بين بابين
بين بابين
نبذة عن القصة
بين بابين
نبذة عن القصة
بين شقتين متقابلتين، تؤذي تعليقات حمدي المتحيزة جاره نبيل وأسرته، وتمتد إلى صداقة طفلتين لا تريان في اختلافهما مشكلة. وحين يبدأ حمدي بمراجعة أحكامه، يصبح عليه أن يواجه أثر كلماته ويتحمّل مسؤوليتها. قصة إنسانية عن التمييز بسبب لون البشرة، والكرامة، والاعتذار الذي يكتمل بتغيّر السلوك.

اقرأ القصة
عاد عم نبيل إلى شقته في الطابق السادس، يحمل أكياسًا صغيرة تحوي هدايا لأولاده. اشترى لبسمة لعبة جديدة، وماجد مسدس ماء، أما ابنته الكبرى، فاختار لها ثلاثة كتب ثقافية وروايتين، يعرف أنها ستنسى معهما العالم لساعات.
وما إن خرج من المصعد حتى سمع باب الشقة المقابلة يُفتح. كان الأستاذ حمدي يقف عند بابه، يتأمل الأكياس في يد جاره بابتسامة لم تصل إلى عينيه.
قال:
— كل دي هدايا يا عم نبيل؟ هو الواحد لحق على طلبات العيال دي كلها؟
ابتسم عم نبيل ابتسامة خفيفة، ثم رد:
— ربنا يفرّحك بولادك يا أستاذ حمدي.
ألقى حمدي نظرة أخرى على الأكياس، ثم قال:
— ربنا يخليهم لك. بس الواحد ساعات بيستغرب، إزاي الناس بتتعامل مع بعض كأن مفيش أي اختلاف بينهم.
لم يفهم عم نبيل ما يقصده في البداية، فاكتفى بالنظر إليه.
أكمل حمدي، وهو يضبط وقفته عند الباب:
— أصل فيه حاجات بتفضل واضحة مهما حاولنا نتعامل كأنها مش موجودة.
فهم عم نبيل ما يرمي إليه، لكنه لم يرد. اكتفى بأن رد التحية، ثم أخرج مفتاح شقته.
وقبل أن يغلق الباب خلفه، سمع حمدي يقول لزوجته بصوت ظن أنه لن يصل إلى مسامعه:
— مش عارف إزاي بيقدروا يتعاملوا مع الناس عادي كده، كأن مفيش حاجة مختلفة فيهم!
© جميع الحقوق محفوظة. يُحظر نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو توزيعه أو استغلاله، كليًا أو جزئيًا، دون إذن كتابي مسبق من صاحب الحقوق، باستثناء ما تسمح به القوانين المعمول بها. وتبقى حقوق الأعمال والمصادر المشار إليها لأصحابها.

سر الزهرة البيضاء في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى. وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك. — انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟ ضحكت زهرة الياسمين وقالت: — جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي. وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء. — وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك. كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى. لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال. كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا. وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت. اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت: — ألا تريدين أن تتفتحي؟ هزت الزهرة رأسها. — ليس الآن. — ليس الآن؟ ومتى إذن؟ — لا أعرف. ضحكت زهرة البنفسج. — أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟ قال عباد الشمس: — ربما نسيتِ كيف تفعلينها! ضحكت بعض الزهور. لكن الياسمينة لم تضحك. اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء: — لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟ نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة. — لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر. — تنتظرين ماذا؟ — لا أعرف. ثم أضافت بصوت خافت: — أشعر أن هناك شيئًا سيحدث. هزت الياسمينة رأسها. — أنتِ تفكرين كثيرًا. ومضى الصباح. وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة. كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد: — ليس الآن. حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها. قالت: — افتحي بتلة واحدة فقط. ترددت الزهرة. ثم دفعت بتلتها قليلًا. وفجأة توقفت. — ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة. — سمعت شيئًا. صمتت الياسمينة. — ماذا سمعتِ؟ أصغت الزهرة. كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات: ششش... ششش... ثم اختفى. قالت الياسمينة: — ربما كانت الريح. أغلقت الزهرة بتلتها. — ربما. ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى. في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء. اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان. ارتجفت الزهور. قال عباد الشمس: — ستعود الشمس غدًا. لكن الريح اشتدت. ثم بدأ المطر. في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية. انحنت الزهور. تطايرت بعض البتلات. وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع. حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع. وصاحت الياسمينة: — تمسكي! لكن الريح كانت أقوى. وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة. كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه. اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت. اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح. واصلت الطيران. ثم اختفت خلف ستار المطر. وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة. مرت الريح فوقها. اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح. ثم هدأ كل شيء. في الصباح، كان البستان مختلفًا. سقطت بتلات كثيرة على الأرض. وانحنت بعض الزهور. وكان الصمت يملأ المكان. قالت زهرة البنفسج بحزن: — ماذا حدث لنا؟ لم تجبها الياسمينة. ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا: ششش... ششش... هذه المرة كان الصوت واضحًا. التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت: — إنه هنا. — من؟ سألت الياسمينة. لم تجب. دفعت الزهرة بتلتها ببطء. ثم أخرى. وأخرى. وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها. كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية. حدقت الزهور فيها بدهشة. قالت الوردة الجوري: — كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟ نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة. — لم أكن أعرف. رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت: — لكنني كنت أعرف. اقتربت الياسمينة. — كيف؟ قالت الفراشة: — عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي. سكتت الزهور. نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر. أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة. في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد. بدأت الزهور تفتح بتلاتها. الوردة الجوري أولًا. ثم الياسمينة. ثم عباد الشمس. أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا. لم يضحك أحد. كانت الفراشة تحوم حولها. ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء. فتحت واحدة. ثم ثانية. ثم الثالثة. دخل ضوء الصباح إلى قلبها. وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا. حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة. همست الياسمينة: — يبدو أنكِ كنتِ تعرفين. ابتسمت الزهرة. — لم أكن أعرف. ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت: — كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد. ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك. كانت تنتظر. فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد. وربما... كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.
توقفت يد عم نبيل لحظة فوق مقبض الباب، ثم أدار المفتاح ودخل.
في الداخل، كانت بسمة تقفز فرحًا حين رأت لعبتها، بينما خطف ماجد مسدس الماء وراح يهدد أخته بالرش. أما ابنته الكبرى، فاحتضنت الكتب إلى صدرها، ثم قبّلت أباها على خده.
جلس عم نبيل بينهم، وشاركهم الضحك. وحين سألته ابنته عن سبب تأخره، ابتسم وقال إنه كان يشتري لهم بعض الأشياء، ثم انشغل بمشاهدة ماجد وهو يحاول رش أخته التي احتمت خلف الأريكة.
في تلك الليلة، بعدما نام أبناؤه، جلس قليلًا في الشرفة. تذكّر كلمات حمدي، وأدار خاتمه حول إصبعه في صمت. لم يكن غريبًا عليه أن يواجه نظرات متحيزة، لكنه ظل يتساءل كيف يمكن للون بشرة أن يتحول إلى سبب للحكم على إنسان قبل أن يعرفه أحد.
ظل جالسًا لبعض الوقت، ثم نهض وأغلق باب الشرفة بهدوء.
مرّت الأيام، وظلت تعليقات حمدي تتكرر كلما التقى الجاران في مدخل العمارة أو المصعد. كان يلمّح إلى لون بشرة عم نبيل، ويتحدث عنه أحيانًا بنبرة استعلاء، بينما كان عم نبيل يرد التحية ويمضي إلى شأنه، من غير أن يدخل معه في جدال.
وذات عصر، كانت ابنة حمدي الصغيرة تقف أمام الشقة المقابلة، تتحدث مع بسمة التي أخرجت لعبتها الجديدة لتريها إياها. راحت الطفلتان تتبادلان الحديث والضحكات، حتى خرج حمدي من شقته ورآهما معًا.
ناداها بحدة:
— تعالي هنا يا حبيبتي.
التفتت إليه، ثم اقتربت وهي لا تزال ممسكة بيد بسمة.
سألها:
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
أجابت ببراءة:
— بلعب مع بسمة يا بابا. بص، دي لعبتها الجديدة!
نظر حمدي إلى اللعبة، ثم إلى بسمة. لم يرد على الطفلة، بل قال لابنته:
— يلا ادخلي، ومش كل شوية تقفي هنا. عندك لعبك في البيت.
تغير وجه الصغيرة، وأفلتت يد بسمة ببطء.
قالت:
— بس يا بابا، إحنا كنا بنلعب بس...
قاطعها:
— قلت لك ادخلي.
دخلت ابنته الشقة، بينما بقيت بسمة واقفة أمام بابها، تضم لعبتها إلى صدرها. ثم التفتت ودخلت هي الأخرى.
كان عم نبيل قد سمع جزءًا من الحديث وهو يقترب من شقته. لمح ابنته تدخل، ووجهها الذي اعتاد أن يراه مشرقًا بالضحك بدا منطفئًا.
ناداها برفق:
— مالك يا بسمة؟
هزت رأسها، وحاولت أن تبدو غير مهتمة:
— مفيش يا بابا.
لكنه عرف أنها تخفي شيئًا. جلس بجوارها، وانتظر حتى أخبرته بما حدث.
استمع إليها دون مقاطعة، ثم ضمها إليه.
— إنتِ معملتيش حاجة غلط يا حبيبتي. فاهمة؟
أومأت، لكنها سألت بصوت صغير:
— طب هو ليه مش عايز بنته تلعب معايا؟
لم يجد عم نبيل إجابة تستطيع طفلة أن تفهم بها تعقيد ما حدث. مسح على رأسها وقال:
— ساعات الكبار بيحكموا على الناس من حاجات المفروض ما تفرقش بينهم. بس ده مش معناه إن فيكي حاجة غلط، ولا إنك أقل من أي حد.
في تلك اللحظة، خرجت ابنته الكبرى من غرفتها، بعدما سمعت آخر كلماتهما. جلست إلى جوار أختها، ووضعت ذراعها حول كتفيها.
قالت لبسمة:
— وإنتِ عارفة إنك صاحبتي المفضلة؟ حتى لو اتخانقنا على الريموت كل يوم!
ضحكت بسمة رغمًا عنها، فضحكت أختها معها. ابتسم عم نبيل، لكنه ظل يفكر في الموقف.
لم يكن يريد أن تكبر ابنته وهي تظن أن عليها أن تتجاهل كل إساءة حتى تثبت أنها لا تتأثر بها. كان يريدها أن تعرف أن لون بشرتها ليس عيبًا، وأن احترام الآخرين لا يعني السكوت عن كل ما يؤذيها.
أما حمدي، فأغلق الباب وعاد إلى ما كان يفعله، كأن الأمر لا يستحق التفكير.
ذات ظهيرة صيفية، تعطلت سيارة حمدي على جانب الطريق. نزل منها وحاول دفعها إلى مكان أكثر أمانًا، لكنها لم تتحرك إلا قليلًا. كان العرق يتصبب من جبينه، وفي المقعد الخلفي أخذ ابنه الصغير يبكي من شدة الحر.
كان عم نبيل عائدًا من السوق حين لمح المشهد. وضع أكياسه جانبًا، وساعد حمدي في دفع السيارة حتى استقرت بعيدًا عن حركة المرور.
ثم فتح باب السيارة الخلفي، وأخرج زجاجة ماء من حقيبته، وناولها للصغير. اصطحبه إلى مكان مظلل قريب، وظل بجواره حتى هدأ بكاؤه ووصلت المساعدة الفنية.
قال حمدي وهو يلتقط أنفاسه:
— تعبتك معايا يا عم نبيل، مش عارف أشكرك إزاي.
رد عم نبيل ببساطة:
— الحمد لله إننا لحقنا الولد من الحر. المهم إنه بخير.
حمل أكياسه، وودّعه، ثم أكمل طريقه.
ظل حمدي يتابعه بعينيه حتى ابتعد. ثم نظر إلى ابنه، الذي كان يمسك زجاجة الماء بكلتا يديه ويرتشف منها، وقد هدأ بكاؤه أخيرًا.
جلس حمدي في سيارته بعد وصول المساعدة، وظل صامتًا حتى انتهوا من إصلاح العطل. تذكّر تعليقاته على لون عم نبيل، والطريقة التي كان يتحدث بها عنه أمام زوجته، ثم تذكّر كيف مدّ الرجل يده إلى ابنه دون تردد.
وجد حمدي نفسه يعيد التفكير في حكم أصدره على رجل لم يعرف عنه سوى مظهره.
في الأيام التالية، كلما صادف عم نبيل في المصعد، كان يهمّ ببدء حديث عادي معه، ثم يتراجع. لم يكن يعرف كيف يتصرف بعد كل ما قاله، ولا كيف يعتذر عن كلمات اعتاد أن يلقيها بلا اكتراث.
وذات صباح، وجد ابنته الصغيرة عند باب الشقة المقابلة، تتحدث مع بسمة وتريها رسمة رسمتها في المدرسة. كانت الفتاتان تضحكان، وحين ناداها حمدي، ركضت إليه ابنته وهي تقول:
— بابا، بص! بسمة هتديني لعبتها شوية، وأنا هديها ألواني.
نظر حمدي إلى الطفلتين، ثم إلى يد ابنته الممتدة نحو يد بسمة.
تذكر كيف طلب منها أن تبتعد عنها في المرة السابقة. كانت ابنته قد أطاعته يومها دون أن تفهم السبب، أما الآن، فلم تكن ترى في بسمة سوى صديقة تريد أن تشاركها لعبتها وألوانها.
فتح فمه ليناديها، ثم سكت.
رفع عينيه إلى بسمة، فوجدها تنتظر رده في هدوء، ممسكة برسمتها في يد، وباللعبة في الأخرى.
قال أخيرًا:
— طيب، بس خلي بالك من ألوانك.
ابتسمت ابنته، ثم ركضت مع بسمة إلى الداخل.
ظل حمدي واقفًا أمام الباب لحظات، ثم عاد إلى شقته.
وبعد أيام، كان حمدي يجلس مع بعض الجيران في مدخل العمارة حين مرّ عم نبيل عائدًا إلى شقته. أطلق أحد الجالسين تعليقًا ساخرًا عن لون بشرته، فضحك آخرون.
فتح حمدي فمه ليشاركهم الضحك، كما اعتاد أن يفعل، لكنه تذكر وجه عم نبيل حين ناوله الماء لابنه، ثم تذكر ابنته وهي تمد يدها إلى بسمة دون تردد.
نظر إلى الرجل الذي أطلق التعليق. كانت الكلمات نفسها التي طالما قال مثلها، ولم يكن يرى فيها يومًا ما يستحق التوقف.
لكنه هذه المرة لم يضحك.
قال:
— خلاص يا جماعة، لون بشرته مش حاجة نعلق عليها ونضحك.
ساد صمت قصير، ثم عاد الجالسون إلى أحاديثهم.
نهض حمدي، وحمل كيسًا كان قد وضعه بجواره، وصعد الدرج.
وعند الطابق السادس، وجد عم نبيل يفتح باب شقته.
تردد قليلًا، ثم ناداه:
— عم نبيل، لو تسمح لي بكلمتين.
التفت إليه الرجل.
خفض حمدي عينيه لحظة، ثم رفعهما:
— أنا اتكلمت معاك قبل كده بطريقة ما كانتش تليق. وعلّقت على لونك وعلى عيالك، وده كان غلط مني. أنا آسف.
ظل عم نبيل ينظر إليه لحظة، ثم قال:
— الكلام ده ضايقني يا أستاذ حمدي، خصوصًا لما وصل لبنتي. بس كويس إنك عرفت إنه غلط.
هز حمدي رأسه، ولم يجد ما يقوله.
أكمل عم نبيل:
— وأنا مقدّر إنك جيت واعتذرت. بس ياريت الكلام ده ما يتكررش معايا ولا مع غيري. الكلمة اللي ممكن تقولها وتعدّي عليك في لحظتها، ممكن تفضل وجع في نفس اللي سمعها وقت طويل.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
— وبنتي مش المفروض تكبر وهي حاسة إن لونها عيب فيها، ولا إن عليها تبعد عن الناس عشان شكلها مختلف. الأطفال كانوا بيلعبوا مع بعض عادي، من غير ما يشوفوا الاختلاف ده مشكلة. يمكن إحنا اللي محتاجين نتعلم منهم.
خفض حمدي رأسه، ولم يحاول الدفاع عن نفسه.
قال أخيرًا:
— عندك حق يا عم نبيل.
أجابه عم نبيل:
— أتمنى فعلًا إنك تكون فهمت ده.
ثم دخل شقته، بينما عاد حمدي إلى بابه المقابل.
في المساء، خرج حمدي ليشتري بعض الحاجيات. وجد ماجد وبسمة يلعبان أمام الشقة، فمرّ بهما وألقى التحية.
ثم التفت إلى ماجد وسأله:
— إيه يا بطل، لسه بتضرب أختك بمسدس الميه؟
أجابه ماجد بحماس، وراح يشرح له كيف أصاب أخته بالماء رغم محاولاتها الهرب.
ضحك حمدي من قلبه، ثم أكمل طريقه.

عند طرف السماء، تخشى نجمة صغيرة أن تفقد مكانها إن توقفت عن اللمعان. وحين ترافق صانع النجوم إلى بحيرته الهادئة، تبدأ في اكتشاف ما لا يخبرها به انعكاسها وحده. حكاية خيالية دافئة عن الراحة، وتقبّل الذات، والاطمئنان إلى مكاننا حتى حين يخفت ضوؤنا.

حين تُشوّه شائعة كاذبة سمعة أبيه وتُهدّد ورشته، يريد حمزة أن يردّ الأذى بمثله. لكن أثر إزميل في قطعة خشب يضعه أمام سؤال أصعب: كيف يحفظ حقه دون أن يصبح ظالمًا؟ قصة تربوية عن التسامح، وضبط الغضب، والشجاعة في الاعتراف بالخطأ وإصلاحه.