سوق القمر
سوق القمر
قصة خيالية من عوالم السحر... عن الأشياء التي نظن أننا نريد التخلص منها، ثم نكتشف أنها أثمن ما نملك.

في مدينة قديمة، كان هناك زقاق ضيق خلف الجامع الكبير، ينتهي بحائط حجري عالٍ لا باب فيه.
يمر الناس من أمامه كل يوم، ولا يرون فيه شيئًا غريبًا.
إلا في ليلة اكتمال القمر.
عند منتصف الليل تمامًا، يظهر في الحائط باب خشبي أسود، تتوسطه دائرة فضية تشبه القمر.
لكن الباب لا يظهر للجميع.
كان يظهر لشخص واحد فقط في المدينة...
أكثر شخص يحتاج إلى شيء لا يستطيع شراءه بالمال.
وخلف الباب كان يوجد مكان لا يعرفه إلا القليلون:
سوق القمر.
سوق لا يفتح إلا مرة واحدة كل شهر، ولا يبيع شيئًا عاديًا.
كانت هناك دكاكين تبيع الشجاعة في قوارير زرقاء صغيرة، ودكاكين تبيع سنوات إضافية من العمر ملفوفة في أوراق فضية.
وكان هناك دكان يبيع ساعة واحدة من الماضي لمن يريد أن يعيش يومًا منسيًا مرة أخرى.
ودكان آخر يبيع الأحلام.
أما أغرب الدكاكين كلها، فكان دكانًا صغيرًا في آخر السوق، فوق بابه لافتة سوداء مكتوب عليها:
النسيان.
وكان الناس يقولون إن هذا الدكان يستطيع أن يمحو من قلبك ذكرى واحدة مهما كانت مؤلمة.
لكن سوق القمر كان له قانون لا يتغير:
لا شيء هنا يُشترى بالمال.
كل شيء له ثمن...
وثمنه دائمًا شيء منك.
من يشتري الشجاعة، يدفع ذكرى جميلة.
ومن يشتري سنوات إضافية، يفقد جزءًا من شبابه.
ومن يشتري حلمًا، قد يستيقظ بعده وقد نسي أعز أمنياته.
أما النسيان...
فكان ثمنه أغلى من كل شيء.
________________________________________
في إحدى ليالي اكتمال القمر، ظهر الباب أمام فتاة اسمها ندى.
كانت ندى قد فقدت والدها منذ عدة أشهر.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد كما كانت.
كانت تستيقظ ليلًا على صوته في ذاكرتها، وتفتح عينيها فلا تجده.
تمر أمام كرسيه الفارغ فتشعر أن صدرها يضيق.
تشم رائحة عطر تشبه عطره، فتتوقف في منتصف الطريق.
وكان أكثر ما يؤلمها...
أنها لم تكن تعرف كيف تتوقف عن الاشتياق.
وفي تلك الليلة، وجدت الباب الأسود.
عرفت فورًا أنها وصلت إلى سوق القمر، فقد سمعت الحكاية من جدتها وهي طفلة.
مدّت يدها وفتحت الباب.
________________________________________
كان السوق مختلفًا عن كل شيء عرفته ندى.
فوانيس صغيرة كانت تطفو في الهواء دون سلاسل.
أصوات الباعة تتداخل في أرجاء المكان.
رجل يبيع شجاعة لشاب خائف.
امرأة تساوم على ثلاث سنوات من عمرها مقابل أن ترى ابنها مرة أخرى.
طفل يقف أمام دكان الأحلام ويحدق في صندوق زجاجي بداخله حلم يلمع مثل النجمة.
ومع ذلك، لم تتوقف ندى طويلًا.
كانت تعرف أين تريد أن تذهب.
دكان النسيان.
وجدته في نهاية السوق.
كان أصغر من بقية الدكاكين، وأشدها هدوءًا.
جلس خلفه رجل طويل يرتدي عباءة سوداء وقناعًا يخفي نصف وجهه.
لم يظهر من وجهه إلا عينان غريبتان، هادئتان بشكل جعل ندى تشعر أنهما تعرفان عنها أكثر مما ينبغي.
قال:
— جئتِ عشان تنسي؟
هزت ندى رأسها.
— أيوه.
— مين؟
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— أبويا.
لم يتغير وجه الرجل.
قال:
— عايزة تنسيه كله؟
— كله.
— صوته؟
— أيوه.
— شكله؟
— أيوه.
— ضحكته؟
ترددت ندى.
لكنها أجابت:
— أيوه.
أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا من زجاج أسود ووضعه أمامها.
قال:
— النسيان الكامل موجود.
تنفست ندى براحة.
ثم سألته:
— والثمن؟
قال:
— كل شيء تركه فيكِ.
لم تفهم.
فأكمل:
— ذكرياتك عنه، صوته في رأسك، رائحة ملابسه، طريقته وهو بينادي اسمك، أول يوم مشيتي فيه معاه، أول مرة ضحكتي بسبب حاجة قالها...
توقف قليلًا.
— كل ده يخرج منكِ.
قالت ندى بسرعة:
— ولو دفعت؟
— تصحي الصبح... ومش هتفتكري إن كان لكِ أب أصلًا.
شعرت ندى بشيء بارد يسري في جسدها.
ولكنها مدت يدها نحو الصندوق.
وقبل أن تلمسه، أمسك البائع يدها.
قال:
— استني.
نظرت إليه.
— ليه؟
— قانون السوق.
ثم أضاف:
— قبل ما تدفعي، من حقك تشوفي البضاعة اللي هتخسريها.
وضع يده على الصندوق.
وفجأة...
أضاءت الفوانيس كلها.
________________________________________
رأت ندى نفسها طفلة.
كانت تركب دراجة صغيرة لأول مرة.
كان والدها يجري خلفها، يمسك المقعد بيده ويضحك:
— متخافيش... أنا وراكي.
تركت المقود للحظة.
التفتت خلفها.
لم يكن والدها يمسك الدراجة.
كان بعيدًا عنها عدة خطوات، يصفق لها ويضحك.
رأت يومًا آخر.
كانت جالسة تذاكر، غاضبة من امتحان صعب.
دخل والدها الغرفة بصينية شاي.
قالت له بضيق:
— بابا، أنا بذاكر!
خرج فورًا، ثم عاد بعد دقيقة ووضع الشاي أمام الباب دون أن يدخل.
وضعت يدها على فمها وهي تضحك.
ثم رأت يوم تخرجها.
كان الجميع يصورونها.
أما والدها، فكان يقف بعيدًا، يمسح عينيه بسرعة كلما ظن أن أحدًا لا يراه.
ثم ظهرت صورة أخرى.
غرفة هادئة.
سرير.
وجه والدها شاحب ومتعب.
كانت ندى تمسك يده.
قال لها بصوت ضعيف:
— أنا مش خايف يا ندى.
بكت.
فابتسم وقال:
— عارفة ليه؟
هزت رأسها.
— عشان أنا سايب ورايا حاجة أحلى مني.
ثم نظر إليها.
— إنتِ.
تغير المشهد.
ظهر وجهه مرة أخرى.
ثم صوته.
ثم ضحكته.
ضحكته التي كانت ندى تظن أن سماعها سيكسر قلبها.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم تشعر بالألم فقط.
شعرت بالدفء.
شعرت أن أباها لم يكن مجرد شخص فقدته...
كان حياة كاملة عاشتها معه.
مدت يدها نحو الصندوق.
ثم توقفت.
________________________________________
قال البائع:
— لسه تقدري تدفعي.
كانت دموعها تنزل بصمت.
— لو دفعت... الوجع هيروح؟
— أيوه.
— وهرتاح؟
— هترتاحي من الوجع.
سكت.
ثم قال:
— لكنكِ هترتاحي منه... ومن كل شيء كان سببه.
رفعت ندى عينيها إليه.
— يعني؟
قال:
— مش هتزعلي لما تفتكريه.
ثم اقترب منها وقال:
— بس مش هتفرحي برضه.
نظرت إلى الصندوق طويلًا.
ثم سحبت يدها.
وقالت:
— لأ.
رفع البائع رأسه.
— لأ؟
مسحت دموعها وقالت:
— أنا كنت فاكرة إن الذكرى هي اللي بتوجعني.
ابتسمت بحزن.
— طلعت الذكرى هي الحاجة الوحيدة اللي لسه فاضلة منه.
سكت البائع.
ثم قالت:
— لو نسيت وجعي... هنسى معاه الأيام الحلوة.
وضعت يدها على صدرها.
— وأنا مش مستعدة أبيع أبويا مرتين.
لأول مرة، تغيرت عينا البائع.
لم تعدا باردتين كما كانتا.
قال بهدوء:
— ارجعي يا ندى.
سألته:
— ليه؟
قال:
— لأنك أول واحدة من سنين طويلة تفهم إن النسيان مش دايمًا علاج.
ثم أضاف:
— الناس بتيجي هنا عشان تهرب من حاجة وجعتها.
ونظر إلى الصندوق.
— وبعدين تكتشف إن بعض الوجع... هو آخر دليل إن الحاجة دي كانت غالية.
________________________________________
وقبل أن تخرج، التفتت ندى إلى السوق.
لاحظت شيئًا لم تره من قبل.
رجلًا خرج من دكان الشجاعة وهو يحاول أن يتذكر وجه امرأة.
امرأة خرجت من دكان العمر وهي تنظر إلى يديها الشابتين بحزن.
وشابًا خرج من دكان الأحلام، لكنه وقف وسط الطريق مرتبكًا، كأنه نسي لماذا جاء أصلًا.
فهمت ندى قانون السوق الحقيقي.
لم يكن السوق يأخذ المال.
كان يأخذ الأشياء التي تجعل الإنسان هو نفسه.
خرجت من الباب الأسود قبل طلوع الشمس.
وما إن عبرت العتبة حتى اختفى الباب.
وعاد الحائط كما كان.
________________________________________
في تلك الليلة، رجعت ندى إلى بيتها.
جلست على كرسي أبيها.
لأول مرة منذ شهور، سمحت لنفسها أن تتذكر.
تذكرت صوته.
ضحكته.
نصائحه.
حتى الأشياء الصغيرة التي كانت تضايقها منه.
ضحكت.
ثم بكت.
ثم ضحكت وهي تبكي.
وفي الصباح، فتحت دفترًا قديمًا وكتبت:
«أبي كان هنا.»
وتحتها كتبت كل شيء تتذكره عنه.
ليس لأنها تريد أن تتوقف عن الحزن...
بل لأنها لا تريد أن تنسى الحب الذي كان وراء هذا الحزن.
ومرت الأيام.
وبدأت ندى تحكي للناس عن أبيها.
تحكي موقفًا فيضحكون.
تحكي موقفًا آخر فتبكي.
لكنها لم تعد تخجل من دموعها.
كانت تعرف الآن أن بعض الذكريات لا تأتي لتؤلمنا...
بل لتقول لنا:
لقد كان هناك شخص أحببته إلى هذا الحد.
________________________________________
أما سوق القمر، فما زال يفتح أبوابه كل ليلة اكتمال.
والباب الأسود ما زال يظهر في الحائط القديم.
يظهر لشخص واحد فقط...
لأكثر أهل المدينة حاجة في تلك الليلة.
ويقال إن دكان النسيان ما زال موجودًا.
والبائع المقنّع ما زال يجلس خلفه.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
فمنذ ليلة ندى، صار البائع يضع على باب الدكان جملة جديدة.
جملة لا يراها إلا من جاء يبحث عن النسيان:
«قبل أن تنسى ما يؤلمك... تذكّر لماذا كان مهمًا إلى هذا الحد.»
وتقول الحكاية إن ندى لم تدخل سوق القمر مرة أخرى.
لكن في كل ليلة اكتمال، كانت تفتح نافذتها، تنظر إلى القمر، وتبتسم.
وكأنها تعرف أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى سحر كي تبقى.
يكفي...
أن نتذكرها.
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

الصياد وسمكة الدهب
يجد الصياد عوض سمكة ذهبية تمنحه أمنية واحدة، فيطلب بيتًا صغيرًا يؤمّن له ولزوجته حياة هادئة. لكن حين يبدأ في مقارنة ما لديه بما يملكه الآخرون، تتحول نعمة البيت في عينيه إلى شيء قليل. حكاية دافئة عن الرضا، وخطر الطمع، وقيمة النعمة التي بين أيدينا.

قطار منتصف الليل
بعد يومٍ طويل أنهك يوسف، يظهر أمامه قطار غامض لا يظهر في جداول المحطة. يصعد إليه في رحلة هادئة، يكتشف خلالها أن الراحة ليست هروبًا من الحياة، بل فرصة لترك أثقال اليوم جانبًا واستعادة هدوئه من جديد.

يا نهار أبيض! بعتها للجروب!
كان مجدي يريد فقط أن يفضفض لصديقه عن عزومة عائلية طويلة ومليئة بالمواقف المضحكة، ففتح هاتفه وسجّل رسالة صوتية بكل ما يدور في رأسه دون أن يتخيل العواقب. لكن ضغطة واحدة خاطئة جعلت كلماته الخاصة تصل إلى المكان الخطأ... أمام العائلة كلها!