ست أرغفة
ست أرغفة
نبذة عن القصة
كل فجر، تختفي ستة أرغفة من فرن البركة، فتقرر الحاجة صديقة كشف السر بنفسها. وبين تعليقات عم حنفي ومشروع شاب يريد تغيير الفرن، تجد نفسها أمام حكاية أكبر من العيش الناقص. قصة بالعامية المصرية عن التكافل وكرامة المحتاج، وتطوير الأماكن من غير ما نضيّع روحها.

اقرأ القصة
في حارة السقايين، كان فيه فرن بلدي بابه أزرق مقشّر، ويافطة خشب معلّقة فوقه من أيام ما كانت الحارة بتتقفل بعد العشا، واللي يتأخر في شراء العيش يرجع بيته يلاقي أمه مستنياه بالمقشة.
كان مكتوب على اليافطة:
«فرن البركة.. عيشنا على قد الجيب، مش على قد الكلام».
وصاحبة الفرن، الحاجة صديقة، كانت مؤمنة بالجملة دي إيمانًا يخليها تدخل في خناقة لو حد حاول يغيّر حرفًا منها.
مرة، جه نقاش يدهّن اليافطة، وقال لها إن اللون القديم مش لايق على شكل الشارع بعد ما اتجدّد.
بصت له صديقة من فوق لتحت.
— هو الشارع اتجدّد وأنا ما أعرفش؟
قال الراجل وهو بيشاور على العمارات:
— يا حاجة، الناس كلها بتطوّر.
— طوّر نفسك يا حبيبي، وسيب اليافطة في حالها.
ومن يومها، محدش جاب سيرة اليافطة تاني.
أما عم حنفي، بتاع العجين، فكان شايف إن اليافطة محتاجة تتغيّر فعلًا، بس مش عشان شكلها قديم. كان نفسه يكتب عليها:
«فرن البركة.. العيش عندنا مضمون، أما كلام الحاجة صديقة فحسب الحالة».
وكل ما يفتح بقه ويقترح، صديقة تقوله:
© جميع الحقوق محفوظة. يُحظر نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو توزيعه أو استغلاله، كليًا أو جزئيًا، دون إذن كتابي مسبق من صاحب الحقوق، باستثناء ما تسمح به القوانين المعمول بها. وتبقى حقوق الأعمال والمصادر المشار إليها لأصحابها.

تحتفظ أمينة بطقم شاي لم تستخدمه منذ سنوات، وتحرسه من أيدي أسرتها كأنه كنز. وحين تنتهي مفاجأة عيد ميلادها بفنجان مكسور، تنكشف حكاية أعمق من الخوف على الصيني. قصة بالعامية المصرية، تجمع خفة الظل ودفء العائلة، عن الذكريات الغالية والخوف من فقدانها.
فيخرس، ويرجع للعجين، وهو بيتمتم بكلام لو اتسمع منه حرف واحد، هيتخصم من مرتبه.
والفرن، رغم خناقات أصحابه، كان له زباينه اللي ما بيستغنوش عنه. أم فوزي تيجي كل صباح تسأل عن أخبار الحارة قبل ما تسأل عن العيش، وعم جابر يدخل يشتري رغيفين ويقعد نصف ساعة يحكي عن مراته، والعيال ييجوا بعد المدرسة يشتروا قرصين ويطلعوا بثلاثة، لأن حنفي كان عنده ضعف غريب قدام أي طفل يقوله إنه جعان.
صديقة كانت عارفة إن حنفي ساعات بيزوّد العيال رغيفًا من غير ما يسجّله في الحسابات، وعاملة نفسها مش واخدة بالها. وكانت عارفة كمان إن أبوها، الله يرحمه، كان بيحتفظ بظرف بنيّ قديم في درج مكتبه، وما كانش يسمح لحد يلمسه. كل ما تسأله عنه، يقول لها:
— ده أمانة يا صديقة. يوم ما تحتاجيه، هتعرفي.
ومات أبوها، والظرف فضِل في الدرج، لحد ما صديقة نسيت حكايته وسط شغل الفرن ومشاكله.
لحد يوم تلات.
في صباح اليوم ده، دخلت الفرن قبل الفجر، كعادتها، وراحت تفتح درج الحسابات عشان تجيب دفتر المبيعات. وهي بتراجع حسابات اليوم اللي فات، لاحظت إن عدد الأرغفة المسجّل مش مطابق للكمية اللي فاكرة إنها جهزتها للبيع.
قلبت الدفتر، وراجعت الأرقام مرة تانية، ثم خرجت من المكتب وراحت تعدّ العيش على الرفوف.
ستة أرغفة ناقصين.
ستة بالتمام والكمال.
نادت بصوت خلّى عم حنفي ينط من مكانه:
— يا حنفي!
طلع لها من ورا العجّانة، وعلى وشه أثر دقيق عامل زي لحية بيضا.
— نعم يا حاجة؟
— أنت طلّعت عيش من الفرن من غير ما تقولي؟
حنفي حط إيده على صدره.
— أنا؟! ده أنا لو هاخد رغيف لنفسي، باخده قدامك عشان ما تتهمينيش!
— أمال الستة أرغفة راحوا فين؟
بص للصواني الفاضية، ثم رجع بص لها.
— يمكن العيش مشي.
صديقة ضيّقت عينيها.
— مشي؟
— ما هو الباب مفتوح، والعيش سخن، يمكن زهق من القعدة.
لولا إن صديقة كانت ماسكة الدفتر، كانت ضربته بيه.
لكنها ما لحقتش ترد، لأن أم فوزي دخلت في اللحظة دي، وشافت وشها.
— خير يا حاجة؟ مالك؟
صديقة أشارت للرف الفاضي.
— ستة أرغفة اختفوا.
أم فوزي شهقت.
— يا ساتر! ده سرقة عيش كمان؟
حنفي رفع صباعه.
— أرجوكي يا أم فوزي، ما تكبريش الموضوع. إحنا لسه ما عرفناش إذا كان العيش اتسرق ولا هرب.
ومن يومها، بقى للفرن حكاية جديدة.
كل يوم، قبل الفجر، كانت تختفي ستة أرغفة.
لا سبعة، ولا خمسة.
ستة.
والمصيبة إنهم ما كانوش بيختفوا من نفس الصاج كل مرة. مرة من الرف اللي جنب العجّانة، ومرة من الصينية اللي ورا الفرن، ومرة من جوه سلة العيش الجاهز للبيع.
صديقة بدأت تشك في حنفي، وحنفي بدأ يشك في القطط، وأم فوزي شكّت في ابن جارتها، وابن جارتها أقسم إنه عمره ما دخل الفرن في حياته، مع إن صديقة كانت لسه مطلعاه من جوه قبلها بيوم وهو بيسرق عجين.
أما عم جابر، فكان عنده تفسير مختلف تمامًا.
قال وهو بيقضم رغيفه:
— أنا أقولكم على حاجة؟ ده أكيد عفريت.
صديقة ردت من غير ما ترفع عينها:
— عفريت إيه يا عم جابر؟ العفريت لو عايز ياكل، ييجي يدفع زي باقي خلق الله.
بعد أسبوع، دخل الفرن شاب اسمه مروان.
كان لابس قميص مكوي، وساعة كبيرة بتلمع في إيده، وماشي وهو ماسك موبايله كأنه بيصوّر إعلانًا عن نفسه.
وقف قدام اليافطة، صوّرها، وبعدين الباب الأزرق، وبعدها عم حنفي وهو بيطلع صاج عيش.
حنفي بص له من جوه الفرن.
— أنت بتصور إيه يا ابني؟
مروان ابتسم.
— محتوى.
حنفي بص للصاج اللي في إيده، وبعدين بص له تاني.
— محتوى إيه؟ ده العيش لسه ما خرجش!
ضحك مروان، ودخل يقدّم نفسه للحاجة صديقة.
كان صاحب مشروع للمخبوزات، وبيبحث عن مكان قديم له شخصية، يقدر يطوّره ويحوله لعلامة تجارية معروفة. عرض عليها مبلغًا كبيرًا مقابل شراء الفرن، وتغيير اسمه وشكله، وتحويل جزء منه لكافيه ومحل مخبوزات.
صديقة سمعت عرضه للآخر، وبعدها سألت:
— والعيش هيبقى عامل إزاي؟
فتح لها صورًا على الموبايل: طاولات خشب، وإضاءة دافئة، وأرفف عليها أرغفة مرصوصة بعناية، وأكواب قهوة، وناس بتصوّر فطارها قبل ما تاكله.
قلّبت في الصور، وبعدين رفعت عينها له.
— والعيش فين؟
أشار إلى رغيف صغير على طبق أبيض.
— أهو يا حاجة.
قربت الصورة من وشها.
— ده رغيف ولا غطا حلة؟
حنفي انفجر في الضحك، لدرجة إن قطعة العجين وقعت من إيده.
مروان ابتسم ابتسامة مجاملة، ثم شرح لها العرض المالي، والمكسب المتوقع، وفرص التوسع.
لكن صديقة هزت رأسها.
— الفرن مش للبيع يا ابني.
— فكري في العرض. المبلغ هيكفيكي تعيشي مرتاحة من غير شغل طول اليوم.
— وأنا قلت لك الفرن مش للبيع. هو أنت لما تشتري قميص، لازم تغيّر لون صاحبه كمان؟
خرج مروان وهو مقتنع إنها هتغيّر رأيها. كل حاجة في رأيه ليها تمن، وبعض الناس بس محتاجة تسمع الرقم المناسب.
وفي اليوم التالي، اختفت الأرغفة الستة مرة تانية.
المرة دي، صديقة ما اكتفتش بالشكوى.
طول اليوم، فضلت تراجع حسابات الفرن وتراقب حركة الدخول والخروج، لحد ما قررت إنها مش هتسيب الموضوع يعدّي ليلة كمان من غير ما تعرف الحقيقة.
وفي الليلة التالية، بعد ما العمال مشيوا، فضلت صديقة في الفرن. قفلت الباب الأمامي، وبدأت تفتّش المكان بهدوء. فتحت الأدراج، ورفعت الأكياس، وبصت ورا الصواني، لحد ما لاحظت حاجة غريبة.
تحت الرف الأخير، كان فيه أثر دقيق ممتد من جوه الفرن لحد الباب الخلفي.
انحنت، وتتبعت الأثر بعينيها.
الباب الخلفي كان مواربًا.
فتحته، فوجدت نفسها في ممر ضيق بين الفرن ومخزن قديم مهجور. وعلى الأرض، كانت فيه آثار أقدام صغيرة.
مش آثار حنفي.
ولا آثار رجل بالغ.
آثار طفل.
صديقة ما قالتش حاجة. رجعت جوه، وقعدت مستنية.
حنفي كان مشي، والفرن بقى هادي، ما عدا صوت عقارب الساعة وصوت صينية بتبرد جنب الفرن.
عدّت ساعات، وصديقة كل شوية تبص للباب الخلفي.
وقبل الفجر بدقائق، سمعت صوتًا خفيفًا عند الباب.
ما اتحركتش.
الصوت اتكرر.
وبعدين ظهر ظل صغير عند العتبة.
طفل نحيف، هدومه واسعة عليه، وشعره منكوش. كان شايل كيسًا قماشيًا قديمًا، وبيبص ناحية الفرن بحذر.
مد إيده ناحية سلة العيش.
وقبل ما يلمسها، خرجت صديقة من مكانها.
— استنى عندك!
الطفل اتجمد.
حنفي ما كانش موجود، لكن صديقة كانت كفاية إنها توقفه مكانه.
— اسمك إيه؟
ما ردش.
— بتاخد العيش ليه؟
فضل ساكتًا، وعينيه معلقتين بالكيس اللي في إيده.
صديقة نزلت لمستواه.
— بص يا حبيبي، أنا مش هضربك. بس مش هينفع تفضل تدخل من ورايا وتاخد العيش من غير ما أعرف.
الطفل بلع ريقه، وبعدين قال بصوت واطي:
— أنا مش باخده لنفسي.
صديقة استنت شوية، ثم سألته:
— أمال بتاخده لمين؟
الطفل بص للأرض.
— لماما.
سكتت صديقة.
الطفل كمل وهو بيشد الكيس بين إيديه:
— ماما كانت بتشتغل هنا زمان. ولما تعبت، بطلت تشتغل. وهي مش عايزاني أطلب من حد حاجة. بس ساعات ما بيبقاش عندنا عيش.
صديقة بصت له طويلًا.
— وأمك اسمها إيه؟
ماما نادية، وأنا حمدي
اسم ست كانت صديقة تعرفها، وكانت فعلًا اشتغلت في الفرن سنين طويلة، قبل ما المرض يمنعها من الوقوف على رجليها.
الطفل رفع عينيه لها.
— أنا كنت باخد ستة بس. عشان إحنا ستة في البيت.
صديقة فضلت ساكتة لحظة، وبعدين بصت للكيس القماشي القديم اللي في إيده.
— طب ما قلتليش ليه من الأول؟
الطفل هز كتفه.
— ماما قالتلي ما أطلبش من حد. وأنا كنت باخدهم من غير ما حد يشوفني.
ما ردتش صديقة فورًا. كانت فاهمة إن اللي عمله غلط، لكن فكرة إنه كان بييجي كل ليلة من غير ما يطلب مساعدة، ويفضل خايف يتقفش، ضايقتها أكتر من اختفاء العيش نفسه.
مدت إيدها وأخدت الكيس منه.
الطفل رجع خطوة لورا.
— والله مش هاخد تاني.
صديقة بصت له.
— مين قال إنك مش هتاخد؟
بص لها باستغراب.
حطت في الكيس ستة أرغفة من اللي اتبقوا في المخبز.
ناولته الكيس.
— من بكرة، هتدخل من الباب الأمامي، وتقول لي صباح الخير. ومش هتستنى لحد ما نكتشف إن العيش اختفى.
الطفل بص للكيس، ثم لها.
— يعني مش زعلانة؟
صديقة عدلت ياقة قميصه المكرمشة.
— زعلانة إنك كنت بتخاف تدخل من الباب.
خرج الطفل من الباب الخلفي، وهو ماسك الكيس بكلتا إيديه.
وفي الصباح، رجع حنفي للفرن، فلقى صديقة قاعدة عند المكتب، وقدامها دفتر الحسابات.
— نمتي هنا يا حاجة؟
— لأ، كنت مستنية العفريت.
حنفي وقف مكانه.
— وطلع؟
— طلع عيل من حارتنا، بيشيل ستة أرغفة لأمه وإخواته.
حنفي سكت، وبص للرفوف.
صديقة كملت:
— من النهارده، العيش اللي هنخصصه للناس اللي مش قادرة تدفع هيتسجل في الحسابات. مفيش عيش هيختفي، ومفيش حد هيدخل من الباب الخلفي خايف.
حنفي هز راسه.
— طب ما كنتِ قولتي من الأول إن الموضوع محتاج دفتر جديد، بدل ما أتهم القطط!
صديقة بصت له.
— أنت اتهمت القطط؟!
— كنت بحاول أوسّع دائرة المشتبه فيهم.
صديقة رجعت للدفتر، لكنها كانت بتبتسم.
بعدها بيومين، رجع مروان للفرن.
كان جاي ومعاه ورق جديد، بعد ما عرف من صاحب العقار إن المبنى محتاج إصلاحات كبيرة، وإن عقد الإيجار هينتهي بعد شهرين، وإن فيه متأخرات لازم تتسدد.
عرض على صديقة إنه يدفع تكاليف الإصلاحات والمتأخرات، مقابل شراء الفرن بالكامل.
المرة دي، صديقة ما سخرتش منه.
قالت:
— أنت تعرف الفرن ده فضل مفتوح كل السنين دي إزاي؟
مروان رد بثقة:
— لأنه مشروع ناجح.
صديقة ما ردتش. طلبت منه يستنى شوية، ثم دخلت المكتب ورجعت بدفتر الحسابات.
فتحته قدامه، وورّته أرقام المبيعات والمصروفات. كانت تكلفة الدقيق والوقود والصيانة بتزيد، بينما صديقة مصممة تفضل محافظة على سعر الرغيف في حدود اللي يقدر عليه أهل الحارة.
مروان قلّب الصفحات، ثم قال:
— أنتِ بتبيعي بأقل من السعر اللي يغطي مصاريفك في أيام كتير. لو فضل الوضع كده، مش هتقدري تسددي المتأخرات، حتى لو الفرن شغال طول اليوم.
صديقة ردت بهدوء:
— عارفة إن الحسابات صعبة. بس لو رفعت السعر كل ما التكلفة زادت، فيه ناس مش هتقدر تشتري العيش من هنا.
— ولو ما رفعتيش السعر، الفرن نفسه ممكن يقفل.
— عشان كده أنا بحاول ألاقي حل، مش أغيّر سعر الرغيف كل أسبوع.
مروان قفل الدفتر.
— وأنا شايف إن الحل إنك تبيعيه لحد يقدر يديره بطريقة مختلفة.
صديقة أخدت الدفتر منه.
— وأنت شايف إن كل مشكلة تتحل بالشراء والبيع.
خرج مروان من الفرن وهو مش مقتنع إنها هتغيّر رأيها، لكن المرة دي ما كانش متأكد إن عرضه هو الحل الوحيد.
في الأيام التالية، بدأ يراجع حسابات مشروعه هو كمان. كان عنده محل مخبوزات صغير، وبيفكر يفتح فرعًا جديدًا، لكنه اكتشف إن تكاليف الديكور والتجهيزات هتسحب جزءًا كبيرًا من السيولة اللي محتاجها لتشغيل المشروع.
رجع يدرس الأرقام من الأول. وكل ما يقارن بين شراء فرن البركة وتجديده بالكامل، وبين الدخول في شراكة لتطويره مع الحفاظ على نشاطه الأساسي، كان يكتشف إن شراء المكان هيكلّفه أكتر مما توقع.
لكن ده ما كانش السبب الوحيد اللي خلاه يراجع قراره.
في زيارة تانية للفرن، شاف الطفل حمدي داخل من الباب الأمامي. قال صباح الخير، ثم سألته صديقة عن حال أمه. رد عليها إنها أحسن شوية.
حمدي شكرها، وأخد كيسه ومشي، ولكن ناداه حنفي:
خد يا حمدي القرصتين دول من عمك حنفي.
حمدي: شكرًا يا عم حنفي.
مروان ما سألش عن تفاصيل الحكاية. لكنه لاحظ إن صديقة سجّلت كمية العيش المخصصة للمساعدة في الدفتر، وإنها بتحاول توازن بين المصروفات والالتزامات من غير ما تخفي الأرقام أو تتعامل مع المساعدة باعتبارها صدقة عشوائية.
سألها:
— أنتِ بتسجّلي العيش ده كله؟
— طبعًا. ده إنتاج له تكلفة، ولو مش عارفين تكلفته، مش هنعرف نكمّل.
— يعني أنتِ مش سايبة الموضوع على البركة؟
صديقة رفعت عينها له.
— اسم الفرن البركة، مش دفتر الحسابات.
ضحك مروان، ثم رجع بص للدفتر.
لأول مرة، بدأ يشوف إن اللي قدامه مش صاحبة فرن رافضة التطوير لمجرد العناد. كانت بتحاول تحافظ على حاجة لها قيمة عند أهل الحارة، وفي الوقت نفسه تواجه تكاليف حقيقية محتاجة إدارة مختلفة.
قال لها:
— طب لو الفرن محتاج فلوس عشان يفضل مفتوح، هتعملي إيه؟
— هنشتغل وندبّر نفسنا.
— ولو ما كفّاش؟
صديقة سكتت لحظة.
— هنعمل اللي نقدر عليه. بس مش هحوّله لمكان اللي معاه فلوس يدخل واللي ما معهوش يفضل بره.
مروان ما ردش فورًا. فتح الملف اللي جابه معاه، وراجع الأرقام مرة تانية.
— أنا مش هشتريه.
صديقة رفعت عينها له، كأنها بتتأكد إنه ما بيهزرش.
كمل:
— أقدر أشارك في تطويره، وأتحمل تكلفة الإصلاحات، وننظم الطلبات والتوصيل. بس لازم نعمل حسابات واضحة عشان الفرن يقدر يكمل. ونتفق من الأول على جزء من الإنتاج يفضل متاح للناس اللي مش قادرة تدفع.
صديقة بصت له.
— وأنت هتكسب إيه؟
— نسبة من الأرباح مقابل الإدارة والتطوير.
— كويس. على الأقل بتتكلم عن الفلوس بدل ما تعمل فيها فاعل خير.
مروان ضحك.
— وأنا كمان عندي مشروع محتاج يتطور، ومش هقدر أموّل كل حاجة لوحدي. الشراكة هتكون أنسب لينا إحنا الاتنين، بشرط إننا نتفق على كل حاجة من الأول.
صديقة مدّت إيدها للدفتر.
— يبقى نبدأ بالحسابات. وبعدها نشوف هنصلّح إيه الأول.
وبعد ما مروان مشي، طلبت صديقة من عم عبد الرحيم، أقدم سكان الحارة، إنه ييجي لها. كان عندها سؤال قديم رجع لذهنها بعد كلامها مع مروان: ليه أبوها كان بيعتبر الظرف البني أمانة، وما كانش بيفتحه قدام حد؟
وصل عم عبد الرحيم، ولما سمعها، ابتسم ابتسامة صغيرة.
— لسه فاكرة الظرف؟
— أيوه. هو فيه إيه؟
هز رأسه، وقال:
— أبوكي قال لي يوم ما تعب إنك هتعرفي وقته لما تحتاجيه. وأنا كنت فاكر إنه هيفضل في الدرج لحد ما يضيع.
راحت صديقة للمكتب، وفتحت الدرج. كان الظرف في مكانه، تحت دفتر قديم للحسابات. أخرجته بحذر، وفتحت الظرف للمرة الأولى.
جواه صورة قديمة للفرن، قبل ما يتدهّن بابه بالأزرق، وورقة عليها توقيعات كتير.
قرأ عم عبد الرحيم أول سطر، ثم ناولها الورقة.
كانت بتحكي إن صاحب الفرن القديم اضطر يبيعه بعد ما خسر فلوسه، لكنه ما كانش عايز المكان يتقفل أو يتحول لمخزن. وقتها، كانت صديقة طفلة صغيرة، وأبوها هو اللي تولّى مسؤولية شراء الفرن وتشغيله. أهل الحارة جمعوا مبلغًا ساعده على إتمام الشراء، ووقّع الأب وعدًا إن المكان يفضل مفتوحًا لأهل الحارة، وإن محدش يرجع من بابه من غير رغيف لمجرد إنه مش قادر يدفع ثمنه كاملًا.
ما كانتش الورقة عقدًا يمنع البيع، ولا قانونًا يجبر حد على حاجة. كانت وعدًا كتبه أبوها قدام الناس اللي وقفت جنبه، واحتفظ به لأنه ما كانش عايز ينسى يومًا إن الفرن ما قامش بمجهوده وحده.
صديقة مررت صباعها على التوقيعات.
— دول كلهم ساهموا؟
عم عبد الرحيم هز رأسه.
— كل واحد على قد ما قدر. واحد دفع فلوس، وواحد جاب خشب للتصليح، وواحد اشتغل يومين من غير أجر. أبوكي كان يقول إن كل واحد فيهم حط رغيفًا في الفرن قبل ما الفرن يطلع أول رغيف.
صديقة فضلت ساكتة، ثم طوت الورقة بعناية.
في اليوم التالي، ورّت مروان الصورة والورقة. قرأ التوقيعات، ووقف عند اسم صاحب الفرن القديم.
— هو باع المكان، ومع ذلك اسمه موجود؟
— لأنه ما باعش المكان عشان يخلّص منه. باعه وهو عايز يضمن إنه يفضل فرن.
مروان أعاد الورقة إليها.
— يبقى لازم نصلّحه من غير ما نمسح حكايته.
بدأت الإصلاحات بعد أسبوع.
ما كانش الطريق سهلًا. أول ما المقاول كشف السقف، اكتشف إن جزءًا من الخشب الداخلي محتاج يتغيّر بالكامل، وإن تكلفة الإصلاحات هتزيد عن التقدير الأول. وفي الوقت نفسه، المورد اللي بيجيب الدقيق أعلن عن زيادة جديدة في السعر، فبقت الحسابات أضيق من المتوقع.
مروان اقترح على صديقة ترفع سعر الرغيف مؤقتًا، لحد ما يقدروا يغطوا التكلفة الإضافية.
صديقة رفضت.
— الناس لسه خارجة من زيادة الشهر اللي فات. مش هقدر أزود عليهم تاني.
مروان حط القلم على المكتب.
— لو فضلتِ مصممة على السعر ده، هنحتاج نغطي الفرق من مكان تاني. وأنا مش هقدر أتحمل أي زيادة من غير ما نراجع الخطة.
— يبقى نراجعها. نشوف إيه اللي ممكن يتأجل، وإيه اللي ممكن نوفّر فيه من غير ما نقلل جودة العيش.
— السقف ما ينفعش يتأجل، والمعدات القديمة بتعطّل الشغل.
— وأنا ما قلتش نأجل السقف. قلت نوفّر في اللي نقدر عليه.
قعدوا يراجعوا الحسابات بندًا بندًا. قرروا يأجلوا تجهيز منطقة الجلوس اللي كان مروان عايز يضيفها، ويركزوا في المرحلة الأولى على إصلاح الفرن، وتحديث معدات العجن، وتنظيم التوصيل. واتفقوا إن أي قرار يخص سعر الرغيف أو كمية الإنتاج المخصصة للمساعدة لازم يتراجع في ضوء المصروفات الفعلية، مش بمجرد التوقعات.
المقاول بدأ الشغل من جديد، والمعدات اتصلحت واحدة واحدة، والطلبات اتنظمت من خلال دفتر واضح، بدل الاعتماد على الذاكرة والحسابات المتفرقة.
أما اليافطة، فصديقة أصرت على ترميمها من غير ما تغيّر حرفًا واحدًا.
مروان اقترح يضيف تحتها عبارة صغيرة عن تاريخ الفرن.
رفضت.
— اللي عايز يعرف الحكاية، يدخل يشتري عيش ويسأل. مش لازم نحط تاريخنا على الحيطة.
ومع مرور الأيام، زادت الطلبات، وبقى فيه زباين بييجوا من أحياء بعيدة مخصوص عشان يجربوا العيش البلدي. مروان بدأ يحقق مكسبًا، وصديقة قدرت تسدد جزءًا من المتأخرات، وحنفي بقى يفتخر إن العيش عندهم بيوصل لحد البيوت.
والأهم إن حمدي ما بقاش يدخل من الباب الخلفي.
كل صباح، كانت صديقة بتسأله عن حال أمه، وتطمن إنه أخد الكيس اللي متفقين عليه. ومع الوقت، بقى يدخل من الباب الأمامي من غير خوف، ويقف شوية يحكي لها عن يومه قبل ما يمشي.
وفي يوم، دخل مروان الفرن بدري، فلقى صديقة بتحط ستة أرغفة في كيس قماشي قديم.
سألها:
— لسه ستة بالعدد؟
ردت وهي بتربط الكيس:
— أيوه. البيت ستة أفراد.
حنفي، اللي كان بيسمع من عند العجّانة، تدخل:
— والقرصتين من عندي. أنا اللي بعجنهم.
صديقة بصت له.
— وإنت بتدفع تمن الدقيق من جيبك؟
— لأ.
— يبقى من عندي أنا يا حنفي، ما تعملش فيها صاحب فضل.
مروان ضحك، ثم حمل الكيس وعلّقه على المسمار القريب من الباب الأمامي، جنب مكان استلام الطلبات.
— كده حمدي ياخده من هنا وهو داخل.
صديقة بصت للمسمار، ثم هزت رأسها موافقة.
— أهو ده التطوير اللي كنت مستنياه منك.
بعدها بكام يوم، كان مروان بيراجع الحسابات، فلاحظ إن كمية العيش المنتجة أكبر من الكمية المباعة، بفارق صغير بيتكرر كل أسبوع، ونسي أن ده بالفعل موجود، و راح لصديقة بالدفتر.
— فيه عيش مش داخل في الحسابات.
ردت من غير ما ترفع عينها:
— عارفة.
— وده هيأثر على الأرباح.
— مش هنخبي حاجة في الحسابات. سجّل كمية العيش اللي بنخصصها للمساعدة، وخليها بند واضح. اللي محتاجينه مش عيب، واللي بنعمله مش سرقة من المشروع.
مروان هز رأسه ودوّن الرقم.
— كده الحسابات تبقى مظبوطة.
حنفي رفع صباعه من بعيد.
— طالما بنظبط الحسابات، سجّل كمان الرغيف اللي باكله كل يوم بعد الشغل.
صديقة ردت فورًا:
— سجّله باسمك، وخصمه من مرتبك!
حنفي رجع للعجين وهو بيضحك.
بعد ثلاثة شهور، بقى فرن البركة قادرًا يغطي مصاريفه، والطلبات زادت، والناس رجعت تثق إن المكان مش هيتقفل فجأة.
أما مروان، فبقى ييجي كل صباح من غير ما يصوّر اليافطة. ساعات يساعد في الحسابات، وساعات يقف يتفرج على حنفي وهو بيحاول يقنع صديقة إن العجين محتاج إجازة أسبوعية.
وفي يوم، دخل الفرن ولقى صديقة واقفة على سلم صغير، بتحاول تثبّت مسمارًا في طرف اليافطة.
قال لها:
— يا حاجة، ما تسيبيها لحد يظبطها؟ أنتِ كل شوية تصلحي فيها حاجة.
ردت من فوق السلم:
— ما أنا لو سبتها لك، هتعملها شاشة إلكترونية وتكتب عليها أسعار العيش بالإنجليزي.
ضحك مروان، ثم ناولها المطرقة.
وبينما كانت بتثبت المسمار، لمح تحت اليافطة علامة قديمة محفورة في الخشب، بالكاد باينة من أثر الدهان.
نزلت صديقة من السلم، ومسحت التراب عنها بطرف المريلة.
كانت ثلاثة أسماء صغيرة، مكتوبة جنب بعض: اسم أبوها، واسم عم عبد الرحيم، واسم صاحب الفرن القديم.
سألها مروان:
— مين اللي حفر الأسماء دي؟
صديقة التفتت للعلامة، وسكتت لحظة.
— أبويا.
— ليه؟
— أبويا حكالي في أخر أيامه أنه حفرهم بعد وقفت أقل البلد معاه علشان يشتري الفرن، الله يرحمه كان فرحان بوقفتهم جنبه، فعمل كده علشان يفضل فاكرهم
مروان فضل باصص للأسماء، ثم قال:
— كويس إنك ما غيّرتيش اليافطة.
صديقة ابتسمت.
— كنت هغيّرها يعني؟
من جوه الفرن، طلع صوت حنفي:
— يا حاجة صديقة! الرغيف ده يتحسب من الطلبات ولا من بند الأسرار؟
صديقة لفتت له.
— لو اتحرق، يتحسب عليك أنت!
حنفي بص للرغيف في إيده، وبعدين بص لمروان.
— شفت؟ أهو ده السبب الحقيقي اللي مخليني مكمل معاها كل السنين دي. لو مشيت، هتحمّلني تمن العيش المحروق!
ضحك مروان، وضحكت صديقة.
وفي اللحظة دي، دخل حمدي من الباب الأمامي، وقال بصوت واضح:
— صباح الخير يا حاجة!
صديقة رفعت إيدها من بعيد.
— صباح النور يا حبيبي. أمك عاملة إيه النهارده؟
— أحسن، وبتقول لك تسلمي.
— الله يسلمها. طمّنها إني هبعت لها العيش بعد كده مع أول مشوار للشارع عندكم.
حنفي جهّز الكيس القماشي، وحط فيه ستة أرغفة، وربطه كويس قبل ما يديه لحمدي.
حمدي شكره، وأخد الكيس بكلتا إيديه، وخرج من بابه الأمامي
حنفي رجع للعجين، ومروان رجع لحساباته، وصديقة وقفت لحظة قدام الباب الأزرق، وبصت فوق الباب الأزرق، فضلت اليافطة معلّقة بحروفها القديمة:
فرن البركة.. عيشنا على قد الجيب، مش على قد الكلام.
صوتيلهذه القصة تسجيلٌ صوتيّفي ليلة تعيد إلى شهريار ذكرى خيانته القديمة، تعرف شهرزاد أن اختيار الحكاية قد يحدد مصيرها. وبين سيف ينتظر وفجر يتأخر، تبحث عن كلمات تلمس قلب الملك دون أن توقظ غضبه. قصة عن قوة الحكايات حين تصبح وسيلة للنجاة.

في طريقه إلى الحج، يلتقي الخليفة هارون الرشيد ببهلول، الرجل الذي اختلف الناس في أمره: أمجنون هو أم حكيم يرى ما لا يراه الآخرون؟ يطلب الخليفة منه موعظة، فيجيبه بكلمات قليلة تهزّ هيبة الموكب وتضع القصور والمال والسلطان أمام حقيقة لا يستطيع أحد الهرب منها. حكاية قصيرة عن الزهد، والرزق، والحكمة التي قد تأتي من أبعد الناس عن مظاهر القوة