تخطّي إلى المحتوى

الفضول الذي وصل لنوبل - قصة أحمد زويل

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة ٤ دقائق
١قراءة

من غرفة طفل فضولي في الإسكندرية إلى منصة جائزة نوبل، بدأت رحلة أحمد زويل بسؤال بسيط: كيف تحدث الأشياء؟ كبر السؤال معه، وتحول إلى تجارب وأبحاث قادته إلى ابتكار طريقة مكّنَت العلماء من رؤية التفاعلات الكيميائية في زمن الفيمتوثانية. قصة ملهمة عن الفضول، والإصرار، والعلم، وكيف يمكن لسؤال صغير أن يقود إلى اكتشاف يغير العالم.

الفضول الذي وصل لنوبل - أحمد زويل

لم تكن طفولة أحمد زويل، كما ذكرها في كتاب (عصر العلم)، تكتفي بأن يعرف أن الأشياء تحدث؛ بل كان يريد أن يعرف كيف تحدث: لماذا يتحول الخشب إلى رماد؟ كيف تنتقل الحرارة؟ ماذا يحدث داخل المادة في اللحظة التي تتغير فيها؟

لم يكن الفضول وحده هو ما يقوده إلى هذه الأسئلة، بل شيء أكبر أدركه في نفسه كلما كَبُر. وجاء اليوم الذي تحولت فيه أسئلته إلى تجارب تُختبر، فماذا حدث؟

في يوم، قرر ألا يكتفي بالسؤال؛ أخذ موقدًا صغيرًا كانت والدته تستخدمه لإشعال البن العربي، وبعض الأنابيب الزجاجية، وصنع جهازًا بسيطًا في غرفته. أراد أن يرى بنفسه ما يحدث للخشب عندما يحترق، وكيف يتحول إلى غاز ثم إلى مادة أخرى.

كان اهتمامه بما سيكتشفه من تجربته تلك أكبر من إدراكه لخطورتها.

ظل المشهد عالقًا في ذاكرته لسنوات طويلة؛ لم يكن يعرف وقتها أن الطفل الذي يحاول أن يرى ما يحدث داخل قطعة خشب، سيكبر يومًا ليحاول رؤية شيء أكثر سرعة بكثير: لحظة تكوّن الروابط الكيميائية وانكسارها، ويفتخر به أهله وزملاؤه ومعلموه، ويصبح قدوة تُدرس قصتها في مدارس دولته والدول المجاورة.

في جامعة الإسكندرية، وجد أحمد زويل المكان الذي يستطيع فيه أن يطارد أسئلته بجدية.

درس العلوم وتخصص في الكيمياء، ثم عُيّن معيدًا بالكلية وواصل شغفه حتى نال درجة الماجستير في مجال جعل الضوء أداة لفك أسرار المادة

ومطيافيتها. لكن طموحه العلمي كان يتجاوز الحدود التي وصل إليها.

لم تكن رحلته إلى أمريكا عام 1970 سهلة؛ كان عليه أن يراسل جامعات عديدة بحثًا عن فرصة، ويواجه إجراءات وعقبات معقدة قبل أن يقع اختياره على جامعة بنسلفانيا لنيل الدكتوراه. وحين وصل، وجد نفسه أمام جدار من التحديات الصعبة: لغة مختلفة، وثقافة جديدة، وعالم أكاديمي ممتلئ بالمختبرات المتقدمة والمنافسة الشديدة.

كانت أيامه الأولى في جامعته عبارة عن تنقلات بين المكتبة والمختبر ليعوّض أي نقص في مصطلحات اللغة الإنجليزية العلمية، ويعيد قراءة الأوراق البحثية عدة مرات حتى وقت متأخر من الليل.

وجاء يوم شعر فيه برهبة الموقف الذي يمر به، فهل يتراجع أم يواصل طريق الدكتوراه؟ ما الموقف وماذا فعل؟

في أحد اللقاءات العلمية الأولى، شعر برهبة كبيرة وهو يقف أمام أساتذة كبار يناقشون أفكارًا معقدة؛ لكنه بدلاً من أن يتراجع، صعد إلى منبر المناقشة وطرح فكرته بلغة واثقة وتحليل دقيق، ليلفت انتباه أستاذه الذي أدرك حينها أن هذا الشاب القادم من الإسكندرية يحمل شغفًا واستيعابًا عميقًا لا يوقفه عائق.

واصل دراسته و حصل على الدكتوراه عام 1974 مستخدمًا أشعة الليزر لدراسة المادة، ولم يتوقف؛ بل انتقل إلى جامعة كاليفورنيا ببيركلي كباحث لمرحلة ما بعد الدكتوراه ليتعمق في التفاعلات الضوئية المعقدة، حتى حطّت رحاله عام 1976 في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech)، المكان الذي استقر فيه وبنى فيه مختبره العلمي الذي شهد أبحاثه الشهيرة .

لم يكن يبحث عن طريق سهل، كان يبحث عن سؤال أصعب.

في ذلك الوقت، كان العلماء يعرفون الكثير عن التفاعلات الكيميائية قبل أن تبدأ وبعد أن تنتهي؛ يعرفون المواد التي تدخل التفاعل، والمواد التي تخرج منه، ويمكنهم دراسة النتيجة. لكن ماذا يحدث في المنتصف؟ ماذا يحدث في تلك اللحظة القصيرة جدًا التي تتغير فيها الروابط الكيميائية، قبل أن تتحول المواد إلى النتيجة النهائية؟

كانت تلك هي المشكلة؛ لم تكن المشكلة في عدم وجود السؤال... المشكلة أن تلك اللحظة كانت أسرع من قدرة الأدوات المتاحة على رؤيتها. كان الأمر أشبه بمحاولة تصوير رصاصة أثناء مرورها في الهواء بكاميرا لا تلتقط إلا الصور البطيئة.

وهنا ظهر التحدي الذي سيصبح جزءًا أساسيًا من عمل زويل العلمي: إذا كانت التفاعلات تحدث في زمن بالغ القِصر، فلا بد أن تصبح أداة القياس أسرع منها.

بدأ زويل وفريقه في (Caltech) باستخدام نبضات ضوئية فائقة السرعة لدراسة حركة الجزيئات أثناء التفاعل. ومع تطور التجارب، أصبح بالإمكان الوصول إلى زمن يُقاس بالفيمتوثانية؛ أي جزء من مليون مليار جزء من الثانية.

ولم يكن الوصول إلى هذه السرعة أمرًا بسيطًا؛ كان عليهم تطوير طرق وتجارب دقيقة للغاية، والتعامل مع مشكلة أساسية: كيف تلتقط حركة تحدث وتنتهي قبل أن تكاد تبدأ؟

لكن شيئًا فشيئًا، بدأت الصورة تظهر؛ لم يعد التفاعل الكيميائي مجرد بداية ونهاية، بل أصبح بالإمكان دراسة مراحله أثناء حدوثها. لحظات كانت مخفية عن أعين العلماء أصبحت قابلة للرصد والقياس.

وفي عام 1987، نشر زويل وزملاؤه بحثًا عن استخدام نبضات الليزر فائقة السرعة لرصد التفاعلات الكيميائية في الزمن الحقيقي، ثم ترسخت هذه الطريقة وأصبحت أساسًا لما عُرف باسم كيمياء الفيمتوثانية (Femtochemistry).

لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح بالإمكان الاقتراب من سؤال أكثر دقة: ماذا حدث في اللحظة التي كان يحدث فيها؟

كانت تلك الفكرة هي جوهر إنجازه. وبفضل عمله، أصبح الضوء قادرًا على كشف حركة الجزيئات في أزمنة بالغة القِصر، حتى وصفته لجنة نوبل بأنه صنع ما يشبه أسرع كاميرا في العالم.

وفي عام 1999، حصل أحمد زويل على جائزة نوبل في الكيمياء عن دراساته للحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتوثانية.

لكن ربما كان أجمل ما في القصة أن البداية لم تكن في مختبر متطور؛ كانت في غرفة طفل فضولي، أمام موقد صغير وأنابيب زجاجية، يحاول أن يفهم ما الذي يحدث أمام عينيه.

كبر الطفل، وتغير السؤال، وتطورت الأدوات... لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: الرغبة في أن يرى ما لا يستطيع الآخرون رؤيته.

فأحيانًا لا يبدأ الاكتشاف من إجابة عظيمة؛ يبدأ من سؤال صغير يرفض صاحبه أن يتركه دون إجابة.

وسؤال أحمد زويل لم يكن فقط: كيف تحدث الأشياء؟ بل، مع الوقت، أصبح أكثر جرأة: هل يمكن أن نرى اللحظة التي تحدث فيها؟

المصادر(١)
  1. * كتاب «عصر العلم (السيرة الذاتية لأحمد زويل) •أوراق أبحاث جامعة كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech 1987).

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

العالِم الذي ادّعى الجنون — قصة ابن الهيثم
قصص ملهمة / العلماء

العالِم الذي ادّعى الجنون - قصة ابن الهيثم

عندما فشل ابن الهيثم في تنفيذ مشروعه لتنظيم مياه النيل، وجد نفسه في مواجهة حاكم لا يرحم. فاختار أن يدّعي الجنون لينجو، وحوّل عزلته القسرية إلى فرصة للبحث والتجربة، ليضع أسسًا مهمة في علم البصريات ويترك أثرًا علميًا امتد قرونًا. قصة عالم حوّل المحنة إلى إنجاز خالد.

٦قراءة
حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب
قصص ملهمة / الشخصيات المؤثرة

حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب

في محاضرة جامعية، يختار أحمد أن يتحدث عن السير مجدي يعقوب، الطبيب الذي كرّس حياته لإنقاذ القلوب وتطوير جراحة القلب عالميًا. لكن قصته لم تتوقف عند غرف العمليات؛ فقد أدرك أن إنقاذ القلب لا يعني علاج مريض واحد فقط، بل بناء منظومة تمنح آلاف الأطفال فرصة للحياة.

٠قراءة
حين تتحول المِحَن إلى مِنَح
قصص ملهمة / رواد الأعمال

حين تتحول المِحَن إلى مِنَح

بدأت سارة بريدلوف رحلة نجاحها وهي تبحث عن حل لمشكلة شخصية، لكنها سرعان ما حولت معاناتها إلى فرصة صنعت بها مشروعًا ناجحًا، وفتحت من خلاله أبواب العمل أمام نساء أخريات. قصة ملهمة عن تحويل المحن إلى منح، والإصرار على صناعة الفرص من أصعب الظروف.

٢قراءة