في ميناء لا يظهر على الخرائط، يحرّر سالم السفن من أصوات أثقلتها طويلًا. لكن وصول سفينة غامضة اسمها «العودة» يوقظ فيه طريقًا ظل يؤجل سلوكه، ويقوده إلى بيت وذكرى ورسالة تنتظره. قصة عن الغياب، وثمن التأجيل، والعناية بما بقي حين تتعذّر استعادة ما مضى.
بواسطة مُلهموقت القراءة 5 دقائق
5قراءة
اقرأ القصة
لم يكن الميناء الأخير للرياح موجودًا على أي خريطة.
كان يقع خلف بحر لا تسكنه العواصف، عند نهاية طريق مائي لا تسلكه السفن إلا حين تنتهي رحلاتها. هناك، كانت الأمواج تصل إلى الشاطئ في هدوء، ثم تعود إلى البحر، كأنها تتذكر شيئًا وتذهب لتبحث عنه.
في الميناء، لم تكن هناك أجراس، ولا أصوات نداءات البحارة، ولا صرير حبال تُشدّ استعدادًا للرحيل. كانت السفن تصل صامتة، وتبقى حتى الفجر، ثم تغادر خفيفةً كأنها تخلّصت من شيء أثقل من حمولتها.
كان سالم حارس الميناء الوحيد.
لم يكن يستقبل السفن بالسؤال عن وجهتها، ولا يفتش عن أسماء أصحابها. كان يعرف أن لكل سفينة ما تحمله، وأن بعض الحمولات لا تظهر في دفاتر الشحن.
حين ترسو إحداها، كان يصعد إلى متنها حاملًا مصباحه، ويمر بين الصواري والحبال والصناديق. لم يكن يبحث عن شيء بعينه؛ كان يصغي فقط.
أحيانًا، يسمع ضحكةً عالقة في تجويف خشبي، أو بكاءً خافتًا تحت أحد المقاعد، أو كلماتٍ تكررت طويلًا حتى فقدت معناها. وأحيانًا، لا يسمع شيئًا، لكنه يشعر بأن السفينة وصلت مثقلةً بما لا تستطيع حمله أكثر.
كان يترك تلك الأصوات للماء.
يمد يده إلى جانب السفينة، فينساب الصوت من بين أصابعه إلى البحر. لا يرتفع له رنين، ولا تتشكل على سطح الماء دوائر واضحة؛ فقط يصبح الخشب أقل ثقلًا، وتستقر السفينة في مرساها كأنها وجدت أخيرًا مكانًا يريحها.
لم يسأل سالم يومًا أين تذهب الأصوات بعد ذلك، كان يكفيه أنها لم تعد حبيسة السفن.
تجمع قطة بيضاء الأحلام الضائعة وتعيدها إلى أصحابها، حتى تصلها ثلاثة أحلام غامضة: باب أخضر، وقارب صغير، وضحكة بلا وجه. وبين الغيوم وبيت قديم قرب النهر، تتبع آثار حكاية لم تنتهِ بعد. قصة خيالية دافئة عن الذاكرة والحنين، وما تعيده إلينا الأشياء الصغيرة من صلتنا بالحياة.
شيماء الصاوي10قراءة
لم يكن لها شراع، ولم يظهر على سطحها أحد. كان اسمها محفورًا على جانبها بحروف باهتة:
«العودة»
اقترب سالم منها، ورفع مصباحه إلى سطحها. لم يجد حبالًا مبتلة، ولا آثار أقدام، ولا حتى صندوقًا صغيرًا يدل على أن أحدًا كان هنا.
كانت السفينة خالية، إلا من بوصلة موضوعة قرب الدفة.
انحنى سالم فوقها، لم تكن إبرتها تشير إلى الشمال، بل إلى مؤخرة السفينة، كأنها لا تبحث عن جهة في العالم، بل عن شيء تركته خلفها.
وقبل أن يبتعد، سمع صوتًا خافتًا يأتي من مكان لا يستطيع تحديده:
— هل وصلنا؟
ظل واقفًا لحظات، مصباحه يرتجف بين يديه.
لم يكن الصوت عاليًا بما يكفي ليوقظ البحر، لكنه كان واضحًا على نحو لم يستطع تجاهله. لم يكن سؤالًا عن الميناء وحده؛ هكذا بدا له، دون أن يعرف السبب.
مد سالم يده إلى حافة السفينة، ثم سحبها.
لم يجد صوتًا يحرره، ولم يعرف ماذا يفعل ببوصلة لا تهتدي إلى جهة.
عاد إلى كوخه، لكنه لم ينم، ظل السؤال يتردد في رأسه، وبينما كان الليل يقترب من نهايته، وجد نفسه يتذكر نافذةً زرقاء، وبيتًا صغيرًا في قرية ساحلية، وطريقًا ظل يؤجل العودة إليه عامًا بعد عام.
كان قد غادر القرية ذات صباح، واعدًا بأنه لن يطيل الغياب. ثم تأخرت رحلة، وتبدلت وجهة سفينة، ووجد نفسه في ميناء بعيد ينتظر رحلة أخرى. وكلما سنحت له فرصة العودة، أقنع نفسه بأن الرحلة التالية ستكون أفضل، وأن العودة يمكن أن تنتظر قليلًا.
في البداية، كانت الرسائل تصل، ثم صارت أقل، ثم انقطعت.
لم يعرف متى تحوّل الانتظار إلى عادة، ولا متى أصبح التأجيل أسهل من اتخاذ القرار. لكنه عرف، وهو جالس في عتمة كوخه، أنه لم ينسَ الطريق إلى القرية؛ بل اعتاد ألا يسلكه.
قبل الفجر، أشعل مصباحه وأخذ الطريق إلى القرية.
لم تكن المسافة طويلة كما تخيلها طوال السنوات الماضية. مرّ بالطريق الساحلي، وبالأشجار التي انحنت أغصانها نحو البحر، حتى ظهرت البيوت القليلة عند طرف الطريق.
وجد البيت من خلف بوابته الخشبية.
كانت النافذة الزرقاء مغلقة، وقد تقشّر الطلاء عند أطرافها. لم يكن في الداخل ضوء، ولم يسمع حركةً خلف الباب.
أدار المقبض، فلم يُفتح، ظل واقفًا أمامه لحظة، ثم انتبه إلى مفتاح قديم مخبأ تحت حجر قرب العتبة، فتح الباب.
استقبله هواء ساكن، ورائحة خشب طال عليه الإغلاق. كانت الأشياء في أماكنها تقريبًا: طاولة صغيرة، وكرسي قرب النافذة، ورفّ عليه أكواب لم تعد متشابهة كما كانت.
على الطاولة، وجد رسالة مطوية باسمه.
فتحها بحذر. كان الخط مألوفًا، وإن بدا أضعف مما يتذكر.
«سالم: لا أعرف إن كنت ستعود يومًا، ولا إن كانت هذه الرسالة ستصل إليك. لم أعد أرسلها إلى الموانئ؛ فقد تعبت من سؤال الغرباء عن رجل لا يعرفون متى يصل.
شجرة التين الصغيرة كبرت قليلًا، لكنها تحتاج إلى ماء أكثر مما أستطيع أن أعطيها. وضعتُها في الأصيص الأزرق قرب النافذة، حيث يصلها ضوء الصباح.
أما القط الرمادي، فما زال ينبش التراب كلما غفلت عنه. وضعت فوقه ثلاث حصيات بيضاء من الشاطئ. إن وجدت واحدة على الأرض، فاعرف أنه زار الأصيص مجددًا.
تركت المفتاح في مكانه المعتاد.
لا تقلق بشأن البيت. الأشياء تعرف كيف تبقى مدةً طويلة، حتى حين لا يبقى أحد ليعتني بها.»
انتهت الرسالة دون توقيع، قرأها مرة أخرى، ثم طواها على مهل.
عند النافذة، وجد الأصيص الأزرق. كان التراب داخله جافًا ومتصلبًا، وساق شجرة التين منحنيةً على جانبها. لم يستطع أن يعرف إن كانت قد ماتت أم بقي فيها شيء لم يجف بعد.
كانت حصاة واحدة فوق التراب، واثنتان على الأرض.
انحنى والتقطهما، مرر إبهامه على سطح إحداهما، فتذكر يدين كانتا تجمعان حصى الشاطئ وتضعانه في طبق خزفي صغير، وتذكر معطفه حين كانت تخيط زرًا انفلت منه قبل سفره. لم يكن يتذكر الكلمات التي قيلت يومها، بل تلك التفاصيل التي بدت عاديةً إلى حد أنه لم يظن يومًا أنها ستبقى.
وضع الحصيات الثلاث على حافة الأصيص، ثم حمله بين ذراعيه، لم يأخذ شيئًا آخر من البيت.
وقبل أن يغادر، نظر سالم إلى الغرف الصامتة، وإلى النافذة التي طالما تخيلها من بعيد. أدرك أنه قضى سنوات ينتظر الوقت المناسب للعودة، حتى صار الانتظار نفسه هو ما يمنعه منها.
هذه المرة، لن يغادر البيت ليبحث عن رحلة أخرى.
سيعود إلى الميناء، وينهي عمله حارسًا له، ثم يرجع إلى القرية ليستقر في بيته. لن يستطيع استعادة السنوات التي مضت، لكنه يستطيع ألا يقضي ما بقي منها بعيدًا عن المكان الذي اختار أن يعود إليه.
حين عاد سالم إلى الميناء، كانت السماء قد بدأت تتفتح عن خيط رمادي بعيد.
كانت سفينة «العودة» لا تزال في مكانها، ساكنةً عند الرصيف. صعد إليها، ووضع الأصيص قرب الدفة، بجوار البوصلة التي لم تتغير وجهتها.
ثم سمع الصوت نفسه:
— هل وصلنا؟
نظر سالم إلى البحر، حيث بدأ الضوء ينساب على سطح الماء.
وقال بهدوء:
— نعم. وصلنا.
لم تجبه السفينة.
ظل واقفًا قليلًا، ثم حمل الأصيص إلى طرف الرصيف. غمس يده في الماء، وملأ وعاءً صغيرًا كان يحتفظ به قرب كوخه، وسقى التراب ببطء.
لم يكن يعرف إن كانت شجرة التين ستورق من جديد، لكنه لم يعد بحاجة إلى أن يعرف الليلة.
عند طرف السماء، تخشى نجمة صغيرة أن تفقد مكانها إن توقفت عن اللمعان. وحين ترافق صانع النجوم إلى بحيرته الهادئة، تبدأ في اكتشاف ما لا يخبرها به انعكاسها وحده. حكاية خيالية دافئة عن الراحة، وتقبّل الذات، والاطمئنان إلى مكاننا حتى حين يخفت ضوؤنا.
في محطة قديمة لا تظهر على الخرائط، يستقل مسافر غامض قطار الحادية عشرة حاملًا حقيبة مليئة بالرسائل والمواعيد المؤجلة. وبينما يعبر القطار الفصول الأربعة في ليلة واحدة، يبدأ المسافر رحلة هادئة لمواجهة الأيام التي مضت والأشياء التي ظل يحملها طويلًا. حكاية شاعرية عن الزمن، والقبول، والتخفف مما لم يعد بالإمكان تغييره.