عند طرف السماء، تخشى نجمة صغيرة أن تفقد مكانها إن توقفت عن اللمعان. وحين ترافق صانع النجوم إلى بحيرته الهادئة، تبدأ في اكتشاف ما لا يخبرها به انعكاسها وحده. حكاية خيالية دافئة عن الراحة، وتقبّل الذات، والاطمئنان إلى مكاننا حتى حين يخفت ضوؤنا.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 4 دقائق
2قراءة
اقرأ القصة
في أقصى السماء، حيث تنتهي الطرق التي تعرفها الطيور، وتبدأ الطرق التي لا تظهر إلا بعد منتصف الليل، كان يعيش صانع عجوز للنجوم.
لم يكن يصنع النجوم كما قد تتخيل، لم تكن لديه مطارق ولا أفران ولا قطع من الذهب يطرقها حتى تتخذ شكلًا مستديرًا. لكل نجمة طريق مختلف إلى الصفاء، لكن بعضها كان يتعب من كثرة الوميض، وبعضها يفقد صفاءه بعد ليالٍ طويلة قضاها في إنارة الطرق للمسافرين.
وكانت مهمة العجوز أن يجمعها، وينظف ضوءها، ثم يعيدها إلى أماكنها.
كان يسكن في بيت صغير فوق جبل لا يصعد إليه أحد. وأمام بيته بحيرة مستديرة، لا يظهر على سطحها انعكاس نجمة إلا إذا نزلت إلى الماء. وإلى جانب الباب، كانت تقف عربة خشبية تتسع لسبع نجوم، لا أكثر، مهما حاول صاحبها أن يحشر فيها نجمة ثامنة.
وكان دائمًا ما يقول إن النجوم لا تحب الزحام.
في بداية كل ليلة، كان يخرج بعربته، ويمشي فوق ممر فضي يمتد بين السحب. يتوقف عند النجمة التي يراها أقل لمعانًا من أخواتها، ويطرق بابها ثلاث طرقات خفيفة. فإن كانت متعبة، فتحت له، وإن كانت لا تزال راغبة في البقاء، تركها وشأنها.
في تلك الليلة، كانت النجوم كثيرة، لكن عربة العجوز لم تمتلئ إلا بست نجوم.
وعند طرف السماء، وجد نجمة صغيرة بعيدة عن المجموعات اللامعة. كانت تومض مرة، ثم يخفت ضوؤها قليلًا، ثم تحاول من جديد.
قال لها:
— هل تريدين أن تأتي معي؟
أجابت:
— لا أعرف، أخشى إن نزلت من مكاني ألا أجده حين أعود.
تجمع قطة بيضاء الأحلام الضائعة وتعيدها إلى أصحابها، حتى تصلها ثلاثة أحلام غامضة: باب أخضر، وقارب صغير، وضحكة بلا وجه. وبين الغيوم وبيت قديم قرب النهر، تتبع آثار حكاية لم تنتهِ بعد. قصة خيالية دافئة عن الذاكرة والحنين، وما تعيده إلينا الأشياء الصغيرة من صلتنا بالحياة.
شيماء الصاوي2قراءة
نظرت إلى ضوئها الخافت، ثم أضافت:
— خصوصًا أنني لم أعد ألمع كما كنت.
ابتسم العجوز، وأخرج من جيبه خريطة مطوية بعناية.
— كل نجمة لها مكانها، حتى لو غابت عنه ليلة كاملة.
تأملت النجمة الخريطة طويلًا. تتبعت بعينيها الخط الذي يصل إلى موضعها في السماء، ثم نظرت إلى ضوئها الذي خفت مرة أخرى.
لم تكن تعرف إن كان سيعود كما كان، لكنها أرادت أن تعرف ما الذي يحدث للنجوم حين تستريح.
أغلقت ضوءها الصغير، وقفزت إلى العربة.
عاد العجوز إلى بيته، وأنزل النجوم واحدة بعد أخرى عند حافة البحيرة.
لم تكن البحيرة عميقة، لكن قاعها لم يكن يظهر أبدًا. وحين تلامس النجمة الماء، تنفصل عن ضوئها غلالة رمادية رقيقة، كأنها غبار جمعته من الطرق البعيدة.
كان العجوز يرفع كل نجمة بين كفيه، ويغسلها بملعقة من الماء، ثم يتركها تطفو فوق السطح. لم تكن طريقة الراحة واحدة؛ فنجمة تحتاج إلى ليلة كاملة في الماء، وأخرى يكفيها أن تستريح فوق حجر دافئ، وثالثة لا يعود ضوؤها كما كان إلا حين تسمع حكاية.
أما النجمة الصغيرة، فقد ظلت تطفو قرب الضفة، تراقب انعكاسها.
كان ضوؤها يرتجف فوق الماء كلما تحركت، فتقترب منه قليلًا، ثم تبتعد، كأنها تحاول أن ترى إن كان قد عاد إلى لمعانه القديم.
وعلى الطرف الآخر من البحيرة، كان انعكاس نجمة هادئة يلمع على مهل، ثم يخفت، ثم يعود. لم يكن ضوؤها أقوى من ضوء النجوم الأخرى، لكنه ظل ثابتًا في مكانه كلما هدأ الماء.
راقبتها النجمة الصغيرة لحظات، ثم عادت تتأمل انعكاسها.
وفجأة، سقطت قطرة ماء من طرف ملعقة العجوز، وارتطمت بالبحيرة بين الانعكاسين.
اتسعت دائرة صغيرة على السطح، فتمددت صورة النجمة الهادئة حتى لامست صورة النجمة الصغيرة. تداخل الضوءان للحظة، ثم تفرقا مع اتساع الدائرة.
مالت النجمة الصغيرة إلى الأمام، تتابع ما يحدث.
كانت صورة جارتها قد اختفت داخل الدوائر، لكن ضوءها ظل ظاهرًا فوق سطح الماء، يتسلل بين التموجات ويعود كلما هدأت.
همست النجمة الصغيرة:
— كنت أظن أنني لا ألمع بما يكفي.
جلس العجوز بجوارها، ولم يجب على الفور. مد إصبعه إلى سطح البحيرة، فارتسمت دوائر صغيرة اتسعت ببطء، وتداخلت انعكاسات النجوم.
قال:
— ماذا حدث لضوئها؟
نظرت النجمة الصغيرة إلى الانعكاس الذي تداخلت صورته مع الصور الأخرى.
— اختفى قليلًا.
— وهل اختفت النجمة نفسها؟
ظلّت النجمة تراقب الماء حتى هدأت الدوائر، وعادت الانعكاسات إلى الظهور.
— لا. عادت صورتها.
ابتسم العجوز، ثم نهض ليتفقد بقية النجوم.
بقيت النجمة الصغيرة قرب الضفة. هذه المرة، حين تحرك الماء من حولها، لم تقترب من انعكاسها لتفحصه، ولم تنتظر حتى يعود كاملًا. تركت الدوائر تتسع وتبتعد، حتى استقر سطح البحيرة من تلقاء نفسه.
وحين انتهت النجوم الست من استراحتها، حملها العجوز إلى أعلى الجبل. فتح الخريطة، وأعاد كل نجمة إلى مكانها.
ثم عاد إلى البحيرة، حيث كانت النجمة الصغيرة تنتظره قرب الضفة. حملها بين كفيه، وصعد بها إلى أعلى الجبل، وأعادها إلى موضعها عند طرف السماء.
استقرت النجمة الصغيرة، ثم نظرت حولها. هناك، على مسافة قريبة، كانت النجمة التي راقبت انعكاسها في البحيرة.
همست النجمة الصغيرة:
— هل كان مكانك قريبًا من مكاني هكذا دائمًا؟
أجابتها النجمة:
— دائمًا.
ظلّت النجمة الصغيرة تنظر إليها قليلًا. ثم استدارت نحو الطريق البعيد، حيث كانت نجوم كثيرة تلمع فوق السحب، وأطلقت ومضة صغيرة، قبل أن تستقر في مكانها.
ومن بعيد، راقبها العجوز حتى استقرت في السماء، ثم عاد إلى بيته. وضع العربة بجوار الباب، وأغلق النافذة، واستلقى في سريره.
وفي الصباح، حين اختفت النجوم خلف ضوء النهار، كانت البحيرة ساكنة تحت الجبل، تنتظر الليل التالي.
في ميناء لا يظهر على الخرائط، يحرّر سالم السفن من أصوات أثقلتها طويلًا. لكن وصول سفينة غامضة اسمها «العودة» يوقظ فيه طريقًا ظل يؤجل سلوكه، ويقوده إلى بيت وذكرى ورسالة تنتظره. قصة عن الغياب، وثمن التأجيل، والعناية بما بقي حين تتعذّر استعادة ما مضى.
في محطة قديمة لا تظهر على الخرائط، يستقل مسافر غامض قطار الحادية عشرة حاملًا حقيبة مليئة بالرسائل والمواعيد المؤجلة. وبينما يعبر القطار الفصول الأربعة في ليلة واحدة، يبدأ المسافر رحلة هادئة لمواجهة الأيام التي مضت والأشياء التي ظل يحملها طويلًا. حكاية شاعرية عن الزمن، والقبول، والتخفف مما لم يعد بالإمكان تغييره.