تبحث هاجر عن قصة قرآنية تحكيها لزميلاتها، فتأخذها أمها في رحلة مع الهدهد والخبر الذي حمله إلى نبي الله سليمان عليه السلام. وبين رسالة وعرش عظيم وصرح من زجاج، تكتشف أن لصغير الحجم دورًا كبيرًا، وأن معرفة الحق وقبوله أعظم من المُلك والقوة.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 6 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
رجعت هاجر من المدرسة، وما إن رأت أمها حتى أسرعت نحوها وقالت بحماس:
— ماما! أنا رجعت!
رفعت الأم عينيها عن الكتاب، وابتسمت وهي تفتح ذراعيها.
— حبيبتي، حمدًا لله على السلامة! وحشتيني أوي. قوليلي، عملتي إيه في المدرسة النهارده؟
ارتمت هاجر في حضن أمها، ثم ابتعدت قليلًا وقالت:
— المُدرّسة قالت لنا إن كل واحدة فينا هتحكي قصة من القرآن عجبتها واتعلمت منها حاجة. واللي هتحكي قصتها بطريقة حلوة هتتكرّم في طابور المدرسة بعد بكرة!
ابتسمت الأم وسألتها:
— ويا ترى، اخترتي هتحكي عن إيه؟
هزّت هاجر رأسها بحيرة.
— لسه يا ماما. كل ما أفتكر قصة، أحتار أختارها ولا لأ. ممكن تحكيلي واحدة تساعدني أختار؟
أغلقت الأم كتابها وجلست بجوار ابنتها.
— إيه رأيك في قصة الهدهد وملكة سبأ؟ فيها طائر صغير، وخبر كان سببًا في أحداث عظيمة.
اتسعت عينا هاجر.
— هدهد؟! طائر صغير يعني؟ احكيلي يا ماما، أنا سامعاكي!
في ليلة يقضيها عمر ببيت جده، يسمع حكاية نبي الله يونس عليه السلام، ودعائه في ظلمات البحر وبطن الحوت. وبين أسئلته وشرح جده، يتعرّف إلى معاني الصبر والتوبة واللجوء إلى الله، ويأوي إلى فراشه وهو يردّد دعاءً تعلّمه من القصة.
شيماء الصاوي0قراءة
أنعم الله على نبيه سليمان عليه السلام بنعم عظيمة؛ فعلّمه منطق الطير، وسخّر له الجن والإنس والطير، وجعلهم من جنوده.
وفي يوم من الأيام، تفقّد سليمان عليه السلام الطير، فلم يجد الهدهد بينها.
توقفت الأم لحظة، ثم تابعت:
— لما لاحظ سليمان عليه السلام غياب الهدهد، قال إنه سيعذّبه عذابًا شديدًا أو يذبحه، إلا إذا جاءه بسبب واضح لغيابه.
قطّبت هاجر حاجبيها وقالت:
— يا ترى، كان الهدهد راح فين؟ هو ما كانش يعرف إن سيدنا سليمان هيسأل عليه؟ طب ما كانش المفروض يستأذن قبل ما يمشي؟
أجابتها الأم:
— هنشوف يا حبيبتي. لما رجع الهدهد، أخبر سليمان عليه السلام بخبر مهم؛ قال إنه رأى امرأة تملك قومًا، ولها عرش عظيم، لكنه وجدها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.
مالت هاجر إلى الأم، وقالت باهتمام:
— يعني الهدهد راح مكان بعيد، وشاف ملكة وقومها، ورجع يحكي اللي شافه؟
— أيوه، وقد جاء بخبر لم يكن سليمان عليه السلام يعرفه.
تأملت هاجر قليلًا، ثم سألت:
— طب وسيدنا سليمان صدّقه على طول؟
أجابت الأم:
— أراد أن يتبيّن صدق الخبر، فأرسل الهدهد بكتاب إلى ملكة سبأ، وأمره أن يلقيه إليها، ثم ينتظر ما ستفعله.
تخيّلت هاجر الطائر وهو يحمل الكتاب إلى مكان بعيد، ثم سألت:
— يا ترى، لما الملكة فتحت الكتاب، عرفت مين اللي بعته؟
قالت الأم:
— قرأت الكتاب، ثم جمعت قومها وأخبرتهم بأمره. وكان الكتاب قد بدأ بقول سليمان عليه السلام:
— يعني هو مش طالب منها هدية ولا حاجة؛ هو بيدعوها إنها تؤمن بالله، وما تتكبرش عن الحق.
ابتسمت الأم.
— صحيح. كان يدعوها وقومها إلى عبادة الله وحده.
ثم تابعت:
جمعت ملكة سبأ كبار قومها، وعرضت عليهم أمر الكتاب. فأخبروها بقوتهم وقدرتهم على القتال، وتركوا لها اتخاذ القرار.
قالت هاجر بسرعة:
— كنت فاكرة إنها هتأمرهم يحاربوه، خصوصًا إن عندها مُلك وعرش عظيم!
أجابت الأم:
— لكنها لم تتعجل الحرب. قررت أن ترسل إلى سليمان عليه السلام هدية، لتعرف كيف سيستقبلها.
انتظرت هاجر بقية الحكاية، فقالت الأم:
— لكن سليمان عليه السلام لم يقبل الهدية. وأوضح لرسل الملكة أن ما آتاه الله خير مما آتاهم، وأنه لن يتراجع عن دعوته إلى عبادة الله وحده.
هزّت هاجر رأسها في دهشة.
— يعني حتى الهدية ما غيّرتش هدفه!
— أيوه. فعاد الرسل إلى ملكتهم، وأخبروها بما حدث.
سكتت الأم قليلًا، ثم أضافت:
— وبعد ذلك، قررت الملكة أن تذهب إلى سليمان عليه السلام بنفسها، لتعرف أمره وتتبين حقيقة دعوته.
فكرت هاجر للحظة، ثم قالت:
— يعني هي قررت تروح بنفسها وتشوف سيدنا سليمان وبتاع إيه، بدل ما تفضل تبعت له هدايا؟
ابتسمت الأم وقالت:
— بالضبط يا حبيبتي. تفتكري هتعمل إيه لما توصل؟
هزّت هاجر رأسها بحيرة.
— مش عارفة. بس بفكر: يمكن هي ما كانتش تعرف الحق من قبل، ولما وصلتها رسالة سليمان بدأت تفكر فيه بجدية. ويمكن تكون عندها أسباب تانية لقرارها. مش عارفة هي هتختار إيه!
قالت الأم:
— عشان كده هنكمّل الحكاية ونشوف إيه اللي حصل.
ثم تابعت:
— وقبل أن تصل الملكة، طلب سليمان عليه السلام ممن حوله أن يأتوه بعرشها.
شهقت هاجر.
— بعرشها كله؟! ده عرش ملكة، مش كرسي عادي!
ابتسمت الأم.
— كان عرشًا عظيمًا فعلًا. فقال عفريت من الجن إنه يستطيع أن يأتيه به قبل أن يقوم سليمان عليه السلام من مقامه، ثم قال الذي عنده علم من الكتاب إنه سيأتيه به قبل أن يرتد إليه طرفه.
اتسعت عينا هاجر.
— يعني العرش ممكن يوصل في اللحظة دي كلها؟!
أجابت الأم:
— وقد حدث ذلك. فلما رأى سليمان عليه السلام العرش مستقرًّا عنده، حمد الله على نعمته، ثم أمر من حوله أن يغيّروا بعض هيئته، ليرى هل ستتعرف إليه الملكة أم لا.
توقفت هاجر عن الكلام لحظة، وكأنها تتخيّل العرش أمامها.
— ولما الملكة وصلت، شافته؟
— أيوه. سألها سليمان عليه السلام إن كان عرشها يشبه هذا العرش، فنظرت إليه وأجابت: «كَأَنَّهُ هُوَ».
فكرت هاجر قليلًا، ثم قالت:
— يعني العرش كان متغيّر، ومع ذلك شافت إنه شبه عرشها!
— أيوه يا حبيبتي.
ثم تابعت الأم:
— وبعد ذلك، دُعيت الملكة إلى دخول الصرح.
رفعت هاجر رأسها وسألت:
— الصرح؟ يعني إيه؟
أجابت الأم:
— كان صرحًا ممردًا من قوارير؛ أي بناءً أملس من الزجاج. فلما رأته الملكة، ظنّته ماءً، فكشفت عن ساقيها لتخوض فيه.
ضحكت هاجر بدهشة.
— افتكرته مية بجد!
ابتسمت الأم.
— نعم، فبيّن لها سليمان عليه السلام أنه صرح من الزجاج، وليس ماءً. وعندها أدركت ملكة سبأ أنها ظلمت نفسها، وأعلنت إسلامها لله رب العالمين مع سليمان عليه السلام.
لم تتكلم هاجر هذه المرة فورًا. ظلت تفكر في الأحداث التي سمعتها: طائر غاب ثم عاد بخبر مهم، وملكة لها مُلك عظيم، وعرش وصل قبل وصولها، وصرح ظنّته ماءً.
ثم قالت:
— ماما، أنا كنت فاكرة إن اللي يعمل حاجة مهمة لازم يكون كبير أو قوي. لكن الهدهد كان صغير، ومع ذلك كان له دور مهم في القصة. والملكة نفسها، مع كل اللي عندها، كان لازم تعرف الحق وتقبله.
نظرت الأم إليها بابتسامة هادئة.
— ودي من المعاني اللي ممكن نتعلمها من القصة يا هاجر.
ابتسمت هاجر فجأة، وكأنها حسمت أمرًا كانت تفكر فيه منذ عودتها.
— خلاص! أنا هحكي عن الهدهد وملكة سبأ بكرة. بس مش هحكي الأحداث وبس؛ هقول لصحابي كمان إيه أكتر حاجة لفتت نظري فيها.
سألتها الأم:
— وإيه هي؟
أجابت هاجر بحماس:
— إن الهدهد ما كانش صاحب مُلك ولا قوة، لكنه حمل خبرًا مهمًّا. وإن الملكة، رغم عظمة مُلكها، كان عليها إنها تفكر في الحق وتقبله لما تعرفه.
ربّتت الأم على كتفها وقالت:
— ربنا يفتح عليكِ يا حبيبتي، ويعلّمنا وإياكِ ما ينفعنا.
في اليوم التالي، وقفت هاجر أمام زميلاتها في الفصل، وحكت لهن قصة الهدهد وملكة سبأ. لم تكتفِ بسرد الأحداث، بل توقفت عند غياب الهدهد وعودته بالخبر، وعند وصول العرش قبل الملكة، وعند دهشتها حين ظنّت الصرح ماءً.
وحين انتهت، قالت لزميلاتها إن أكثر ما لفت نظرها هو أن الهدهد، رغم صغره، كان له دور مهم، وأن عظمة المُلك لا تغني عن معرفة الحق وقبوله.
ابتسمت معلمتها وأثنت على حكايتها، وأخبرتها أنها ستكرّمها في طابور المدرسة في اليوم التالي.
وفي صباح اليوم التالي، وقفت هاجر في الطابور تتسلّم تكريمها، وابتسامة واسعة تملأ وجهها. وبينما كانت تعود إلى مكانها، تذكّرت حيرتها حين لم تكن تعرف أي قصة تختار، ثم ابتسمت؛ فقد وجدت في قصة الهدهد وملكة سبأ أكثر مما كانت تبحث عنه.
صوت غريب يقود طارق إلى الثلاجة، حيث يكتشف زقزوق: كائنًا أزرق منتفخًا يعطس فقاعات ملوّنة ويحتاج إلى البرودة لينجو! يحاول طارق إخفاء ضيفه، لكن أنف زقزوق يختار أسوأ لحظة للعطس. مغامرة أطفال مرحة تجمع الخيال والمفاجآت في مطبخ واحد.