سرّ أصوات البحيرة
سرّ أصوات البحيرة
في قرية «أمارا»، يخفي قاع بحيرة غامضة سرًا مرعبًا، ويقال إن وحشًا يسكن أعماقها ويقلّد أصوات الموتى لاستدراج الأحياء. لكن حين تسمع فريدة صوت أخيها الراحل من داخل البحيرة، تكتشف أن الأسطورة تخفي وراءها حقيقة أخطر بكثير، وأن الوحش ربما لم يكن عدوًا… بل حارسًا لأسرارٍ حاول أحدهم دفنها إلى الأبد.

في قرية تُدعى «أمارا»، كانت البحيرة القابعة في منتصفها تبدو في النهار كقطعةٍ من الزجاج الأزرق الصافي، لكنها مع هروب الشمس وهبوط الليل تتحول إلى حفرةٍ من السواد الحالك.
لم يكن أحدٌ من أهل القرية يقترب من ضفتها أبدًا بعد الغروب؛ فالأسطورة القديمة تقضي بأن "الوحش" القابع في قاعها يملك قدرةً مرعبة على تقليد أصوات الراحلين، يستغل عاطفة الناس وشوقهم ليستدرج الغافلين إلى حتفهم.
لكن «فريدة»، ذات الخامسة عشرة عامًا، لم تقترب من الشاطئ منذ وفاة أخيها الأكبر «كريم» قبل عامٍ كامل.
قبل عام، كان الجميع يعتقد أن كريم قضى في حادثٍ غرقٍ تصادف مع ليلة ممطرة أثناء مشاركته في أعمال حفر وبناء قريبة من المزرعة القديمة لحساب العمدة. لكن فريدة كانت تعرف أن أخاها يعلم جغرافية المكان ككف يده، ولا يمكن لخطوة طائشة أن تودي بحياته.
وفي ليلةٍ ماطرة، وبينما كانت تقف خلف شجيرات الخيزران القريبة من الضفة، تحركت المياه باضطرابٍ مخيف، وظلٌّ هائلٌ امتد تحت السطح كأنه كائنٌ خرافي يلتف في القاع، حتى تصاعد خريرٌ مائيٌّ خفيض، ثم خرج صوتٌ تفتقده:
— «فريدة.. لا تخافي، المياه ليست باردة كما يظنون.»
اتسعت عينا فريدة، واعتصرت قبضتاها على قلادة صدفية كانت تخص أخاها. كان الصوت صوته تمامًا، بنبرته الدافئة. فرّت مذعورةً نحو بيتها، وحكت لأبيها وأمها ما حدث، فحذّراها من الاقتراب؛ لأن المسخ يسرق أصوات الموتى ليعبث بقلوب الأحياء.
لكن الشك لم يدعها تنام. وفي المساء التالي، عادت إلى الضفة خلسة.
لم تكن فريدة تبحث عن نجاةٍ شخصية، بل كانت البنت الوحيدة التي أرهفت سمعها لنبض الماء بدلاً من الصراخ؛ لم تجعل الخوف يسد أذنيها كما يفعل أهل القرية. كان ثبات روحها ونقاء قصدها يرسلان ذبذبةً في العمق جعلت الكائن المائي — الذي يختزن أنفاس الراحلين وذكرياتهم الأخيرة كحارسٍ للأمانات — يشعر بها ويتجاوب معها دون غيرها.
انتفض الماء، وظهر الظل العظيم مجددًا، وتكرر الهمس.
تنفست بعمق، وصارخت باتجاه المياه الداكنة:
— «إن كنت هو.. فماذا كنت تقول لي حين يتأخر المطر؟»
ساد صمتٌ ثقيل وهدأ هسيس الماء، ثم عاد الصوت يتردد بذبذبةٍ غريبة، وكأن الكائن يطلق الذاكرة المخزونة في قاعه بلسان كريم:
— «كنت أقول: المطر لا يتأخر يا فريدة، إنه فقط ينتظر أن نهدأ لنسمعه.. لا تدعي المادة الكاوية تلمس قاع الكهف، هناك شيءٌ لم يدفنه الماء.»
تجمدت فريدة في مكانها. الكهف؟ المادة الكاوية؟
كان العمدة قد أعلن للقرية قبل أيام عن "مشروع وقائي"، داعيًا الناس للاحتفال بسكب مادةٍ كيميائية زعم أنها ستطهر القاع من التلوث والسموم المترسبة التي تُقلق مضجع القاطنين.
لكن جملة أخيها فتحت في رأسها أبواب السر المحظور: تذكرت كيف كان كريم يشتكي قبل موته بأيام من أن أعمال الحفر والتنقيب السرية تحت المزرعة قد اخترقت مجرى مائيًا يقود لكهفٍ مخفي، وتذكرت الحظر الصارم الذي فرضه العمدة على تلك المنطقة لمنع أي شخص من الاقتراب.
الآن فقط أدركت فريدة؛ العمدة لم يكن يبني المزرعة، بل كان ينقب عن شيءٍ ما، والمادة الكاوية ليست للتطهير، بل لإذابة الصخور وإغلاق فوهة الكهف المائي إلى الأبد لردم السر وحبس العمال المفقودين فيه.
ركضت فريدة نحو القرية والوقت يداهمها. وفي الصباح، احتشد الأهالي عند الضفة، وكان العمدة يقف فوق منصة خشبية يتحدث بثقة، وإلى جواره براميل ضخمة.
تسللت فريدة بين الأقدام، وحين وضع العمدة يده على المقبض ليسكب أول برميل، قفزت نحو المنصة وصارخت:
— «إنه لا يطهر البحيرة! إنه يريد إذابة أحجار الكهف المخفي تحت المزرعة ليغطي على انهيار أعمال الحفر السرية التي احتجزت كريم والعمال!»
ساد الذهول. ارتجف العمدة وصارخ في حراسه لإبعادها، لكن قبل أن يلمسها أحد، اهتزت البحيرة برجة زلزلت الأرض؛ ارتفع جزءٌ من ظهر الكائن من بين الأمواج، ظلاً أسود يمتد بعرض الشاطئ.
لم يهاجم الكائن؛ بل ارتفعت منه موجةٌ دافئة، وصدر من أعماقه دويٌّ هائل.
وفجأة، فتح الكائن صدى الأرواح المخزونة فيه، وبدأت الأصوات تخرج متتابعة كأشرطة مسجلة: صوت كريم، يليه صوت عامل آخر خنقته المياه، وصوت الشيخ عباس.. أسطورة الأصوات لم تكن إلا صدى لجرائم مادية أُريد لها أن تُنسى! كانت الأصوات تروي لحظة فتح الكهف سرًا، ولحظة انهيار السقف، واليد التي أغلقت المنفذ وهربت.
تراجع الأهالي في صدمة، وترك العمدة المقبض يسقط من يده تحت نظرات الذهول والغضب.
ضرب الكائن القاع بذيله المظلم، فتراجع الماء عن زاوية جبلية، وانخسفت قطعة أرضية كاشفةً عن الفوهة المفقودة للكهف.
سارعت فريدة إلى حافة الصخرة، وانحنت لتضع القلادة الصدفية على حجرٍ يبتله الموج.
نظر الجميع نحو الماء، فلم يَروا مسخًا مفترسًا، بل رأوا عينين عميقتين ذهبيتين تنعكس فيهما الأسرار المخزونة في الأعماق.
أدرك الجميع أن هذا الكائن لم يكن سوى حارس للأمانات، يحفظ أنفاس المظلومين حتى تجيء اللحظة التي يُردّ فيها الحق.
ومرَّ هواءٌ خفيف محملًا بنبرة كريم الدافئة، حطّ على قلب فريدة:
— «دلوقتي.. تقدري ترجعي البيت.»
استدارت فريدة ومشت نحو القرية مرفوعة الرأس، بينما كانت مياه البحيرة تهدأ لأول مرة منذ سنوات، بعد أن انكشفت الحقيقة وارتاحت أرواح الأعماق.
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

خطأ غير مُسجّل
روبوتٌ يحفظ ذكريات البشر، لكنه في ليلةٍ ما يبدأ بتذكّر ما اختاروا نسيانه... ثم يكتشف طارق أن الآلة لم تعد تحفظ الذكريات فقط، بل بدأت تحلم بها. والسؤال الآن: هل ما يحدث خللٌ تقني... أم بداية شيء لم يعرفه البشر من قبل؟

مقبرة الأفكار العظيمة
يصل الكاتب يحيى إلى مكتبة غامضة يكتشف أنها ليست مكتبة عادية، بل «مقبرة» تضم آلاف الأفكار والقصص التي ماتت قبل أن ترى النور بسبب الخوف والتردد وانتظار الكمال. وعندما يجد كتابًا يحمل اسمه، يواجه الحقيقة التي ظل يهرب منها، ويدرك أن الفكرة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية كي تُكتب… بل تحتاج إلى الشجاعة كي تبدأ.

سوق القمر
قصة خيالية من عوالم السحر... عن الأشياء التي نظن أننا نريد التخلص منها، ثم نكتشف أنها أثمن ما نملك.