فنسنت فان غوخ | رؤية العالم بلون مختلف
فنسنت فان غوخ | رؤية العالم بلون مختلف
نبذة عن القصة
قبل أن تصبح لوحاته من أشهر أعمال الفن، أمضى فنسنت فان غوخ سنوات يبحث عن طريقه. من حياة الفلاحين وألوان هولندا الداكنة إلى ضوء آرل وسماء «ليلة النجوم»، نتتبّع رحلة تعلّمه وتحوّل رؤيته، ودور أخيه ثيو وجو في حفظ إرثه وإيصاله إلى العالم.

اقرأ القصة
كانوا ينظرون إلى لوحة، فيرون أناسًا يأكلون البطاطس حول مائدة متواضعة. أما فنسنت فان غوخ، فكان يريد أن يرى المشاهد ما هو أبعد من الطعام والوجوه والأيدي الخشنة؛ أن يرى حياة أناس يقضون يومهم في العمل، ثم يجلسون إلى مائدتهم بما كسبته أيديهم.
في عام 1885، رسم لوحته «آكلو البطاطس». كانت الغرفة معتمة، والوجوه خشنة الملامح، والأيدي كبيرة، والطعام بسيطًا. لم يحاول أن يجعل الفلاحين أجمل مما رآهم، بل أراد أن يصوّر حياتهم كما عرفها، بكل ما فيها من تعب وبساطة.
لكن الوصول إلى تلك اللوحة لم يكن بداية حكايته، بل نتيجة سنوات طويلة قضاها يبحث عن الطريق الذي يستطيع أن يكرّس له حياته.
في الثلاثين من مارس عام 1853، وُلد فنسنت ويليم فان غوخ في قرية زوندرت بهولندا، لوالد يعمل قسًّا بروتستانتيًّا، ووالدة اهتمت بالرسم والطبيعة.
لم يكن مستقبله الفني واضحًا منذ طفولته. درس في مدارس مختلفة، ثم ترك التعليم النظامي، وفي يوليو 1869، حين كان في السادسة عشرة، بدأ العمل في مؤسسة «غوبيل» لتجارة الأعمال الفنية في لاهاي.
انتقل لاحقًا إلى لندن، ثم باريس، وشاهد لوحات كثيرة، وزار المتاحف، وقرأ الأدب والشعر. تعرّف إلى أعمال رسامين اهتموا بحياة الفلاحين والعمال، وكان من بينهم جان فرانسوا ميليه، الذي ترك أثرًا واضحًا في نظرته إلى الإنسان البسيط.
لكن العمل في تجارة الفن لم يمنحه ما يبحث عنه، وانتهت وظيفته عام 1876.
جرّب التدريس، ثم اتجه إلى الدين، وسعى إلى العمل بين الفقراء. ذهب إلى منطقة بوريناج في بلجيكا، حيث عاش قريبًا من عمال المناجم، وشاهد ظروفهم القاسية، واهتم بمساعدتهم.
ومع ذلك، لم يجد في تلك المحاولات طريقًا يستطيع أن يستمر فيه.
ثم جاء عام 1880.
© جميع الحقوق محفوظة. يُحظر نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو توزيعه أو استغلاله، كليًا أو جزئيًا، دون إذن كتابي مسبق من صاحب الحقوق، باستثناء ما تسمح به القوانين المعمول بها. وتبقى حقوق الأعمال والمصادر المشار إليها لأصحابها.
صوتيلهذه القصة تسجيلٌ صوتيّبذور شائكة علقت بملابس جورج دي ميسترال وفراء كلبه، فأثارت سؤالًا بسيطًا: لماذا تلتصق؟ قاده الفضول إلى المجهر، ثم إلى سنوات من التجارب لتحويل حيلة صغيرة في الطبيعة إلى اختراع وصل إلى الحياة اليومية والفضاء. حكاية عن الملاحظة والمثابرة، وما قد نكتشفه فيما نكاد نلقيه جانبًا.
لم تكن البداية سهلة؛ احتاج إلى دراسة المنظور والتشريح، والتدرّب على رسم الوجوه والأجسام والمناظر. كان عليه أن يتعلّم أساسيات المهنة، وأن يختبر قدراته، وأن يقبل بأن الطريق إلى إتقانها لن يكون قصيرًا.
وفي هذه المرحلة، كان أخوه الأصغر ثيو سندًا أساسيًّا له. عمل ثيو في تجارة الفن، وساعده ماليًّا على مدى سنوات، وتبادل الأخوان رسائل كثيرة كشفت لاحقًا عن أفكار فنسنت الفنية وصعوباته وطموحاته.
في تلك الرسائل، كان فنسنت يتحدث عن أعماله وما يحاول تعلّمه، ولم يكن يخفي الصعوبات التي يواجهها. وقد أصبحت مراسلاته مع ثيو من أهم المصادر لفهم حياته ومسيرته الفنية.
بدأ فنسنت يرسم العمال والفلاحين والوجوه التي تحمل آثار التعب. كانت ألوانه داكنة، وكانت موضوعاته قريبة من الحياة الريفية التي عرفها في هولندا.
وفي عام 1883، أقام لبعض الوقت في منطقة درينته، ثم عاد إلى منزل والديه في نيونين. هناك واصل رسم الفلاحين، وأخذت فكرة «آكلو البطاطس» تتشكل حتى أنجزها في عام 1885، بعد وفاة والده في مارس من العام نفسه.
لم تجلب له اللوحة شهرة واسعة، لكنها مثّلت مرحلة مهمة في تطوّر فنه؛ فقد كان يبحث عن طريقة يجعل بها حياة الناس البسطاء جديرة بأن تُرى.
وفي أواخر عام 1885، انتقل إلى أنتويريب في بلجيكا لدراسة الفن. وهناك بدأ يجمع المطبوعات اليابانية، التي لفتت نظره بألوانها وتكويناتها وخطوطها الواضحة. لكن تأثيرها في أسلوبه اتسع لاحقًا، بعدما انتقل إلى باريس ودرسها عن قرب.
ثم جاءته فرصة ليرى الفن من زاوية مختلفة تمامًا.
في عام 1886، انتقل فنسنت إلى باريس ليعيش مع ثيو.
كانت المدينة تعجّ بالحركة الفنية، وهناك تعرّف إلى أعمال الانطباعيين، والتقى رسامين من بينهم هنري دي تولوز لوتريك وإميل برنار، ثم تعرّف إلى بول غوغان.
اكتشف أن اللون لا يقتصر على نقل شكل الأشياء، وأن الضوء يستطيع أن يغيّر إحساس المشاهد بالمشهد كله.
بدأت ألوانه تتفتح، ورسم شوارع باريس ومقاهيها، واهتم بالزهور والصور الشخصية، وأنجز عددًا كبيرًا من اللوحات الذاتية.
لم يعد أسلوبه كما كان في هولندا؛ أخذ يتعلّم من التجارب التي يراها حوله، ويجرّب أساليب جديدة، ثم يعيد تشكيلها وفق رؤيته الخاصة.
لكن باريس لم تكن المكان الذي أراد أن يستقر فيه. كان يبحث عن ضوء مختلف وحياة أهدأ، فانتقل في فبراير 1888 إلى آرل، في جنوب فرنسا.
وهناك، بدأت مرحلة جديدة من حياته الفنية.
في آرل، وجد فنسنت حقولًا وأشجارًا مزهرة وسماء واسعة، وضوءًا يختلف عما اعتاده في الشمال.
رسم بساتين الفاكهة في الربيع، والحقول والجسور والمقاهي والبيوت. وفي تلك المرحلة، أنجز لوحاته الشهيرة عن دوّار الشمس، التي أراد أن يزيّن بها المكان الذي كان يحلم بأن يجمع فيه الرسامين.
استأجر جزءًا من البيت الأصفر، وتخيّل أن يصبح مقرًّا لمجتمع فني يعمل فيه الرسامون معًا، ويتبادلون الخبرات والأفكار. كان يريد أن يكون الفن مشروعًا مشتركًا، لا مجرد عمل ينجزه كل رسّام منفردًا.
وفي أكتوبر 1888، وصل بول غوغان إلى آرل، وأقام مع فنسنت في البيت الأصفر.
لكن التجربة لم تسر كما أمِل. تصاعد التوتر بينهما، واختلفت طباعهما ونظرتهما إلى الفن، حتى انتهت إقامتهما المشتركة بأزمة حادة في ديسمبر من العام نفسه.
خلال تلك الأزمة، أصاب فنسنت أذنه اليسرى بشفرة حلاقة، ونُقل إلى المستشفى، ثم غادر غوغان إلى باريس.
كانت الحادثة بداية مرحلة مضطربة في حياة فنسنت، تكررت خلالها أزمات صحية ونفسية أثّرت في قدرته على العمل.
ومع ذلك، ظل الرسم جزءًا أساسيًّا من حياته.
في مايو 1889، دخل بإرادته مصحّ سان بول دو موزول في سان ريمي، طلبًا للرعاية.
داخل المصحّ، رسم فنسنت الحديقة المحاطة بالجدران، وأشجار السرو، وحقول الزيتون، والمناظر التي استطاع رؤيتها من نافذته أو الوصول إليها حين تسمح حالته بالخروج.
وفي تلك الفترة، أنجز «ليلة النجوم».
تبدو السماء في اللوحة كأنها تتحرك؛ دوامات زرقاء، ونجوم مضيئة، وهلال يعلو القرية. لم يكتفِ بنقل المشهد كما تراه العين، بل أعاد تشكيله بالخطوط والألوان، حتى أصبح للسماء إيقاعها الخاص.
لكن أيامه لم تكن كلها أيام عمل وإبداع. كانت حالته تتقلب، ومرّ بفترات اشتد فيها اضطرابه، حتى مُنع مؤقتًا من الرسم بالألوان.
لم يكن الفن علاجًا مضمونًا لما يمر به، ولم تكن قدرته على العمل ثابتة؛ لكنه عاد إلى الرسم كلما سمحت حالته بذلك.
وفي يناير 1890، وصلته أخبار مولد ابن أخيه، الذي سمّاه ثيو وزوجته جو «فنسنت ويليم». رسم فنسنت من أجله لوحة «أزهار اللوز»، أغصانًا بيضاء متفتحة أمام سماء زرقاء، لتُعلّق في غرفة نوم والديه.
لم تكن اللوحة مجرد هدية لابن أخيه؛ فقد ظهر فيها بوضوح أثر المطبوعات اليابانية التي أحبها فنسنت. فالأغصان تمتد أمام خلفية زرقاء صافية، وتتجاوز بعض الفروع حدود اللوحة، في تكوين يستحضر طريقة الفنانين اليابانيين في تصوير الطبيعة. لكنه لم يقلّدهم فحسب، بل أعاد توظيف ما تعلّمه منهم بأسلوبه الخاص.
وكان اختيار أزهار اللوز مرتبطًا أيضًا بميلاد الطفل؛ فالأشجار التي تتفتح في بداية الربيع أصبحت رمزًا للحياة الجديدة والأمل، وهو المعنى الذي أراد فنسنت أن يقدّمه لأخيه وزوجته من خلال اللوحة.
وفي العام نفسه، بدأت أعماله تحظى باهتمام أكبر. نُشرت عنه مقالة نقدية مهمة، وعُرضت بعض لوحاته، واشترت الرسامة آنا بوش لوحته «كرم العنب الأحمر».
كان الاعتراف بفنه قد بدأ، لكنه لم يكن قد نال المكانة التي سيحصل عليها بعد موته.
في مايو 1890، غادر فنسنت المصحّ وانتقل إلى أوفير سور واز، وهي قرية قريبة من باريس.
هناك، تلقّى الرعاية من الطبيب بول غاشيه، واستمر في رسم الحقول والبيوت والكنيسة والوجوه.
كانت تلك الأشهر كثيفة الإنتاج؛ أنجز خلالها عددًا كبيرًا من اللوحات والرسوم، ورسم أحيانًا لوحة في اليوم. لكن كثرة أعماله لم تعنِ أن معاناته انتهت، فقد ظل قلقه بشأن المال ومستقبل أخيه حاضرًا في رسائله.
وفي يوليو، رسم فنسنت حقول القمح، ومنها لوحات ظهرت فيها السماء مثقلة بالغيوم، والطرق ممتدة عبر الأرض.
وفي السابع والعشرين من يوليو 1890، أصيب بطلق ناري في صدره. لم يمت في الحال؛ وصل ثيو إليه، وبقي معه حتى توفي في التاسع والعشرين من يوليو، عن سبعة وثلاثين عامًا.
انتهت حياة فنسنت، لكن حكاية لوحاته لم تنتهِ معه.
بعد وفاة فنسنت، تولّى ثيو جانبًا مهمًّا من حفظ أعماله والتعريف بها، لكنه توفي هو الآخر في يناير 1891، بعد أشهر قليلة من أخيه.
ثم حملت جو فان غوخ بونغر، أرملة ثيو، مسؤولية الحفاظ على لوحات فنسنت ورسائله. عملت على نشر رسائله والتعريف بأعماله، وأسهمت جهودها في وصول فنه إلى جمهور أوسع.
ومع مرور السنوات، ازدادت شهرة أعماله، وأصبح واحدًا من أبرز الفنانين تأثيرًا في تاريخ الفن الحديث.
لقد أمضى فنسنت سنوات يتعلّم، ويرسم، ويعيد المحاولة، حتى استطاع أن يخلق لغة بصرية يمكن التعرّف إليها من ألوانها وخطوطها. ولم يكن طريقه مستقيمًا أو سهلًا، لكنه ظل يبحث عن طريقته الخاصة في رؤية العالم ورسمه.
لم يعرف فنسنت فان غوخ منذ البداية كيف سيرسم العالم؛ لقد أمضى سنوات يتعلّم كيف يراه.
صوتيلهذه القصة تسجيلٌ صوتيّبأربعين دولارًا وفيلم في حقيبته، وصل والت ديزني إلى كاليفورنيا بعد إفلاس استوديوه الأول. وبين خسارة شخصية ناجحة والمغامرة بفيلم طويل سخر منه الكثيرون، تتتبّع الحكاية بدايات رجل لم يتوقف عند نجاح واحد، ولا عند فشل واحد. الجزء الأول من رحلة تحويل الرسوم إلى عالم كامل.

من طفل يرسم الطائرات وسط الحرب إلى مخرج يصنع عوالم تسكن ذاكرة الملايين، تتتبّع الحكاية رحلة هاياو ميازاكي وما تركته الحياة في أفلامه. بين المرض والطبيعة والصداقة، ظل يعود إلى الورق ليطرح أسئلته عن الإنسان، ويمنحها حياةً بالرسم.