حين تُشوّه شائعة كاذبة سمعة أبيه وتُهدّد ورشته، يريد حمزة أن يردّ الأذى بمثله. لكن أثر إزميل في قطعة خشب يضعه أمام سؤال أصعب: كيف يحفظ حقه دون أن يصبح ظالمًا؟ قصة تربوية عن التسامح، وضبط الغضب، والشجاعة في الاعتراف بالخطأ وإصلاحه.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 7 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
في سوقٍ اشتهرت ورشه بصناعة الأثاث وتجارة الأخشاب، تجمع أصحاب الدكاكين وبعض كبار التجار حول ورشة الأسطى منير.
كان منير واقفًا وسطهم، يرفع صوته وهو يشير إلى الورشة المقابلة:
— أنا مش بقول كلام من فراغ. خشب العم صابر فيه سوس، واللي يشتري منه أثاث بيحط ماله في حاجة عمرها ما هتعيش.
تعالت الهمهمات بين الواقفين.
كان العم صابر واقفًا عند باب ورشته، وقد بدا الذهول على وجهه.
— إنت بتتهمني بإيه يا منير؟
التفت إليه منير، وقال بثقة:
— باللي شفته بعيني. ولو أنا غلطان، خلّي الناس تفحص الخشب قدامها.
تقدم أحد التجار خطوة.
— ومتأكد من الكلام ده؟
ضرب منير كفه على صدره.
— أقسم بالله، الأثاث اللي بيطلع من عنده معمول من خشب تسوسه السوسة الخفية.
تريد نادين أن تفاجئ جدتها بكعكة شوكولاتة من صنع يديها، لكن الوصفة لا تنجح كما تتمنى. وبين محاولاتها المتكررة ونجاح أخيها السريع، تبدأ في اكتشاف ما تحتاج إلى تغييره. قصة تربوية عن الصبر والتعلّم من الأخطاء، وتقدير التقدّم دون انتظار الكمال.
ِشيماء الصاوي0قراءة
لكن منير ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال أمام الجميع:
— لو كنت واثق من شغلك يا صابر، سيب السوق يحكم بيننا.
لم يرد صابر. ظل واقفًا أمام ورشته، عاجزًا عن استيعاب أن رجلًا يعرفه منذ سنوات يمكن أن يطعنه بهذه السهولة.
ولم تمضِ ساعات حتى بدأت الشائعة تنتشر بين أهل السوق.
وفي اليوم التالي، جاء الخبر الذي كان أثقل من الشائعة نفسها.
كان أحد أعيان المدينة قد طلب من صابر تجهيز أثاث بيت ابنه المقبل على الزواج، وألغى الطلبية بعد أن سمع ما قيل عن خشب ورشته. كانت تلك الطلبية ستسدد معظم ديون الخشب المتراكمة على صابر، وتُبقي ورشته قادرة على العمل لأشهر.
مرت أيام ثقيلة، بدأت فيها الورشة تخلو من الزبائن شيئًا فشيئًا. تجمدت أيدي العمال، وتوقفت المناشير عن الدوران، وأصبح المكان الذي كان أكثر ورش السوق حركةً لا يدخله إلا القليل.
واستولى الحزن على صابر، حتى اشتد عليه مرضه واضطر إلى ملازمة الفراش أيامًا.
أما حمزة، فكان يرى أباه يذبل أمامه يومًا بعد يوم، وكلما وقعت عيناه على الدكان المقابل، عادت إليه كلمات منير واشتعل الغضب في صدره من جديد.
وبعد عدة أيام، بدأ صابر يستطيع الوقوف والمشي خطوات قليلة مستندًا إلى عصاه.
وفي صباح اليوم التالي، كان حمزة يجلس عند عتبة الورشة، يمسك بقطعة خشب صغيرة ويفركها بين أصابعه بعصبية، بينما عيناه مثبتتان على الدكان المقابل.
ازدادت قبضته على إزميل حاد كان ملقى على الطاولة.
ثم استقام واقفًا.
— إلى أين يا حمزة؟
جاء الصوت من العتمة الخلفية.
كان صابر يتكئ على جدار الورشة الخشبي، وعصاه في يده، ووجهه لا يزال شاحبًا من أثر المرض.
التفت حمزة، وعروق رقبته نافرة.
— سأذهب إليه الآن يا أبي. سأحطم لوحة دكانه وأصرخ في وجهه أمام السوق كله حتى يعلم الجميع أي منافق هو! لن أترك حقك يموت وأنت تتألم هنا!
خطا حمزة خطوة نحو الشارع، لكن صابر أشار بيده إلى ركن الطاولة.
— استنى يا حمزة. تعالى وهات لي قطعة خشب الزان دي... والمطرقة.
توقف حمزة.
تردد لحظة، ثم جلب قطعة الخشب والمطرقة ووضعهما بين يدي والده.
أخذ صابر قطعة الخشب الأملس، ثم وضع رأس الإزميل في منتصفها تمامًا. وبحركة مفاجئة، هوى بالمطرقة بكل ما تبقى له من قوة.
طَق!
اخترق الحديد قلب الخشب، وانفلقت قطعة صغيرة منه، تاركة فجوة غائرة ومشرشرة الحواف.
رفع صابر عينيه إلى حمزة.
— انزع الإزميل يا بني... وأصلحها. أملسها وخليها كأن الضربة ما لمستهاش.
حدق حمزة في الأثر.
— مستحيل يا أبي. حتى لو حطيت المعجون وصقلتها ألف مرة، هيفضل مكان الضربة أضعف من الأول، وهيفضل أثرها موجود.
وضع صابر يده على يد ابنه.
— عشان كده بقولك: ما تضربش إزميلك في نفس المكان.
نظر حمزة إليه.
قال صابر بهدوء:
— التسامح مش ضعف يا حمزة، ومش معناه إنك تسيب حقك. معناه بس إنك ما تسمحش لظلم غيرك إنه يحولك لظالم زيه.
ظل حمزة صامتًا.
نظر إلى الفجوة، ثم إلى الإزميل في يده.
وببطء، وضع المطرقة جانبًا.
—
مع هبوط الليل، غطت السماء الغيوم الداكنة، وهبت عاصفة مطرية لم تشهدها المدينة منذ سنوات.
انهمر المطر بغزارة، وبدأت مياه الشارع الترابي ترتفع وتتجمع في الأزقة المنخفضة.
كان حمزة يشد السلاسل الحديدية على باب الورشة ليحميه من الرياح، حين شق صوت صاعقة صراخ استغاثة قادمًا من نهاية الشارع.
التفت.
كان الصوت قادمًا من ورشة الأسطى منير.
ركض حمزة عبر المطر.
وعندما وصل إلى العتبة، رأى المياه وقد اندفعت إلى داخل الورشة بعدما انهار جزء من قناة صرف قديمة خلفها. كانت ألواح الأرو والزان التي اشتراها منير حديثًا مهددة بالتلف، وبعضها قد بدأ يطفو فوق المياه.
وكان منير ممددًا على الأرض، عاجزًا عن الحركة.
كان قد حاول رفع أحد الألواح بعيدًا عن الماء، فأصيب بشد شديد في ظهره وسقط قبل أن يستطيع الوصول إلى الباب.
رآه حمزة.
توقف عند العتبة.
لم يكن في الشارع أحد.
رفع منير رأسه، وحاول أن يصرخ، لكن الألم قطع صوته.
ظل حمزة مكانه لحظة.
كان يستطيع أن يعود.
لكنه رأى الإزميل في ذهنه.
ثم خطا إلى الداخل.
وصل إلى منير، وانحنى وأمسكه من تحت ذراعيه.
— متتحركش.
— مش قادر... ظهري.
— اتكئ عليّ.
جرّه حمزة ببطء بعيدًا عن المياه حتى أوصله إلى عتبة مرتفعة عند باب الورشة.
جلس منير هناك يلهث.
ثم خرج حمزة إلى الشارع وصاح بأعلى صوته:
— يا أهل السوق! الحقونا! ورشة منير غرقت!
بعد دقائق، بدأت أبواب الدكاكين القريبة تُفتح، وخرج أصحابها إلى الشارع رغم المطر.
جاء رجلان وساعدا منير على الابتعاد عن الورشة، بينما دخل حمزة مع بقية الرجال إلى الداخل.
كان الماء يرتفع، والأخشاب تزداد ثقلًا كلما تشبعت به.
عملوا معًا على إخراج ما استطاعوا إنقاذه من ألواح الأرو والزان، وحملوها إلى السقيفة العالية الجافة خلف الورشة.
بعض الأخشاب نجا.
وبعضها كان قد تشقق وتلف بالفعل.
وعندما هدأت العاصفة قليلًا، جلس منير في الدكان المجاور، بينما كان حمزة يقف أمامه وثيابه تقطر ماء.
نظر إليه منير طويلًا.
ثم قال بصوت خافت:
— كنت تقدر تسيبني.
رفع حمزة عينيه إليه.
سكت لحظة.
ثم قال:
— كنت أقدر.
ولم يزد.
—
احتاج منير إلى عدة أيام حتى يخف ألم ظهره ويستطيع العودة إلى السوق بعصاه.
وفي صباح اليوم الخامس، ظهر عند باب ورشة صابر.
كان حمزة يرتب بعض الأخشاب التي نجت من المطر، وحين رآه توقف.
لم يقل منير شيئًا. أشار إليه فقط أن يتبعه.
خرج الاثنان إلى وسط السوق.
رفع منير صوته:
— يا أهل السوق!
خرج بعض أصحاب الدكاكين من ورشهم، واقترب آخرون من الصوت.
انتظر منير حتى تجمع حوله عدد من التجار الذين سمعوا اتهامه لصابر قبل أيام.
ثم قال:
— أنا قلت كلامًا عن العم صابر قدامكم... وكنت عارف إني بقول حاجة مشفتهاش بعيني.
ساد الصمت.
تابع:
— قلت إن خشبه فيه سوس، واتهمته إنه بيغش الناس، وأنا ما كانش عندي دليل واحد على الكلام ده.
خفض رأسه.
— كنت عايز أضر شغله وأكسب مكانه في السوق. وبدل ما أنافسه بشغلي، اخترت أضرب سمعته.
ثم التفت إلى ورشة صابر.
— وأنا جاي النهارده أقول قدامكم إن الكلام ده كان باطل.
خرج صابر من الورشة، مستندًا إلى عصاه.
قال منير:
— أنا ظلمتك يا صابر. ومش جاي أطلب منك تنسى اللي حصل، ولا أقول إن كلمة اعتذار هترجع لك الأيام اللي ضاعت. بس كان لازم أصحح الكذبة قدام نفس الناس اللي سمعتها مني.
ثم أخرج من جيبه ورقة ومدها إلى صابر.
— دي إفادة من صاحب الطلبية. بعد ما عرف الحقيقة، قال إنه مستعد يرجع يتكلم معاك في طلب الأثاث من جديد، ولو اتفقتم، هيكون القرار بينكم.
أخذ صابر الورقة ونظر إليها.
ثم قال منير:
— وكلمت كمان تلاتة تجار كنت أخدت منهم شغل الفترة اللي فاتت بسبب الكلام اللي قلته عنك. قلت لهم الحقيقة، وطلبت منهم يختاروا اللي يثقوا فيه. واتنين منهم قالوا إنهم هيرجعوا يتعاملوا معاك في الطلبات الجاية.
ثم أخرج من جيبه ورقة أخرى.
— وده حساب عربون طلب كنت أخدته من واحد منهم. رجعته له، وقلت له لو لسه محتاج الشغل، يديه لصابر لو اختاره. أنا مش هطلب منك ترجعلك فلوسك اللي خسرتها بكلمة، بس هحاول أصلح اللي أقدر عليه.
نظر صابر إلى الورقتين، ثم أعادهما إليه.
— الحقيقة كان لازم تتقال يا منير. والباقي ربنا يدبره.
خفض منير رأسه.
ثم نظر إلى حمزة.
— وأنت... مش عارف أقول لك إيه.
ابتسم حمزة ابتسامة صغيرة.
— اللي كان يهمني إنك تقوله، قولته واعترفت بيه.
سكتا لحظة.
ثم قال منير:
— بس اللي عملته امبارح... مش هنساه.
نظر حمزة إلى أبيه.
كانت قطعة الزان التي ضربها صابر بالأمس لا تزال فوق الطاولة، وفي وسطها الجرح القديم.
مد يده إليها، ومرر أصابعه على الفجوة.
قال صابر:
— لسه فيها أثر الضربة.
أومأ حمزة.
— آه.
ثم ابتسم.
— بس مش كل أثر لازم يتحول لوجع.
نظر صابر إليه طويلًا، ثم ربت على كتفه.
أما حمزة، فلم يشعر أنه انتصر على منير، بل شعر أنه نجا من شيء كان يمكن أن يجعله مثله.
وبقيت الخشبة تحمل أثر الإزميل، أما قلب حمزة، فاختار ألا يحمل الوجع نفسه.
وعد نادر أخته الصغيرة أن ينتظرها عند البوابة، لكن اللعب مع أصدقائه أنساه وعده. وحين عاد ولم يجدها، أدرك أن كلمته كانت مصدر أمان لها. قصة تربوية للأطفال عن المسؤولية والوفاء بالوعد، والاختيار بين متعة عابرة وثقة شخص يعتمد علينا.
قبل أن يغلق الغرزة الأخيرة، يكتشف مراد أن الجلد الذي صنع منه الحذاء الثمين أمانة تخص رجلًا آخر. لا أحد يعرف، والوقت يوشك أن ينفد، وبين يديه فرصة قد تفتح له أبواب القصر. قصة تربوية عن الأمانة حين يكون إخفاء الخطأ سهلًا، وتصحيحه مكلفًا.