تجمع قطة بيضاء الأحلام الضائعة وتعيدها إلى أصحابها، حتى تصلها ثلاثة أحلام غامضة: باب أخضر، وقارب صغير، وضحكة بلا وجه. وبين الغيوم وبيت قديم قرب النهر، تتبع آثار حكاية لم تنتهِ بعد. قصة خيالية دافئة عن الذاكرة والحنين، وما تعيده إلينا الأشياء الصغيرة من صلتنا بالحياة.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 8 دقائق
1قراءة
اقرأ القصة
كانت القطة البيضاء تعرف أن الأحلام الضائعة تترك وراءها أثرًا.
لم تكن تعرف شكل هذا الأثر دائمًا؛ أحيانًا يكون رائحة تراب مبلل، وأحيانًا صوت موجة لم تصل إلى الشاطئ، وأحيانًا ضحكة صغيرة تتدحرج بين الغيوم حتى تتعلق بأحد أطرافها.
وكانت مهمتها أن تعثر على تلك الأحلام وأصحابها، وتعيدها إليهم.
كل مساء، تخرج من غيمتها المستديرة، تحمل حقيبة صغيرة معلقة حول رقبتها، وتعبر ممرات لا تظهر إلا بعد أن تنام الشمس.
وفي نهاية جولتها، تعود إلى مخزنها، حيث تنتظرها رفوف مرتبة وصناديق صغيرة، لكل منها مفتاح نحاسي.
لم تكن القطة تفتح الصناديق بعد إغلاقها، ولا تعيد النظر في الأحلام التي انتهت من تسليمها. كانت تضع المفتاح في مكانه، وتطفئ المصباح، ثم تعود إلى غيمتها.
وعند طرف الغيمة، بجوار وسادتها، كان يستقر بساط صغير منسوج بخيوط فضية. لم تكن تستخدمه في جولاتها المعتادة؛ فقد اعتادت أن تتحرك بين الغيوم بخفة، ولم تكن الأرض مكانًا تحتاج إلى زيارته.
لكنها احتفظت به، كما احتفظت بأشياء أخرى لم تعد تتذكر متى حصلت عليها.
في تلك الليلة، عادت القطة بثلاثة أحلام لم تستطع وضع أيٍّ منها في مكانه.
كان الأول بابًا أخضر، إلى جواره شجرة تين، وخلفه فناء تتراص فيه أصص الزرع. تسللت من الصورة رائحة تراب مبلل، حتى إن القطة راحت تشم أطراف مخالبها لتعرف إن كانت قد داست على شيء في طريق عودتها.
أما الثاني، فكان قاربًا خشبيًا صغيرًا، يثبت في مقدمته مصباح أصفر. وعلى جانبه خدش طويل، وفي قاعه ذرة طين جافة.
والثالث لم يكن صورة، بل ضحكة بلا وجه، خفيفة كأن طفلًا ضحك للتو، ثم ركض بعيدًا قبل أن يراه أحد.
في ميناء لا يظهر على الخرائط، يحرّر سالم السفن من أصوات أثقلتها طويلًا. لكن وصول سفينة غامضة اسمها «العودة» يوقظ فيه طريقًا ظل يؤجل سلوكه، ويقوده إلى بيت وذكرى ورسالة تنتظره. قصة عن الغياب، وثمن التأجيل، والعناية بما بقي حين تتعذّر استعادة ما مضى.
مُلهم2قراءة
وضعت القطة الأحلام الثلاثة فوق الطاولة.
فتحت سجلها، ومررت مخلبها على أسماء الأحلام التي سبق أن أعادتها إلى أصحابها. لم تجد بابًا أخضر بهذه الرائحة، ولا قاربًا يحمل هذا الخدش، ولا ضحكة تتبعها شهقة صغيرة.
أغلقت السجل.
ثم فتحت العدسة المستديرة التي تستخدمها حين تتعذر عليها معرفة صاحب الحلم.
نظرت أولًا إلى الباب الأخضر.
ظهر خلفه رجل مسن يجلس في فناء منزله. كانت شجرة التين تمتد فوق السور، وقد جفت بعض أغصانها. أمام الرجل أصيص فارغ، وإلى جواره مقعد صغير لا يجلس عليه أحد.
قلب الرجل التراب في الأصيص بأصابعه، ثم نهض ونفض يديه، وعاد إلى الداخل.
نقلت القطة العدسة إلى القارب.
ظهر طفل عند ضفة نهر، يركع قرب الماء ويضع قطعة خشب صغيرة في مجراه. كان القارب يطفو مبتعدًا، والطفل يركض خلفه بمحاذاة الضفة، يضحك كلما حملته المياه بعيدًا.
وعندما وصل القارب إلى منعطف النهر، تعثر الطفل وسقطت من يده قطعة خشب أخرى. انحنى ليلتقطها، لكن الماء سبق يده.
توقفت الصورة.
أما الضحكة، فلم تعرض العدسة شيئًا في البداية.
قربت القطة العدسة، وأدارتها قليلًا.
ظهر طرف كمّ صغير، ثم يدان مبللتان بالطين، ثم ارتفعت الضحكة نفسها فوق صوت الماء.
أبعدت القطة العدسة.
كان في الصور شيء تعرفه، لكنها لم تستطع تحديده.
عادت إلى الباب الأخضر، ثم إلى القارب، ثم إلى الضحكة. وفي كل مرة، كانت الرائحة نفسها تعود إلى المخزن؛ رائحة التراب المبلل التي شمّتها حين فتحت الحلم الأول.
رفعت القارب، ومررت مخلبها فوق الخدش الطويل.
كان الخدش يشبه أثر حجر حاد، من النوع الذي تتناثر حوله حصى النهر.
وضعت القارب بجوار الباب الأخضر، لم يحدث شيء، ثم وضعت الضحكة بينهما.
عندها اهتز المصباح الأصفر في مقدمة القارب، رغم أن الهواء في المخزن كان ساكنًا. وتردد صوت ارتطام خفيف، كأن قطعة خشب اصطدمت بحافة حجر عند ضفة النهر.
تراجعت القطة خطوة.
أعادت الأحلام إلى أماكنها، ثم جمعتها مرة أخرى، هذه المرة ببطء. وحين اقتربت الضحكة من القارب، ظهر على الباب الأخضر طفل يركض، ثم اختفى.
لم يكن ذلك كافيًا لمعرفة الحكاية، لكنه كان كافيًا لتعرف أن الأحلام لا تنتمي إلى ثلاثة أشخاص مختلفين.
كانت أجزاء من حكاية واحدة، وقد ضاعت منها الوصلة التي تجمعها.
لم تكن الأحلام الثلاثة قد ضاعت في أوقات متباعدة كما ظنت القطة. ففي الليلة نفسها، عاد الرجل المسن إلى بيته بعد أن جلس طويلًا في الفناء، وأخرج قاربه القديم من الصندوق للمرة الأولى منذ شهور، ثم أعاده إلى مكانه. وعندما نام، اجتمعت في حلمه صورة البيت، والقارب، وضحكته القديمة، لكن الحكاية ظهرت متفرقة، ولم يستطع الاحتفاظ بها كاملة. وحين تفرقت أجزاؤها في عالم الأحلام، وصلت إلى مخزن القطة معًا.
أخرجت القطة خريطة الأحلام من الخزانة. كانت الأنهار مرسومة عليها بخيوط زرقاء رفيعة، تتفرع منها جداول كثيرة، وتظهر عند نهاياتها علامات صغيرة تميز الأماكن التي تركت فيها الأحلام آثارها.
بحثت عن النهر الذي ظهر في صورة القارب، حتى وجدت علامة عند منعطفه تشبه ورقة التين.
خلف الورقة، كان هناك رسم صغير لفناء، وبجواره باب أخضر.
قربت القطة الخريطة من المصباح.
لم يكن الرسم واضحًا بما يكفي ليحدد صاحب الأحلام، لكنه أكد لها أن النهر والبيت ينتميان إلى المكان نفسه.
أما الضحكة، فظلت بلا صورة.
لم تستطع القطة إعادتها إلى صاحبها من دون أن تعرف أين تنتهي الحكاية التي تحملها.
أغلقت الخريطة، وحملت الأحلام إلى أعلى الغيوم، حيث تستقر الغيمة العتيقة التي تحفظ آثار الأحلام منذ زمن بعيد.
كانت الغيمة عريضة الظهر، تتخلل سطحها خطوط فضية دقيقة. إذا وُضع فوقها حلم، ظهر أثره كما حدث أول مرة، لا كما يتذكره صاحبه.
فرشت القطة الأحلام أمامها، وضعت الباب الأخضر أولًا.
ظهر الفناء، وشجرة التين، والطفل نفسه وهو يركض بين أصص الزرع. كان يحمل قطعة خشب، ينحتها بحجر صغير، ثم يثبت في مقدمتها مصباحًا أصفر بحبل رفيع.
وضعت القارب إلى جواره، تحركت الصورة.
ركع الطفل عند النهر، وأطلق قاربه في الماء. ركض بمحاذاته حتى وصل إلى المنعطف، حيث استقر القارب بين حجرين عند الضفة. انتظر الطفل حتى هدأت المياه، ثم انحنى والتقطه، وعاد به إلى البيت.
عاد إلى البيت حافي القدمين، والطين يغطي طرفي سرواله.
عند الباب الأخضر، كان والده ينتظره، يحمل مصباحًا أصفر آخر.
رفع الأب المصباح، فضحك الطفل وركض نحوه. أخذ الأب ينفض الطين عن ثيابه، بينما ظل الطفل يلتفت إلى النهر، كأنه ما زال يرى قاربه يطفو بعيدًا.
مدت القطة مخلبها نحو الضحكة.
اهتز سطح الغيمة، وامتلأ الفناء بصوت الطفل وهو يضحك، ثم انحنى الأب نحوه، وقال شيئًا لم تستطع القطة سماعه.
لم تتوقف الصورة عند ذلك اليوم.
مرّت الفصول فوق الفناء، وامتدت شجرة التين، ثم انحنى جذعها قليلًا. تغير الباب، وبهت لونه الأخضر، وصار الطفل رجلًا، ثم صار الرجل مسنًا.
بقي مصباح الأب معلقًا قرب النافذة، بينما احتفظ الطفل بقاربه في صندوق خشبي صغير.
وفي أحد الأيام، اختفى المصباح من مقدمة القارب، ولم يبقَ مكانه سوى ثقب دقيق. أما خدش الخشب، فظل كما هو.
أغلقت القطة عينيها لحظة، ولكنها لم تفهم بعد لماذا بدت آثار هذه الأحلام أكثر وضوحًا من أي حلم آخر أعادته من قبل.
رفعت رأسها نحو الغيمة العتيقة.
على سطحها، كانت الصور قد بدأت تتلاشى. لم يبقَ سوى الفناء والأصيص الفارغ، والمقعد الصغير الذي صنعه الأب لابنه، وكان يتركه قرب الباب ليجلس عليه حين ينتظره عائدًا من النهر.
عندها فهمت أن الحكاية لم تنتهِ تمامًا.
فالأحلام لم تكن تبحث عن الرجل كي تعيده إلى طفولته؛ كانت تبحث عن طريق يصل إلى شيء بقي في حياته، لكنه توقف عن الالتفات إليه.
جمعت القطة الأحلام الثلاثة، وأعادتها إلى حقيبتها، لم تعد بحاجة إلى العدسة.
في تلك الليلة، أخرجت القطة البساط المنسوج بخيوط فضية، ونفضت عنه غبار الغيوم.
جلست فوقه، وضعت الحقيبة إلى جوارها، ثم همست للمصباح الصغير في طرف البساط أن يستيقظ.
أضاء المصباح، وارتفع البساط عن الغيمة.
لم يكن سريعًا؛ كان يتحرك على مهل، يتبع تيارات الهواء الباردة، ويهبط قليلًا كلما مرّ فوق غيمة ثقيلة بالمطر.
وعندما ظهرت الأرض تحتها، رأت القطة النهر أولًا، ثم الأشجار، ثم البيوت المتراصة عند طرف الطريق.
اتبعت الخريطة حتى وصلت إلى بيت ذي باب أخضر، وشجرة تين تمتد فوق سوره.
كان الرجل المسن يستعد للنوم.
تسللت القطة من نافذة مفتوحة، وقفزت إلى حافتها، في الداخل، كان مصباح أصفر صغير مضاءً قرب النافذة، وتحته صندوق خشبي مغلق.
وضع الرجل نظارته فوق الطاولة، وأطفأ المصباح، ثم تمدد تحت غطائه.
بقيت عيناه مفتوحتين قليلًا، تتجهان نحو النافذة.
انتظرت القطة حتى هدأ تنفسه، ثم أخرجت الأحلام الثلاثة.
وضعت الباب الأخضر عند حافة النافذة، والقارب الخشبي إلى جواره، ثم أطلقت الضحكة بينهما.
لم تتحول الأحلام إلى أشياء صلبة؛ ظل الباب صورة صغيرة من الضوء، وظل القارب يطفو في الهواء كأنه فوق النهر، بينما راحت الضحكة تتنقل بينهما.
هبّت نسمة من الخارج، فتحركت الستارة.
وعندما مر الهواء بالأحلام، انفرج الباب الأخضر عن فناء مضيء، وامتد النهر تحت القارب، ثم ارتفعت الضحكة حتى وصلت إلى السرير.
تحركت شفتا الرجل في نومه.
وللحظة، بدا كأنه يبتسم لطفل يركض نحوه من آخر الفناء.
خفتت الصور الثلاث، وانسحبت من النافذة مثل ضوء ينساب فوق الماء.
لم تنتظر القطة لترى أكثر، قفزت إلى البساط، واستقرت فوقه، ثم عادت إلى الغيوم.
في الصباح، استيقظ الرجل قبل موعده المعتاد.
جلس على حافة السرير، وظل ينظر إلى النافذة المفتوحة. ثم ارتدى معطفه وخرج إلى الفناء.
وقف أمام الأصيص الفارغ، ومد يده إلى ترابه اليابس.
عاد إلى البيت، وفتش في درج المطبخ حتى وجد بذرة تين صغيرة احتفظ بها منذ الصيف الماضي.
ملأ الأصيص بالتراب، وغرس البذرة، ثم سقاها بقليل من الماء.
بعد ذلك، جلس على كرسيه الخشبي.
كان المقعد الصغير إلى جواره مغطى بالغبار. مرر يده فوقه، ثم نهض ودخل البيت.
فتح الصندوق الخشبي الذي ظل مغلقًا شهورًا، وأخرج منه قاربًا صغيرًا صنعه بيده حين كان طفلًا.
كان مصباحه الأصفر قد اختفى، ولم يبقَ منه سوى ثقب دقيق عند المقدمة.
قلبه بين يديه، ومسح الغبار عن خشبه.
ثم وضع القارب على حافة النافذة، تحت المصباح الذي تركه والده هناك منذ سنوات طويلة.
تحركت أوراق شجرة التين مع النسيم.
رفع الرجل رأسه نحوها، وابتسم.
عادت القطة إلى غيمتها، ووضعت حقيبتها إلى جوارها.
كانت أخف مما اعتادت، تتأرجح على الأرض كلما تحركت.
مدت القطة مخلبها داخلها، تبحث عن شيء لم تتذكر أنها جمعته، حتى لامست طرف شيء ناعم.
أخرجته.
كانت غيمة صغيرة بحجم كفها، تتوسطها نافذة مفتوحة، وعلى حافتها قطة بيضاء ملتفة حول نفسها.
قربتها من أنفها.
كانت تفوح منها رائحة التراب المبلل.
نظرت القطة إلى الغيمة طويلًا.
لم تتذكر أنها جمعتها في أي جولة، ولم تجد لها اسمًا في سجل الأحلام.
لكنها لم تفتح العدسة، ولم تبحث عن صاحبها.
وضعتها بجوار وسادتها، ثم سحبت البساط الفضي من طرف الغرفة، وفرشته تحت النافذة.
في الخارج، كانت الغيوم تتحرك ببطء، ويمر بينها ضوء أصفر خافت.
التفتت القطة حول نفسها فوق غيمتها المستديرة، ووضعت ذيلها على أنفها، وأغمضت عينيها.
ومن النافذة الصغيرة في حلمها، تسللت رائحة التراب المبلل، ثم خفت الضوء شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ في الغرفة سوى بياض الغيم ونَفَس قطة نائمة.
عند طرف السماء، تخشى نجمة صغيرة أن تفقد مكانها إن توقفت عن اللمعان. وحين ترافق صانع النجوم إلى بحيرته الهادئة، تبدأ في اكتشاف ما لا يخبرها به انعكاسها وحده. حكاية خيالية دافئة عن الراحة، وتقبّل الذات، والاطمئنان إلى مكاننا حتى حين يخفت ضوؤنا.
في محطة قديمة لا تظهر على الخرائط، يستقل مسافر غامض قطار الحادية عشرة حاملًا حقيبة مليئة بالرسائل والمواعيد المؤجلة. وبينما يعبر القطار الفصول الأربعة في ليلة واحدة، يبدأ المسافر رحلة هادئة لمواجهة الأيام التي مضت والأشياء التي ظل يحملها طويلًا. حكاية شاعرية عن الزمن، والقبول، والتخفف مما لم يعد بالإمكان تغييره.