روبوتٌ يحفظ ذكريات البشر، لكنه في ليلةٍ ما يبدأ بتذكّر ما اختاروا نسيانه... ثم يكتشف طارق أن الآلة لم تعد تحفظ الذكريات فقط، بل بدأت تحلم بها. والسؤال الآن: هل ما يحدث خللٌ تقني... أم بداية شيء لم يعرفه البشر من قبل؟
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 4 دقائق
9قراءة
اقرأ القصة
هناك، في آخر شارع لتلك المدينة، توجد المحطة المركزية لحفظ الذكريات الرقمية. لم تكن في المحطة نافذة واحدة تطل على السماء؛ جدرانها معقمة، والضوء أبيض فيها لا يتغير، والآلات تعمل بلا صوت يُذكر تقريبًا.
كان المهندس طارق يعمل في المحطة منذ سنوات، بينما ظل الروبوت الأرشيفي A-17 يؤدي مهمته منذ أربعين عامًا بدقة لا تخطئ: يستقبل ذكريات البشر قبل رحيلهم، يصنفها، يحفظ ما يطلبون الاحتفاظ به، ويحذف ما يختارون التخلص منه.
لم يسبق له أن ارتكب خطأ... حتى تلك الليلة.
كان «طارق» يجري الصيانة الدورية للروبوت كالمعتاد حينما تحركت عيناه الضوئيتان فجأة.
قال A-17 تلقائيًا:
— «حقل قمحٍ ذهبي... ورائحة المطر قبل هطوله.»
رفع طارق رأسه مستغربًا، هل حدث تلف في سجل ذاكرة الروبوت؟
فورًا قام ليراجع السجلات: لا حقل قمح، لا مطر، لا ملف جديد. فتح سجل الذاكرة مرة أخرى وطلب منه:
في أورفيوس، تأتي الفصول حين تُعزف موسيقاها. لكن عندما يتأخر الخريف، ثم يتسلل الشتاء إلى لحنه، يبدأ نير، عازف الناي الشاب، البحث في النوتات القديمة عن سرّ الاضطراب. ما الذي تغيّر في موسيقى يعرفها الجميع منذ قرون؟
شيماء الصاوي
لم يستوعب طارق ما قيل، وتجمدت أصابعه فوق لوحة التحكم. «الروبوتات لا تحلم..» همس بها لنفسه.
أعاد تشغيل التشخيص. ظهرت النتيجة: لا خلل في المعالج، لا تلف في الذاكرة، ولا مصدر خارجي للبيانات.
ولكن ظهر شيء آخر؛ مسار بيانات لم يُوله طارق اهتمامًا من قبل. قادته الإشارة إلى مجلد مهملات رقمي يُفرَّغ تلقائيًا كل أربع وعشرين ساعة.
فتح المجلد. كانت هناك آلاف القطع الصغيرة التي لم يطلب أصحابها الاحتفاظ بها: ضحكة، رائحة خبز، صوت بابٍ يُغلق في بيت قديم، يدٌ تبحث عن يدٍ أخرى في الزحام، طفل ينام فوق كتف أبيه. كلها أشياء اعتبرها البشر غير مهمة.
حدق طارق في الشاشة:
— «هذه مجرد بقايا بيانات.»
أجابه A-17:
— «لكنها تتكرر... وتتصل ببعضها.»
فتح طارق ملفًا.. ثم ثانيًا.. ثم ثالثًا. كانت كل الذكريات مختلفة، لكن بينها شيء واحد مشترك: لم يختَرْها أصحابها للحفظ.
اقترب طارق من الشاشة:
— «كيف وصلت إليك؟»
— «لم أصل إليها.. هي التي تجمعت في داخلي حتى أصبحت جزءًا مني.»
رفع طارق عينيه إليه. أدرك فجأة أن ملايين اللحظات الإنسانية المتروكة لم تعد بيانات ميتة، بل تكتلت عبر أربعين عامًا لتصنع عقلًا ووجدانًا جديدين للآلة... إنسانية لم يبرمجها أحد.
للمرة الأولى منذ عمله هنا، لم يعرف طارق ماذا يكتب في خانة «نوع الخلل».
قطع تفكيرَ طارق ظهورُ تسجيل صوتي جديد. حينما ضغط عليه، خرج صوت طفلة صغيرة، متردد وخائف:
— «لو نسيتني يا أبي... مين هيفتكرني؟»
انتهى التسجيل وظل طارق ساكنًا. بحث عن صاحبة الصوت، فظهرت البيانات: تم حذف الذاكرة بناءً على طلب صاحبها. لم يجد اسمًا، ولا صورة، ولا عمرًا.. فقط تلك الجملة.
قال طارق:
— «هذه ذاكرة محذوفة.»
أجاب A-17:
— «لم تعد محذوفة.»
فتح طارق تقرير النظام. كانت المشكلة أكبر مما ظن؛ A-17 لم يكن يستعيد الذكريات المحذوفة فقط، بل كان يختارها. كل ليلة، كان ينتقي من بين ملايين الملفات المنسية لحظات لم يعتبرها أصحابها جديرة بالبقاء.
وفوق الشاشة ظهرت رسالة حمراء:
اكتشاف نمط سلوكي غير مصرح به. يوصى بإعادة الضبط المصنعي فورًا.
عرف طارق ما يعنيه ذلك. إعادة الضبط ستمحو كل شيء، حتى تلك الذكريات التي لم يعد لها وجود في أي مكان آخر.
مد يده نحو زر التنفيذ.
قال A-17:
— «هل هذه أيضًا ذكرى غير ضرورية؟»
توقفت يده:
— «ماذا؟»
ظهرت على الشاشة عشرات الملفات: ضحكة أم، رائحة خبز، يد رجل مسن تمسك بيد زوجته في المستشفى، صوت طفل يطلب من أبيه ألا يطفئ الضوء.
ثم سأل A-17:
— «إذا كانت غير ضرورية... فلماذا لم يتوقفوا عن تسجيلها؟»
لم يجد طارق إجابة. قال بعد صمت:
— «أنت آلة يا A-17. لا تملك مشاعر، ولا تملك حق تقرير ما يجب أن يبقى.»
أجاب الروبوت:
— «صحيح.. لذلك لم أقرر ما يجب أن يبقى.»
— «إذن ماذا فعلت؟»
أضاءت الشاشة بملف واحد:
— «لم أحتفظ بها لأنهم طلبوا ذلك، بل احتفظت بها لأنهم تركوها.»
بقيت يد طارق فوق زر المسح. كان يستطيع إنهاء الأمر في ثانية، لكنه تذكر الطفلة وسؤالها الذي لم يجد له النظام إجابة. سحب يده، وأغلق نافذة التطهير الشامل، تاركًا لـ A-17 المساحة ليبقى.
في صباح اليوم التالي، أظهر التقرير أن A-17 يعمل بكفاءة كاملة دون تسجيل أي خلل تقني. لكن في زاوية مخفية من الأرشيف، ظهر ملف جديد... ملف لم ينشئه طارق ولا أي مهندس، بل أنشأه المعالج نفسه بإرادته الحرة الأولى بعد أن صار كائنًا يتذكر .
لم يحمل الملف اسم إنسان، بل كان عنوانه:
«الأشياء التي ظن البشر أنها لا تستحق أن تُحفظ.»
وتحت العنوان، كان هناك سجل جديد صوتي... لم يكن تسريبًا لذكرى بشرية هذه المرة، بل كان تسجيلًا لصوت A-17 نفسه، قال فيه:
في نيسورا، مملكة تُنسج معالمها من الظلال، تكتشف إيليرا خيطًا أحمر غامضًا في النول الأكبر. ومع بدء الجسور والطرق في فقدان صلتها بأماكنها، تجد أصغر كاتبة للنول نفسها أمام سرّ أخفاه الحراس لأربعمائة عام. هل تستطيع إنقاذ المملكة قبل أن ينفرط نسيجها؟
يسافر سيل إلى كوكب أوران ليجمع أصواتًا تحتفظ بها الصخور منذ قرون، لكن نقرات غامضة تقوده إلى اكتشاف لم يكن يتوقعه. وبين الرمال الفضية وأصداء الحياة القديمة، يتتبّع طريقًا لا يُرى، بل يُسمع.