في باريس، كان المرض ينهك جسد مصطفى كامل، لكن أخبار دنشواي جعلت الراحة مستحيلة. أحكام قاسية نُفذت أمام أهل القرية، وحادثة حاول الاحتلال أن يرويها بصوته وحده.
لم يكن مصطفى كامل يملك جيشًا أو منصبًا، بل قلمًا ومنبرًا وقدرة على مخاطبة العالم. ومن غرفته البعيدة عن مصر، كتب ليحوّل مأساة قرية صغيرة إلى قضية يتردد صداها في الصحافة الأوروبية. حكاية عن قوة الكلمة حين تصبح وسيلة للمقاومة.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 3 دقائق
18قراءة
اقرأ القصة
في صيف عام 1906، كان مصطفى كامل في باريس، بعيدًا عن مصر، يحاول أن يستعيد شيئًا من صحته التي أنهكتها سنوات العمل والسفر.
كان المرض قد اشتد عليه منذ العام السابق، وأصبح جسده أضعف من أن يحتمل ما اعتاد أن يحمّله له. ومع ذلك، ظل يتابع أخبار مصر، كما لو أن المسافة بين باريس والقاهرة لم تكن موجودة.
ثم وصل الخبر.
في الثالث عشر من يونيو 1906، كان عدد من الضباط البريطانيين في قرية دنشواي بالمنوفية لصيد الحمام. أثناء الصيد، أصابت إحدى الطلقات امرأة من أهل القرية، كما اشتعل حريق في جرن للغلال، فاندفع الأهالي غاضبين نحو الضباط.
فرّ أحد الضباط، الكابتن بول، وظل يجري تحت حرارة الشمس لمسافة طويلة حتى سقط قرب قرية سرسنا، ومات متأثرًا بضربة شمس.
وكان هناك فلاح يُدعى سيد أحمد سعيد حاول مساعدته، وسقاه الماء، لكن الجنود الذين وصلوا بعد ذلك ظنوا أنه أحد الذين اعتدوا على الضابط، فضربوه وطعنوه حتى مات هو الآخر.
كان يمكن للحادثة أن تنتهي عند ذلك، لكنها لم تنته.
تحولت دنشواي إلى قضية كبرى، وقُبض على عشرات من أهل القرية، ثم انعقدت محكمة مخصوصة في يونيو. وفي السابع والعشرين من الشهر صدر الحكم على واحد وعشرين مصريًا بأحكام مختلفة: أُعدم أربعة شنقًا، وحُكم على اثنين بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى أحدهم بالأشغال الشاقة خمسة عشر عامًا، وعلى ستة آخرين بالأشغال الشاقة سبع سنوات، بينما حُكم على ثلاثة بالحبس مع الشغل سنة واحدة والجلد خمسين جلدة، وعلى خمسة آخرين بالجلد خمسين جلدة. ونُفذت أحكام الإعدام والجلد في دنشواي نفسها أمام أهل القرية.
وصلت أخبار الأحكام إلى مصطفى كامل في باريس.
لم تكن دنشواي أول ما دفعه إلى مقاومة الاحتلال، لكنها كانت لحظة رأى فيها أن قضية مصر تستطيع أن تتجاوز حدودها إذا وجدت من يحملها إلى الخارج.
قبل أن تصبح لوحاته من أشهر أعمال الفن، أمضى فنسنت فان غوخ سنوات يبحث عن طريقه. من حياة الفلاحين وألوان هولندا الداكنة إلى ضوء آرل وسماء «ليلة النجوم»، نتتبّع رحلة تعلّمه وتحوّل رؤيته، ودور أخيه ثيو وجو في حفظ إرثه وإيصاله إلى العالم.
شيماء الصاوي
وفي الحادي عشر من يوليو 1906، نشر في صحيفة «الفيجارو» الفرنسية مقالًا عن دنشواي، تحدث فيه عن الحادثة وما تبعها من أحكام،وبعد أيام انتقل الى لندن وواصل حملته هناك، وترجم مقاله إلى الإنجليزية ،وأرسله إلى أعضاء البرلمان وخاطب من خلال الصحيفة الرأي العام الأوروبي، واضعًا القضية المصرية أمام قراء لم تكن القرية المصرية تصل إليهم عادة.
لم يعد ما حدث في دنشواي خبرًا محليًا يخص قرية مصرية بعيدة. أصبح له صدى في الصحافة الأوروبية، ووصل النقاش إلى دوائر خارج مصر، وبدأت القضية تُرى باعتبارها مثالًا على طبيعة الاحتلال وما يمكن أن يفعله حين تمتد سلطته إلى حياة الناس وأحكام القضاء.
وكان مصطفى كامل يعرف كيف يستخدم الصحافة لهذا الغرض.
فمنذ أن أسس «اللواء» سنة 1900، لم تعد أفكاره محصورة في الخطب واللقاءات؛ صار يملك منبرًا يستطيع من خلاله أن يخاطب المصريين، كما استطاع من خلال علاقاته ونشاطه في أوروبا أن يخاطب جمهورًا أوسع.
لكن هذه المرة كان صوته يخرج من باريس، بينما جسده نفسه كان يطلب منه الراحة.
كان هناك سبب آخر يجعل تحركه لافتًا.
مصطفى كامل لم يكن رجلًا سليم الجسد يقاتل من موقع القوة. كان مريضًا، يعرف أن صحته تتراجع، ومع ذلك لم يتعامل مع مرضه كسبب كافٍ للصمت.
لم يكن يملك جيشًا، ولا منصبًا حكوميًا، ولا دولة تقف خلفه.
كان يملك قلمًا وصحيفة ومنبرًا وقدرة على تحويل القضية المصرية إلى حديث يتجاوز حدودها.
ولم تتوقف آثار دنشواي عند الأحكام.
فقد أصبحت الحادثة واحدة من أبرز القضايا التي غذّت الغضب من الاحتلال البريطاني والحركة الوطنية المصرية في تلك الفترة، وظلت ذكراها حاضرة في الصحافة والخطابة والشعر سنوات طويلة.
وبالنسبة إلى مصطفى كامل، لم تكن دنشواي نهاية الطريق، بل جزءًا من مرحلة اتسعت فيها رؤيته للعمل الوطني. فإلى جانب الصحافة والخطابة، اتجه إلى بناء تنظيم سياسي، وأسس الحزب الوطني سنة 1907، كما ارتبط اسمه بالدعوة إلى التعليم وإنشاء الجامعة المصرية.
وفي أكتوبر 1907، عاد إلى مصر وهو في حالة صحية شديدة السوء.
لم يمض وقت طويل حتى ألقى خطبته الأخيرة.
وفي العاشر من فبراير 1908، توفي مصطفى كامل عن أربعة وثلاثين عامًا.
كان عمره قصيرًا، لكن السنوات القليلة التي عاشها تركت وراءها صحافة وحزبًا وخطابًا وطنيًا، والأهم شبكة من الأفكار والوسائل التي جعلت القضية المصرية حاضرة خارج حدودها.
أما دنشواي، فبقيت أكثر من حادثة وقعت في قرية بالمنوفية.
في صيف 1906، خرجت منها أحكام أُعدِم بسببها أربعة من أهلها، وسُجن وعوقب آخرون، ووصل صداها إلى صحف ومدن ودوائر سياسية خارج مصر.
وفي قلب ذلك الصدى، كان و أن يمنع العالم من أن يسمع عنها من صوت واحد فقط.
بذور شائكة علقت بملابس جورج دي ميسترال وفراء كلبه، فأثارت سؤالًا بسيطًا: لماذا تلتصق؟ قاده الفضول إلى المجهر، ثم إلى سنوات من التجارب لتحويل حيلة صغيرة في الطبيعة إلى اختراع وصل إلى الحياة اليومية والفضاء. حكاية عن الملاحظة والمثابرة، وما قد نكتشفه فيما نكاد نلقيه جانبًا.
بأربعين دولارًا وفيلم في حقيبته، وصل والت ديزني إلى كاليفورنيا بعد إفلاس استوديوه الأول. وبين خسارة شخصية ناجحة والمغامرة بفيلم طويل سخر منه الكثيرون، تتتبّع الحكاية بدايات رجل لم يتوقف عند نجاح واحد، ولا عند فشل واحد. الجزء الأول من رحلة تحويل الرسوم إلى عالم كامل.