ترجع نورة من الرياض للطائف عشان تساعد جدّها في موسم الورد، وتكتشف إنه يفكّر يبيع المزرعة. تحاول تلقى طريقة تحافظ فيها على المكان اللي كبرت بين حقوله، لكن كل يوم يقرّبها من تعب جدّها، ويخلّيها تفهم إن بقاء إرث العائلة يحتاج أكثر من الحنين.
بواسطة مُلهموقت القراءة 14 دقيقة
4قراءة
اقرأ القصة
من أول ما دخلت نورة المزرعة، حسّت إن فيه شيء متغيّر.
البوابة الزرقا اللي كانت تصرصر كل ما أحد دفّها، انفتحت هالمرة من غير صوت. علبة الصفيح المعلّقة جنبها اختفت، مع إنها من يوم نورة صغيرة وهي في مكانها، مليانة مسامير وأسلاك وقطع ما يعرف فايدتها إلا جدّها.
حتى شجرة التين عند المدخل، الأغصان الواطية فيها انقصّت. ما عاد احتاجت توطّي راسها وهي تمر من تحتها.
وقفت تسحب شنطتها على الحصى وتتلفّت.
طلع جدّها من غرفة التقطير، يمسح يدينه بقطعة قماش.
— يا هلا ببنت الرياض.
خلّت الشنطة وراحت له. حضنها، وبعدها أبعدها شوي وطالع في وجهها.
في قلب البر، يضل شاب طريقه بعد أن تغرز سيارته، حتى تقوده نار بعيدة إلى خيمة رجل مسن يُدعى أبو متعب. هناك يكتشف سر نار لم تنطفئ منذ عشرين عامًا، أشعلها الشايب انتظارًا لابنه الذي فقده في البر، ثم جعلها ملجأً لكل ضائع وعابر.
مُلهم20قراءة
نورة كانت في آخر سنة لها بالجامعة. رجعت الطائف في إجازة قصيرة بين مشروعين، وهي ناوية تقعد عند جدّها وقت موسم الورد.
قالت لأمها إنها محتاجة تغيّر جو. وقالت لصاحباتها إنها بتصوّر المزارع. ولجدّها قالت:
— بجي أساعدك.
والصدق إنها كانت تبغى الأشياء هذي كلها.
في الرياض، يومها يبدأ بصوت المنبّه وينتهي وهي تقلّب في الجوال. تقعد ساعات قدّام اللابتوب، تشتغل على حملات وتصاميم لمنتجات ما لها وجود إلا في مشاريع الجامعة، وتناقش مع البنات كيف يخلّون الناس يوقفون عند إعلان بدل ما يسحبون عليه.
أما هنا، فما احتاجت منبّه.
قبل الفجر، دقّ جدّها على الباب دقّتين.
— نورة… إذا إنتِ جاية تساعدين، الورد ما ينتظرك لين الظهر.
فتحت عين وحدة ومدّت يدها تدور الجوال.
— كم الساعة؟
— وقت الشغل.
ومشى قبل ما تلحق تسأله مرة ثانية.
طلعت له وهي لابسة جاكيت واسع وجزمتها الجديدة. طالع فيها، وبعدها طالع في الجزمة.
— هذي بترجع معك الرياض بلون ثاني.
كان البرد يدخل من أطراف أكمامها وهي تمشي وراه.
جدّها شايل سلّتين، وماشي في الطريق الضيّق بين الشجيرات كأنه يقدر يمشيه وهو مغمّض. يوم وصلوا أول صف، عطاها سلّة ووقف عند وردة مفتوحة.
— هذي ناخذها.
وأشار لبرعم جنبها.
— وهذي نخليها.
مدّت يدها بسرعة، وعلقت إصبعها بشوكة.
سحبتها وهي تتأوّه، لكنه ما ضحك. مسك الغصن ووراها كيف تقرب يدها وتقطف من غير ما تشدّ معه نص الشجيرة.
— بالراحة. ما هي مسابقة.
بعد شوي، بدت تفهم الحركة. تمدّ يدها، تقطف، وتحط في السلّة.
شغلة شكلها سهل، لكن ظهرها بدأ يوجعها قبل ما توصل السلّة للنص.
في الصف اللي جنبهم، كان منصور يشتغل بخفّة. نورة تعرفه من يوم كانت صغيرة، وتستغرب كيف هو وجدّها يقدرون يسولفون وهم شغّالين، وهي من بداية الصباح تحاول تلقى وقفة تريح ظهرها.
سلّم عليها وسألها عن الجامعة، وبعدها رجع للورد.
تلفّتت حولها.
— جدي، وين الرجال اللي كانوا يساعدونكم أول؟
— كل واحد لقى له شغلة.
— وما جبت أحد بدالهم؟
— الموجود يكفّي.
طالعت الصفوف اللي وراهم، وبعدها طالعت سلّتها.
ما حسّت إن الموجود يكفّي.
يوم رجعوا، كانت غرفة التقطير دافية، والشمس توّها طالعة.
القدور في أماكنها، والأنابيب طالعة منها ورايحة لأوعية التبريد والتجميع. على الرفوف قوارير بأحجام مختلفة؛ بعضها جديد، وبعضها يرجّعها زباين جدّها عشان يعبّيها لهم مرة ثانية.
فكّت الجاكيت وطلعت جوالها تصوّر البخار.
قال جدّها:
— خلّي التصوير شوي وتعالي أمسكي معي.
حطّت الجوال، ومسكت معه كيس الورد.
اشتغلت ساعة وهي تناوله الأشياء، وتنقل القوارير، وتحاول تتذكر وين مكان كل غرض. يوم رجعت لجوالها، لقت رسائل كثيرة من البنات.
ردّت على وحدة، وبعدها صوّرت يد جدّها جنب الورد.
طلعت الصورة حلوة؛ التجاعيد واضحة، والورد لونه هادي، والنور داخل من الشباك على أطراف أصابعه.
كانت بتعدّل الإضاءة، يوم انتبهت إنه يحاول يفك غطا عالق.
حطّت الجوال وراحت تساعده.
على الفطور، شافته يدعك مفاصل يده اليمين، وبعدها مسك الخبز باليسار.
— يدك توجعك؟
— إذا جلست حسّيت فيها. وإذا اشتغلت نسيتها.
قالها كأنه يتكلم عن شيء عادي، وأشار لعلبة الزيتون.
— قرّبي هذي.
بعد الظهر، كانت نورة تدوّر قلم عشان تكتب كم غرض ناقص من البقالة.
فتحت الدرج اللي جدّها يحط فيه فواتيره وأقلامه. فوق الأوراق كان فيه ظرف أبيض مفتوح، وطرف مخطط أرض طالع منه.
سحبته شوي.
طالعت الأرقام المكتوبة على الجنب، وبعدها قرأت عنوان الورقة.
رجعت قرأته مرة ثانية.
عرض شراء.
طلعت للساحة والورقة بيدها. جدّها كان جالس في الظل يصلّح مقبض سلّة.
رفع عينه، وشاف اللي معها.
ما استغرب.
— كنت بقول لك.
— متى؟
حط السلّة جنبه.
— قلت أخليك ترتاحين من السفر أول.
— إنت بتبيع المزرعة؟
— أفكّر.
طالعت المبلغ، وبعدها الاسم المكتوب تحت.
— هذي مو بس فكرة يا جدي.
سكت شوي، ثم قال:
— الرجال ينتظر ردّي بعد الموسم.
وقفت قدّامه، تحاول تستوعب إنه كان يشيل معها الورد الصباح، ويسألها إذا فطرت زين، وهو عارف إنه يمكن هذي آخر مرة تسوي فيها الأشياء هذي هنا.
— وإيش بيسوي فيها؟
— أرضه جنبنا. يبغى يضمّها لأرضه.
— يعني بيشيل الورد؟
— ما سألته.
طلع صوتها أعلى من اللي كانت تقصده:
— كيف ما سألته؟
ترك المقبض من يده وطالع فيها.
— للحين ما اتفقنا على شيء. لا تبدين تحاسبيني من الآن.
طوت الورقة بسرعة.
بس الطيّة ما رجعت على مكانها.
في الليل، دقّت على أمها.
— كنتِ تعرفين إن جدي بيبيع؟
سكتت أمها لحظة.
— أعرف إنه تعبان.
— يمّه، أسألك عن البيع.
— جاب طاريه مرة.
وقفت نورة عند الشباك. لمبة غرفة التقطير لسه شغّالة.
— وإيش قلتي له؟
— قلت يجي يقعد قريب منّا. وقلت يخفف الشغل، أو يأجّر. كل اقتراح عنده عليه ملاحظة.
— طيب نلقى حل غيرها.
— دوري يا بنتي. بس اسمعيه أول.
عقدت نورة حواجبها.
— أنا عنده من أمس، أسمعه.
قالت أمها بهدوء:
— إنتِ تلحقين على المزرعة في الموسم، كم يوم وترجعين. هو هنا طول السنة.
بعد ما قفلت، ظلّت واقفة عند الشباك.
طلع جدّها وطَفّى لمبة الغرفة. مشى شوي، وبعدها وقف وحط يده على أسفل ظهره، ومدّ جسمه ببطء.
كانت بتفتح الشباك وتناديه.
لكنها ما سوت.
ثاني يوم، صحيت وفي بالها خطة.
صوّرت الحقول، والقوارير، وباب المصنع القديم. كتبت عن مزرعة عائلية ممكن تختفي، وعن آخر موسم ورد فيها.
قرأت الكلام، وبعدها مسحته.
جدّها ما قال إنه عاجز، ولا وافق يصير حكاية حزينة الناس تتناقلها.
كتبت من جديد عن الورد وماء الورد اللي يسوّونه، وحطّت صور المنتجات. قبل تنشر، ورّته كل شيء.
قرأ ببطء، وسألها عن كلمة ما فهمها، وبعدها رجّع لها الجوال.
— انشري. بس لا توعدين الناس بشيء مو عندنا.
على المغرب، بدأت تجيها أسئلة.
بكم القارورة؟ فيه توصيل؟ نقدر نزور المزرعة؟ تسوّون توزيعات؟ فيه علب هدايا؟
جت عند جدّها والجوال بيدها.
— شفت؟ الناس تبغى، بس ما كانوا يعرفون عنّا.
قرأ بعض الرسائل.
— هذا يبغى أربعين علبة توصل جدة بكرة. عندك علب؟
— نشتري.
— ومن يغلّفها؟
— نشوف أحد.
— واللي يسأل عن دهن الورد، فاهم إنه غير ماء الورد؟ وهذولا اللي يبغون يجون الصباح، من يستقبلهم وإحنا نقطف؟
خفّت ابتسامتها.
— نرتّبها يا جدي.
هز راسه.
— رتّبيها. وأنا أساعدك باللي أقدر عليه.
ما عرفت ليش تمنّت إنه يعارضها.
كان أسهل عليها تناقش رفضه، من إنها تجاوب على كل هالأسئلة.
اليومين اللي بعدها، ما وقفت اتصالات.
كلّمت واحد يبيع عبوات، وبعده واحد يطبع ملصقات. اكتشفت إن الكمية القليلة تطلع أغلى، وإن العلب اللي عجبتها ما توصل بالسرعة اللي توقعتها، وإن شحن قارورة وحدة يخلي بعض الناس يغيّرون رأيهم.
واحد طلب يزور المزرعة مجانًا مقابل إنه يصوّر وينشر. ووحدة حسبت السعر لكل القوارير اللي في الصورة، ويوم عرفت إنه لقارورة وحدة ألغت الطلب.
بس جتها طلبات جدّية بعد.
جمعت الموجود، ونظّمت الأحجام، وسوّت ملصق بسيط. قعدت لين نص الليل تكتب أسامي وعناوين وتغلّف.
واليوم اللي بعده، راحت عليها نومة.
دخلت غرفة التقطير ولقت جدّها ومنصور بادين من زمان.
— ليش ما صحيتوني؟
رد جدّها وهو يرتّب الأدوات:
— صحّيتك.
حاولت تتذكر. ما تذكرت إلا إنها قالت له شيء ورجعت تلف البطانية عليها.
اشتغلت معهم لين الظهر، وبعدها اكتشفت إنها بدّلت عنوانين على طردين.
فكّت التغليف ورجعت تعيده. وهي تنقل القوارير، زلقت وحدة من يدها وانكسرت.
وقفت تطالع الماء وهو ينتشر على الطاولة وينقط على الأرض.
الريحة عبّت الغرفة.
ولأول مرة، تمنّت تفتح كل الشبابيك وتطلّعها.
في المساء، جاب جدّها دفترًا قديمًا وحطّه قدّامها.
— تعالي نحسب.
فتحت اللابتوب، وجلس يملي عليها.
الماء. صيانة المضخة. الوقود. القوارير. أجور الشغل. النقل. أشياء خربانة من العام اللي راح ولسه ما تصلّحت. وفواتير أصحابها ينتظرون.
بعض الأرقام يعرفها، وبعضها يطلع إيصالها من بين صفحات الدفتر. وكل ما حسبت إنها خلصت، تذكر شيء ثاني.
وقفت أصابعها عن الكتابة.
— وإنت؟
— أنا إيش؟
— أجرتك.
ضحك شوي.
— أنا راعي المزرعة.
— يعني شغلك ما ينحسب؟
ما رد.
كتبت سطرًا جديدًا: «شغل جدي».
خلّت الخانة اللي جنبه فاضية.
بعد شوي، سألها:
— لو جبنا واحد يسوي اللي أسويه، كم يبغى؟
قعدوا يحسبونها.
يوم أضافت الرقم، تغيّرت النتيجة قدّامها.
رجعت بظهرها على الكرسي.
المزرعة مو قاعدة تخسر كل سنة، لكن الربح اللي كانت تتخيّله ما كان موجود بالشكل هذا. جزء كبير منه كان ساعات جدّها اللي ما يحسبها، والإصلاحات اللي يأجّلها، والأشياء اللي يستغني عنها عشان تمشي الأمور.
طالعته.
— ليش ما قلت لنا؟
قلّب صفحة من الدفتر.
— أقول تعبت، تقولون ارتاح يومين. وأنا مو تعبان من يومين شغل يا نورة.
اليوم اللي بعده، جاء المشتري.
شافته من شباك المطبخ؛ رجال مرتب، معه ملف صغير، يسلّم على جدّها كأنهم يعرفون بعض من زمان.
دخلوا المجلس. جابت القهوة، وكانت بتطلع، لكن جدّها قال:
— اقعدي. هذي نورة اللي قلت لك عنها.
ابتسم الرجال.
— جدّك يقول تفهمين في التسويق.
جلست، وهي مو عارفة إيش قال له عنها بالضبط.
بعد شوي، سألته عن الأرض.
شرح إنه يفكر يسوي استراحات صغيرة، ويمكن يبقي بعض الشجر قريب من المدخل.
— والورد؟
تردد قبل يجاوب.
— ممكن نخلّي جزء، يعطي المكان منظر حلو.
طالعت جدّها.
كان يسمع، وبعدها رجع يسأل عن الدفعات والموعد.
الرجال ما كان قليل ذوق، ولا كان يحاول يضحك عليهم. قال إيش يبغى، وشرح عرضه، وعطاهم وقت يفكرون.
ما لقت نورة كلمة تمسكها عليه، مع إنها كانت متضايقة منه من أول ما دخل.
بعد ما مشى، قالت:
— جزء للمنظر؟
كان جدّها يجمع الفناجين.
— سمعت.
— كأن المزرعة كلها زينة يحطّها عند الباب.
حط الصينية على الطاولة، وارتجّت الفناجين.
— وأنا وين مكاني في اللي تفكرين فيه؟
سكتت.
كمل بصوت أهدى:
— إنتِ خايفة الورد يروح. وأنا خايف يجي الصباح وأعرف إنه محتاجني، وأنا ما أقدر أقوم له.
قعدت لحالها بقية العصر.
فتحت الصور القديمة في جوالها، ووقفت عند صورة لها وهي صغيرة، لابسة قبعة أكبر من راسها وماسكة سلّة فاضية بين الورد.
جدّها كان وراها، شايل سلّتين مليانات.
كبّرت الصورة.
هي تتذكر القبعة. وتتذكر إنها غطّت فيها وجهها، وإنه ضحك عليها.
بس ما تتذكر السلّتين اللي كان شايلها.
ظلت تطالع الصورة شوي، وبعدها قفلت الجوال.
في الليل، راحت وجلست جنبه.
— جدي، أنا آسفة.
وطّى صوت التلفزيون.
— على إيش؟
— من يوم عرفت بالبيع وأنا أقول نحافظ على المزرعة… وكأني أقصد إنك تكمل شغلك كله، وأنا أنشر كم صورة وأرجع الجامعة.
حط الريموت على طرف الكنبة.
قالت:
— ما أقدر أترك دراستي. وحتى بعد التخرج، ما أعرف إذا بعيش هنا أو لا. ما أبغى أوعدك وأحمّسك، وبعدين أخليك تنتظرني.
سكت لحظة، ثم هز راسه.
— زين إنك قلتيها.
— مو زعلان؟
— أزعل لو بنيت حسابي على وعد وإنتِ مو قدّه. أما كذا، نعرف إيش عندنا.
الفكرة اللي بعدها، ما طلعت من الجوال.
طلعت من منصور وهو يغسل السلال.
كان يسولف عن سعد، راعي المزرعة الصغيرة اللي في الجهة الثانية، وكيف صار ينقل محصوله لمكان أبعد عشان يقطّره بعد ما تعطلت معداته.
رفعت نورة راسها.
— ليش ما يجي عندنا؟
طالع منصور في جدّها قبل يرد.
— اسأليه.
قال الجد:
— كل واحد له شغله وطريقته.
— بس المكان عندك موجود.
— والمكان لحاله ما يكفي.
قعدت جنبه.
— طيب خله يجي ونتكلم. يمكن عنده شيء ناقص، وعندنا شيء ناقص، ونلقى طريقة.
ما وافق من أول مرة.
لكن بعد يومين، قال لها تكلمه.
— قولي له جلسة نتفاهم فيها. لا تقولين اتفقنا.
جاء سعد ومعه بنته مها، اللي تمسك الحسابات والطلبات عندهم.
قعدوا في الساحة. بدوا بالموسم والجو والمضخة اللي كل شوي تخرب، وبعدها فتحت مها دفترها.
عندهم ناس يشتغلون في الحقل، بس نقل الورد والانتظار عند مكان التقطير متعب ومكلف. وعند جدّ نورة المعدات والخبرة، لكن ناقصه ناس يشاركونه الشغل.
أول جلسة ما طلعت باتفاق.
اختلفوا على الأوقات، وعلى الصيانة، وعلى من يتحمل المسؤولية لو تعطّل شيء.
قال الجد إنه ما يعطي مفتاح الغرفة لأحد.
سألته مها:
— طيب كيف بترتاح إذا لازم تكون موجود كل مرة؟
تغيّر وجهه.
تدخلت نورة:
— نبدأ بتجربة، أيام محددة وأنت معنا. بعدين نشوف.
قال سعد:
— ويكون كل شيء واضح من أول، حتى المبلغ. ما نبغى نجامل بعض اليوم ونزعل بكرة.
كتبت نورة الملاحظات.
هالمرة، كانت تعرف إيش تسأل.
مو بس: كيف نبيع أكثر؟
لكن بعد: من بيشتغل؟ ومتى؟ وكم بيكلف؟ وجدّها متى يقدر يقعد ويرتاح؟
التجربة ما مشت من غير مشاكل.
أول يوم، تأخر محصول سعد. ثاني يوم، اختلف مع الجد على ترتيب الشغل. وثالث يوم، لقت نورة جدّها داخل الغرفة في الوقت اللي المفروض يرتاح فيه.
— إيش تسوي هنا؟
أشار لأحد الأنابيب.
— أتأكد.
— توّك متأكد قبل شوي.
— يمكن صار شيء.
وقفت جنبه.
— جدي، إذا مو مرتاح لهم قل لنا. بس إذا كل مرة بترجع تشيّك، بنكون زوّدنا شغلك.
ظل يطالع قدّامه.
بعد شوي، مسح يدينه وطلع معها.
قعد تحت شجرة التين، لكن عيونه ما فارقت باب الغرفة.
نورة جابت له شاي وجلست قريب منه، من غير ما تحاول تفتح سالفة.
بعد فترة، ناداه سعد يسأله عن شيء.
قام الجد بسرعة.
هالمرة ما قالت له يقعد.
رجع بعد دقائق، وشرب من كاسه.
— الشاي برد.
ابتسمت.
— أغيّره؟
— لا، زين كذا.
ومدّ رجوله قدّامه.
نورة بعد غيّرت طريقتها في الطلبات.
بطلت توعد الناس بتوصيل سريع قبل تعرف تقدر أو لا. وضّحت الأحجام والأسعار، وصارت تجمع الشحنات في أيام محددة.
اتفقت مع مها تمسك جزءًا من الردود بأجر واضح، بدل ما يظل كل شيء مربوطًا بوقت نورة بين المحاضرات والمشاريع.
المبيعات زادت.
مو زيادة كبيرة تقلب حياتهم، لكنها زيادة يقدرون يشوفونها في الحساب.
ما قدرت تصلّح كل المعدات، ولا تسد كل الالتزامات. بس مع الشغل الجديد في التقطير، صار عندهم دخل إضافي، وصار فيه أحد يشيل مع الجد بعض اللي كان يسويه لحاله.
آخر الأسبوع، فتحت نورة الجدول من جديد.
— نراجع ساعاتك؟
جلس جنبها.
طالع السطر اللي عليه اسمه.
— هالمرة اكتبي أقل.
— كم؟
فكّر، وبدأ يعدّ الأيام والساعات.
كتبت الرقم اللي اتفقوا عليه.
ما نقصته عشان تطلع النتيجة أحلى.
قبل سفرها بيوم، جاء المشتري مرة ثانية.
كانت ترتّب ملابسها في الشنطة يوم ناداها جدّها. دخلت المجلس وجلست، وهي تحاول تعرف من وجهه إيش قرر.
قال للرجال إنه ما بيقبل العرض الحين.
حسّت إنها تبغى تبتسم، لكنها مسكت نفسها.
سأله المشتري:
— صرفت النظر عن البيع؟
رد الجد:
— تغيّرت عندي كم شغلة. أبغى أعطيها فرصة وأشوف.
ما قال إنه مستحيل يبيع. ولا وعد نورة إن الأرض بتبقى للأبد مهما صار.
بعد ما طلع الرجال، تبعته للساحة.
— يعني نكمل للموسم الجاي؟
طالع الحقول.
— نجرب. بس لي عندك شرط.
— إيش؟
— إذا ما ضبطت، لا تحسّسيني إني بعتكم مع المزرعة.
سكتت.
هي ما قالت له الكلام هذا، لكنها فجأة فهمت ليش احتاج يقوله.
قربت ومسكت يده.
— ما راح أسويها.
آخر فجر لها في المزرعة، صحيت قبل ما يدق الباب.
لبست جزمتها اللي ما عاد تشبه يوم جت فيها، وطلعت. كان جدّها عند البوابة، والسلّتين على الأرض.
شالت وحدة.
قال:
— اليوم ناخذ الصف القريب.
طالعت بعيد. سعد ومنصور كانوا بادين في الجهة الثانية.
— يلا.
مشت معه، وبدوا يقطفون.
هالمرة ما طلعت الجوال.
الصور عندها كثيرة، لكنها حسّت إنها لسه ما انتبهت لأشياء بسيطة؛ كيف جدّها يسند الغصن قبل يقطف، وكيف يغيّر وقفته إذا تعب، وكيف يوقف عن الكلام إذا مرّت يده على وردة ما عجبته.
قالت:
— أبغى أسجّل معك الشغل كله قبل الموسم الجاي.
— كيف تسجّلين؟
— نكتب ونصوّر. فيه أشياء لو شرحتها لي بالكلام بس، ما بفهمها.
فكّر شوي.
— واكتبي أغلاطنا.
ضحكت.
— هذي عاد كثيرة.
ابتسم.
— عشان كذا أقول لك اكتبيها. مو كل واحد لازم يعيدها من أول.
وقت الظهر، حطّت شنطتها في السيارة.
جاء جدّها ومعه قارورة صغيرة، لافّها بقماش.
— خذي هذي معك.
فتحتها وشمّت ريحتها.
ما كانت تقدر تحكم إذا هي أحسن من غيرها، ولا تفرّق فيها التفاصيل اللي يعرفها هو.
لكنها تعرف من أي غرفة طلعت، وكم مرة صحوا بدري عشانها، ومين حمل الورد، ومين انتظر، ومين تعب.
قفلتها وحطّتها بين ملابسها.
قبل تركب، طالعت البوابة الزرقا.
— صح، نسيت أسألك… من زيّت الباب؟
— أنا.
— من يوم أنا صغيرة وهو يصرصر. ليش الحين؟
طالعها باستغراب.
— لأنه يحتاج زيت.
ضحكت، وراحت تحضنه مرة ثانية.
في الطريق للرياض، وصلتها صورة من مها لجدول الشغل، وتحتها سؤال عن موعد إرسال الطلبات الجاية.
بدأت ترد، وبعدها وصلها تسجيل صوتي من جدّها.
فتحت التسجيل، وسمعته يقول:
— نورة، يوم تكتبين عن القطف، لا تكتبين أي وردة مفتوحة ناخذها وخلاص. فيه ورد تتغيّر حالته، ولازم تشوفينه بيدك. إذا جيتي أوريك… ولا تستعجلين تكتبين كل شيء من راسك.
في ليلة تعيد إلى شهريار ذكرى خيانته القديمة، تعرف شهرزاد أن اختيار الحكاية قد يحدد مصيرها. وبين سيف ينتظر وفجر يتأخر، تبحث عن كلمات تلمس قلب الملك دون أن توقظ غضبه. قصة عن قوة الحكايات حين تصبح وسيلة للنجاة.
في طريقه إلى الحج، يلتقي الخليفة هارون الرشيد ببهلول، الرجل الذي اختلف الناس في أمره: أمجنون هو أم حكيم يرى ما لا يراه الآخرون؟
يطلب الخليفة منه موعظة، فيجيبه بكلمات قليلة تهزّ هيبة الموكب وتضع القصور والمال والسلطان أمام حقيقة لا يستطيع أحد الهرب منها. حكاية قصيرة عن الزهد، والرزق، والحكمة التي قد تأتي من أبعد الناس عن مظاهر القوة