكن تنقذك من مريلة وردية قدام أربعة وتلاتين واحد.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

سوق القمر
عوالم سحرية

سوق القمر

قصة خيالية من عوالم السحر... عن الأشياء التي نظن أننا نريد التخلص منها، ثم نكتشف أنها أثمن ما نملك.

٢قراءة
الصياد وسمكة الدهب
حواديت بالعامية

الصياد وسمكة الدهب

يجد الصياد عوض سمكة ذهبية تمنحه أمنية واحدة، فيطلب بيتًا صغيرًا يؤمّن له ولزوجته حياة هادئة. لكن حين يبدأ في مقارنة ما لديه بما يملكه الآخرون، تتحول نعمة البيت في عينيه إلى شيء قليل. حكاية دافئة عن الرضا، وخطر الطمع، وقيمة النعمة التي بين أيدينا.

٠قراءة
قطار منتصف الليل
قصص قبل النوم للكبار

قطار منتصف الليل

بعد يومٍ طويل أنهك يوسف، يظهر أمامه قطار غامض لا يظهر في جداول المحطة. يصعد إليه في رحلة هادئة، يكتشف خلالها أن الراحة ليست هروبًا من الحياة، بل فرصة لترك أثقال اليوم جانبًا واستعادة هدوئه من جديد.

٠قراءة