تخطّي إلى المحتوى

نار أبو متعب

بواسطة فريق مُلهموقت القراءة ٤ دقائق
١قراءة

في قلب البر، يضل شاب طريقه بعد أن تغرز سيارته، حتى تقوده نار بعيدة إلى خيمة رجل مسن يُدعى أبو متعب. هناك يكتشف سر نار لم تنطفئ منذ عشرين عامًا، أشعلها الشايب انتظارًا لابنه الذي فقده في البر، ثم جعلها ملجأً لكل ضائع وعابر.

نار أبو متعب

يقولون إن في البر، بين الرياض والقصيم، فيه نار توقد كل ليلة من عشرين سنة... ما طفت ولا ليلة وحدة.

القصة بدت مع شاب اسمه فهد، من جماعة المدينة اللي ما يعرفون من البر إلا صور الكشتات. كان راجع بليل من مشوار، وقال: أختصر الطريق وأدخل من الطعوس... وطبعًا اللي يختصر بالبر وهو ما يعرفه، البر يعلّمه.

السيارة غرزت بالرمل، والشبكة ولا شريط، والجو برد يقص المسمار، والدنيا ظلمة ما تشوف فيها كفك.

جلس فهد ساعة يحاول يطلّع السيارة لين تعب، وبدا الخوف يدب فيه.

قال وهو يطالع حوله:

— يا الله... أنا وين وش سويت بنفسي؟

ورفع راسه...

شاف نار.

نار صغيرة بعيدة، على راس طعس.

مشى لها فهد مشي الغريق للخشبة. نص ساعة وهو يمشي، لين وصل لخيمة شعر قديمة، وقدامها رجّال كبير بالسن، شايب، جالس عند النار وجنبه دلة قهوة، كأنه قاعد ينتظر أحد.

أول ما شافه الشايب، قام له وهو يهلّي:

— هلا والله بالضيف! هلا بمن جانا! تفضل تفضل، جتك العافية، اقرب من النار.

قال فهد وهو يرجف من البرد:

— يا عم الله يجزاك خير، سيارتي غرزت ورا الطعوس، وأنا من ساعتين أدور...

قاطعه الشايب:

— السالفة لها حل، بس الضيف أول. اجلس اصطل بالنار، والقهوة حاضرة والعشا ياسر.

وجلس فهد.

صب له الشايب فنجال قهوة لونه يفتح النفس، وقام يجهز له عشا من حلاله، وما كان عنده إلا القليل.

وفهد يحلف عليه:

— يا عم لا تكلف على نفسك!

والشايب يرد:

— يا وليدي، الضيف إذا جاك، رزقه جاي معه... وأنت وجهك وجه خير.

تعشوا، وسولفوا عند النار.

وفهد طول الليل يلاحظ شي غريب.

أبو متعب كل شوي يبعد بعيونه على الظلمة، يطالع بعيد، كأنه يترقب أحد جاي.

وكل ما خفتت النار، قام لها بسرعة وحط عليها حطب، حتى لو ما كانوا محتاجين حرارتها.

آخر الليل، استحى فهد يسأل، بس الفضول غلبه:

— يا عم أبو متعب... لا تؤاخذني، بس أشوفك ما تخلي النار تخفت أبد، وأنت ساكن هالطعس بروحك بعيد عن الديرة... ليه؟

سكت الشايب شوي.

طالع النار.

وبعدين تكلم بصوت هادي، هدوء اللي تعوّد على الجرح:

— يا وليدي... كان عندي ولد، اسمه متعب.

سكت لحظة، وكأنه يستجمع نفسه.

— الله لا يوريك الفقد. قبل عشرين سنة، طلع بليل يقفي إبل شاردة، وضاع بالبر.

خفض أبو متعب عيونه وقال:

— دوّرنا عليه أنا والفزعة والجماعة أسبوع... ما لقينا إلا عقاله.

سكت فهد.

والشايب كمّل وهو يعدّل الحطب:

— الناس قالوا لي: انسَ يا أبو متعب، وانتقل للديرة عند عيالك.

ابتسم ابتسامة فيها وجع:

— قلت لهم: أنتقل؟! طيب لو رجع الوليد بليل، من يوقد له؟

رفع رأسه للنار.

— ومن يومها وأنا هنا.

سكت قليلًا، ثم قال:

— كل ليلة أشب النار، وأحط القهوة، وأنطر.

قالوا لي الناس: وش الفايدة؟

قلت لهم: ما أدري... بس قلت بيني وبين ربي:

— يا رب، إن كان ولدي ما عاد لها... فلا تخلي ناري تنطفي قبل ما تنقذ أولاد الناس.

ثم ابتسم للشاب وقال:

— وصدقني يا وليدي... من يومها، وكم واحد ساقته دروبه لهالنار. واحد غرزت سيارته، واحد ضيّع الطريق، واحد ضيّع ربعه، وواحد ما عاد يدري وين يروح من شدة البرد.

حرك الحطب بطرف الملقاط.

— كلهم عيالي.

ثم قال بهدوء:

— كلهم متعب.

دمعت عين فهد وهو يسمع.

وفهم ليش الشايب قام يهلّي قبل لا يوصل.

الرجّال من عشرين سنة يستقبل كل ظل يطلع من الظلمة، وقلبه يقول:

عساه هو.

________________________________________

مع طلوع الشمس، طلع أبو متعب مع فهد للسيارة.

وبعد جهد، سحبوا السيارة بالجيب القديم اللي عند الشايب.

لما تأكد فهد إن سيارته طلعت، رجع لأبو متعب وحاول يدس له مبلغًا في يده.

لكن الشايب رد يده وعصّب أول مرة:

— عيب! تبي تدفع لأبوك؟!

ضحك فهد وقال:

— أبد يا عم، بس هذا أقل واجب.

رد أبو متعب:

— روح يا وليدي بحفظ الله.

ثم سكت لحظة وقال:

— وإذا مريت من هالديرة... دق علي السلام يكفي.

لكن فهد ما اكتفى بالسلام.

صار كل شهر يجي هو وربعه، يجيبون معهم حطب وتموين، ويقعدون مع الشايب، ويتعلمون منه سواليف البر والأولين.

ومع الوقت، كبرت السالفة.

صارت «نار أبو متعب» معروفة عند أهل الدرب.

كل واحد يعرفها صار يقول للي يطلع للبر:

— إذا ضيعت الطريق، دور نار أبو متعب.

وصارت النار علامة يهتدي بها المسافرون في المنطقة.

وكل ما جاء ضيف، كان أبو متعب يستقبله بنفس الجملة:

— الضيف إذا جاك، رزقه جاي معه.

________________________________________

وقبل سنتين، توفى أبو متعب رحمه الله.

توفى بالليل، وهو نايم جنب ناره، ودلته حاضرة عنده...

مستضيف حتى بآخر ليلة.

وتقولون انطفت النار؟

لا والله.

فهد وربعه ما نسوا الشايب.

بنوا مكانها استراحة صغيرة مفتوحة لكل عابر، وصاروا يوقدون النار كل ليلة بالتناوب.

حطب، وقهوة، وماء، ومكان يأوي له اللي انقطعت به السبل.

وحطوا لوحة عند مدخل الاستراحة، كتبوا عليها وصية أبو متعب:

«الضيف إذا جاك، رزقه جاي معه.

هالنار وقيدة لعيون كل ضايع...

فلا تخلونها تنام.»

ويقول اللي يعرفون السالفة:

أبو متعب دوّر على ولد واحد ضاع منه...

فرد الله عليه بمئة ولد، كلهم يوقدون ناره.

________________________________________

العبرة

الطيب ما يموت.

أبو متعب حوّل أكبر جرح بحياته إلى نار تنقذ الناس.

وهذا هو الكرم على أصوله:

مو بس تعطي من زودك...

تعطي وأنت مجروح.

والأثر الطيب يا طويل العمر ما ينطفي بموت صاحبه...

يصير نار يوقدها اللي من بعده.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

الصياد وسمكة الدهب
حواديت بالعامية / قصص باللهجة المصرية

الصياد وسمكة الدهب

يجد الصياد عوض سمكة ذهبية تمنحه أمنية واحدة، فيطلب بيتًا صغيرًا يؤمّن له ولزوجته حياة هادئة. لكن حين يبدأ في مقارنة ما لديه بما يملكه الآخرون، تتحول نعمة البيت في عينيه إلى شيء قليل. حكاية دافئة عن الرضا، وخطر الطمع، وقيمة النعمة التي بين أيدينا.

١قراءة
صندوق المفقودات
قصص أطفال / حكايات المدرسة

صندوق المفقودات

في صندوق المفقودات بالمدرسة، يجد زياد رسالة غامضة تقوده إلى اكتشاف سر زميله ياسين، الذي كان يختبر بطريقة مؤلمة إن كان أحد سيسأل عنه. قصة إنسانية عن الوحدة، والصداقة، وأثر كلمة بسيطة قد تجعل شخصًا يشعر للمرة الأولى أنه ينتمي إلى مكان.

١قراءة
مقبرة الأفكار  العظيمة
قصص خيالية / مغامرات خيالية

مقبرة الأفكار العظيمة

يصل الكاتب يحيى إلى مكتبة غامضة يكتشف أنها ليست مكتبة عادية، بل «مقبرة» تضم آلاف الأفكار والقصص التي ماتت قبل أن ترى النور بسبب الخوف والتردد وانتظار الكمال. وعندما يجد كتابًا يحمل اسمه، يواجه الحقيقة التي ظل يهرب منها، ويدرك أن الفكرة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية كي تُكتب… بل تحتاج إلى الشجاعة كي تبدأ.

٢قراءة
نار أبو متعب · مُلهم