تلتقي ليلى بعمر لتعيد إليه دفترًا قديمًا قبل سفرها، فتوقظ ورقة بين صفحاته تفاصيل ظنّ أنه لم ينساها. وبين حديث متردد وذكريات مؤجلة، يبدأ في فهم المسافة التي صنعها انشغاله دون أن يقصد. قصة إنسانية عن الإصغاء، والاهتمام، وما لا يكفي حسن النية وحده لحمايته.
بواسطة ِشيماء الصاويوقت القراءة 8 دقائق
3قراءة
اقرأ القصة
جلس عمر إلى الطاولة القريبة من النافذة، ووضع هاتفه بجوار فنجان القهوة. كان يرفع عينيه نحو باب المقهى كلما انفتح، ثم يعود إلى شاشة هاتفه كأن لديه ما يشغله.
وصل قبل الموعد بعشرين دقيقة. لم يكن يعرف إن كان ذلك حرصًا على ألا تتأخر ليلى، أم رغبة في أن يمنح نفسه وقتًا أطول ليستعد للقاء لا يعرف كيف سيبدأه.
حين ظهرت عند الباب، عرفها قبل أن تبحث عنه بعينيها. نهض نصف وقفة، ثم جلس من جديد، وظل يراقبها وهي تقترب.
جلست قبالته، ووضعت حقيبتها على الكرسي المجاور.
قالت وهي تشير إلى الفنجان:
— لسه بتشرب القهوة من غير سكر؟
نظر إلى فنجانه، ثم إليها.
— أيوه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تستمر طويلًا، وأخرجت من حقيبتها مظروفًا بنيًّا ووضعته أمامه.
— لقيت ده وسط حاجتك.
لم يمد يده إليه فورًا. كان يعرف الخط الذي كُتب به اسمه على المظروف، لكنه لم يتوقع أن تظل تحتفظ بشيء يخصه كل هذا الوقت.
فتح المظروف، فظهر دفتره القديم؛ الدفتر الذي كان يدوّن فيه ملاحظات مشروعاته وأفكاره، ثم تركه في درج مكتبه حين غادرت ليلى البيت.
قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.
شيماء الصاوي
— عارفة، بس كنت عايزة أديهولك بنفسي قبل ما أسافر.
رفع رأسه.
— هتسافري؟
— آخر الأسبوع، هقعد عند أهلي فترة.
لم يسألها إلى متى، كان يعرف أنها لم تعد مضطرة إلى إخباره بكل تفاصيلها، لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع المسافة التي صنعتها هذه الحقيقة بينهما.
منذ ثلاثة أشهر، غادرت ليلى البيت. يومها طلب منها أن تترك ما تبقى من أغراضه مع البواب، ولم يتخيل أن يأتي يوم يجلس فيه أمامها ليتسلم دفترًا قديمًا، بينما تتحدث هي عن سفرها كأنها تخبره بموعد قطار.
سألها عن ترتيبات السفر، فأجابته باختصار. ثم سألته عن عمله، فأخبرها أن مشروعًا كان ينتظره منذ شهور حصل على الموافقة الأسبوع الماضي.
توقع أن تسأله عن التفاصيل، كان يعرف الأسئلة التي كانت ستطرحها: مَن وافق؟ وما الخطوة التالية؟ وهل انتهت المشكلة التي كانت تعطل المشروع؟
لكنها قالت:
— مبروك يا عمر، ربنا يوفقك، ثم تناولت كوب الماء.
انتظر لحظة، كأنه يمنحها فرصة لتضيف شيئًا، لكنها لم تفعل.
تذكر كيف كانت قديمًا تعود إلى تفاصيل عمله بعد أيام، وتسأله عن أمر ذكره عرضًا أثناء العشاء. لم يكن يطلب منها ذلك، ولم يكن يظن يومًا أن هذه التفاصيل مهمة إلى هذا الحد، حتى غابت.
نظر إلى الدفتر بين يديه، وأعاد فتح المظروف. لم يكن مستعدًّا لقراءة ما بداخله، لكنه لم يجد شيئًا آخر يفعله.
قبل ثمانية أشهر، كانا يجلسان في المقهى نفسه، وبدأت ليلى تحكي له عن مشكلة حدثت معها في العمل. كانت قد قضت يومين تحاول حلها، وفي ذلك المساء أرادت أن تخبره بما جرى مع مديرها.
رن هاتف عمر برسالة من مديره المباشر، ففتح هاتفه وقرأها، ثم أعاد قراءتها، وارتسمت على وجهه ابتسامة لم تستطع ليلى تجاهلها.
— في أخبار حلوة؟
رفع الهاتف نحوها.
— غالبًا فيه فرصة إني أترقى، المدير بيسألني لو أقدر أستلم مسؤولية المشروع الجديد.
مالت نحوه لتقرأ الرسالة، ثم ابتسمت.
— دي أخبار حلوة فعلًا، وأنت تستاهل.
بدأ يحكي لها عن المشروع، وعن المسؤوليات الجديدة، وعن الاحتمالات التي قد تفتحها له هذه الخطوة. كانت تستمع، وتسأله حين يحتاج إلى رأيها، ثم قالت له إنها تتمنى أن تنتهي هذه الفترة المرهقة على خير.
بعد قليل، انتبه إلى أنها لم تكمل حكايتها.
— كنتِ بتقولي إيه في الشغل؟
حاولت أن تستعيد بداية الكلام، ثم هزت رأسها.
— مش فاكرة، خلاص مش مهم.
— لا، قولي أنا سامعك.
نظرت إليه لحظة قبل أن تجيب:
— أنا تعبانة يا عمر. وحاسة إني لوحدي.
تغيرت ملامحه. وضع الهاتف على الطاولة، واستقام في جلسته.
— لوحدك إزاي؟ أنا مش مقصر معاكي في حاجة. أنا بشتغل طول اليوم علشان نعيش كويس، وبحاول أأمّن مستقبلنا. إنتِ عارفة أنا بعمل كل ده ليه.
لم تكن تنكر شيئًا مما قاله. كانت تعرف عدد الساعات التي يقضيها في العمل، وتعرف كم مرة عاد إلى البيت مرهقًا، وكم فرصة رفضها لأنه أراد أن يستقر وضعهما أولًا.
لكنها لم تكن تتحدث عن ذلك.
قالت:
— أنا عارفة إنك بتتعب، ومقدّرة ده. أنا مش بقول إنك مش بتعمل حاجة علشاني.
— أومال أعمل إيه أكتر من كده؟
لم تجد إجابة تستطيع أن تقولها دون أن يبدو كلامها اتهامًا له. كانت تريد أن تحكي له عن يومها، عن الموقف الذي أزعجها، وعن أشياء صغيرة لا تحتاج إلى حل بقدر ما تحتاج إلى شخص يسمعها حتى النهاية.
لكنها رأت القلق في عينيه، وعرفت أنه بدأ يبحث عمّا ينقصه كي يصلحه.
فقالت:
— مفيش، أنا بس مضغوطة شوية.
ظل ينظر إليها، ثم سألها إن كانت تريد أن يطلبا شيئًا تأكله. وافقت، رغم أنها لم تكن جائعة.
وفي طريق العودة، قالت وهي تنظر من نافذة السيارة:
— مش فاكرة آخر مرة قعدنا فيها مع بعض من غير ما نتكلم عن الشغل.
أجابها وهو يركز في الطريق:
— الفترة الجاية هتبقى أحسن، أول ما موضوع المشروع يخلص، هبقى متفرغ أكتر.
لم تجادله، كانت قد سمعت الوعد نفسه بأشكال مختلفة، وكانت تريد أن تصدقه.
رجع تركيزه إلى واقعه، وأعاد اهتمامه إلى الدفتر، ففتحه.
في الصفحة الأولى، وجد ملاحظات قديمة بخط سريع، وأرقامًا شُطبت أكثر من مرة. قلب صفحات أخرى، حتى وقعت عيناه على ورقة صغيرة مطوية بين الصفحات.
تذكر تلك الليلة، كان المشروع الذي راهن عليه قد تعثر، وتوالت الأخبار السيئة حتى صار يقضي معظم الليل أمام مكتبه، يحاول أن يجد مخرجًا. يومها وضعت ليلى كوبًا من الشاي بجواره، وظلت واقفة لحظة تراقبه وهو يراجع الأوراق.
سألته إن كان قد أكل، فأجابها بأنه سيتناول شيئًا بعد أن ينتهي، فلم تلحّ عليه. وضعت الكوب قرب يده، ثم خرجت من الغرفة.
في الصباح، وجد الورقة بجوار الدفتر، فتحها الآن، وقرأ:
«أنت مش مطالب تثبت لي كل يوم إنك تستحق كل ده. أنا عارفة أنت مين، حتى في الأيام اللي أنت مش عارف تحدد أنت مين فيها.»
مرر إبهامه على حافة الورقة. تذكر كيف احتفظ بها يومها، وكيف عاد إلى قراءتها أكثر من مرة حين كان يشك في قدرته على إكمال المشروع.
كانت تعرف كيف تصل إليه عندما يشعر أنه خسر كل شيء. أما هو، فلم ينتبه إلى أنها قد تحتاج إليه في الأيام التي لا يخسر فيها شيئًا، لكنها لا تجد مكانًا لها في حياته.
رفعت ليلى عينيها إليه، فوجدته لا يزال ممسكًا بالورقة.
قال:
— لسه فاكر الليلة دي.
— وأنا كمان.
سكت قليلًا، ثم قال:
— كنتِ دايمًا بتعرفي تقولي الكلمة اللي محتاج أسمعها في الوقت المناسب.
حرّكت الملعقة داخل كوبها، مع أنها لم تضف إليه شيئًا.
— عارف، بس ما كنتش فاهم إن الموضوع وصل لكده، كان كل تركيزي إزاي أوصل.
نظرت إليه.
— أنا ما كنتش محتاجة منك تعمل حاجة كبيرة، كنت محتاجة تسألني عن يومي وتسمعني للآخر. ولما أحكيلك حاجة، تفتكرها لما أرجع أتكلم عنها بعد يومين، بدل ما أبدأ الحكاية من أولها كل مرة.
توقف عمر عن تقليب الورقة، وتذكر كم مرة كانت تبدأ حكاية، فيقاطعها بسؤال عن أمر في العمل أو يطلب منها الانتظار حتى ينتهي من رسالة. وتذكر أنها كانت تنتظر، ثم تعود إلى الحكاية من حيث توقفت، وأحيانًا تبدأ من البداية لأنه نسي ما قالته.
كان يعتذر حين ينتبه، فتقول له: «ولا يهمك»، وتكمل.
لم يطلب منها يومًا أن تختصر حكاياتها، لكنه اعتاد أن يؤجل الاستماع إليها حتى ينتهي مما يشغله، ولم يسأل نفسه كم مرة كان الوقت المناسب له يأتي بعد أن تكون هي قد فقدت رغبتها في الكلام.
قال:
— كنت فاكر إن طول ما أنا بعمل اللي عليّا، إحنا كويسين.
أجابت:
— وأنا كنت فاكرة إنك لما تفضى، هترجع لي.
لم ترفع صوتها، ولم تكن في نبرتها رغبة في إيلامه. قالت الجملة ببساطة، كأنها تعبت من حملها وحدها ولم تعد تريد أن تخفيها.
شعر عمر بأن عليه أن يقول شيئًا، أن يشرح لها أنه لم يتعمد إهمالها، وأن كل ما فعله كان من أجل البيت الذي أرادا بناءه معًا. لكنه، للمرة الأولى، لم يكن متأكدًا من أن هذا التفسير سيضيف شيئًا.
لم يكن قد أراد لها أن تشعر بأنها وحدها. ومع ذلك، كانت هذه هي التجربة التي عاشتها، ولم يكن حسن قصده كافيًا ليجعلها تجربة أخرى.
قال بعد صمت:
— أنا ما كنتش واخد بالي من التفاصيل دي كلها.
أومأت برأسها، دون أن تبدو موافقة أو رافضة.
— عارفة إنك ما كنتش قاصد.
كانت تلك الجملة، على بساطتها، أصعب عليه من أي اتهام. لم يكن أمامه شخص يحاول إثبات أنه سيئ، بل شخص يعرف أنه لم يقصد الأذى، لكنه لم يعد قادرًا على العيش بالطريقة نفسها.
نظر إلى الورقة مرة أخرى، ثم طواها بعناية ووضعها داخل الدفتر.
قال:
— ممكن تستني شوية؟
نظرت إلى الساعة في هاتفها.
— لازم أمشي، لسه ورايا حاجات ضروري أخلصها قبل السفر.
أراد أن يطلب منها ألا تسافر، لكنه لم يعرف إن كان يطلب منها البقاء لأنها ما زالت تعني له كل هذا، أم لأنه لم يحتمل أن تصبح المسافة بينهما حقيقة لا يستطيع تأجيلها.
أراد أن يعدها بأنه سيتغير، لكنه لم يجد وعدًا يستطيع قوله دون أن يسمعه هو نفسه كواحد من وعوده القديمة.
قال:
— أنا آسف يا ليلى.
سألته بهدوء:
— على إيه؟
نظر إليها، كان يستطيع أن يذكر عشرات المواقف، لكنه لم يرد أن يحوّل اعتذاره إلى قائمة أخرى من الأشياء التي يشرحها.
قال:
— إني ما كنتش بسمعك وبهتم بيك زي ما كنت فاكر.
لم تقل له إنها سامحته، ولم تقل إن ما بينهما انتهى إلى الأبد. جمعت حقيبتها ونهضت.
مد يده نحو الدفتر، ثم سحبها. كانت قد جاءت لتعيده إليه، ولم يكن من حقه أن يجعل حتى هذه الخطوة البسيطة سببًا لتأخيرها.
قالت:
— خليه معاك، ثم غادرت.
ظل عمر جالسًا قليلًا، والدفتر أمامه. أعاد الورقة إلى موضعها، وأغلقه.
حين جاء النادل، دفع الحساب ونهض. خرج إلى الشارع، فرأى ليلى تعبر إلى الجهة الأخرى. كانت السيارات تمر بينهما، ولم يحاول أن يناديها.
توقفت عند الإشارة، ثم اختفت خلف حافلة انطلقت مع الضوء الأخضر.
بقي عمر مكانه لحظات يتابع ابتعادها، ثم اتجه إلى البيت.
خطأ صغير يهزّ ثقة نهى بخبرتها، فتتحول مراجعة الأرقام إلى بحث لا ينتهي عن ضمانٍ بألّا تخطئ مجددًا. وحين يبدأ التردد في تعطيل عملها وإسكات ملاحظاتها، تواجه سؤالًا جديدًا: متى تكون المراجعة كافية؟ قصة إنسانية عن الخوف من الخطأ وحدود اليقين.
وصل فاروق شامي إلى أمريكا وفي جيبه 71 دولارًا، ثم وجد شغفه في تصفيف الشعر وتلوينه. لكن حساسية الأمونيا هددت بإبعاده عن المهنة التي أحبها، فبدأ رحلة من التعلم والتجريب بحثًا عن طريقة للاستمرار. قصة عن مشكلة فتحت بابًا للابتكار، وسؤال بسيط غيّر مسار حياة كاملة: كيف أستمر؟