عند مضخة ماء في حديقة منزلها، اكتشفت هيلين كيلر أن لكل شيء اسمًا. كانت تلك اللحظة بداية رحلة جمعتها بمعلمتها آن سوليفان، وقادتها من اكتشاف الكلمات إلى الدراسة والكتابة والدفاع عن حقوق الآخرين. حكاية عن التعليم والمثابرة، والكلمة التي فتحت عالمًا كاملًا.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 4 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
هيلين كيلر وُلدت طفلة تسمع وترى، لكن قبل أن تتم عامها الثاني، أصابها مرض أفقدها السمع والبصر، فتحوّل العالم من حولها إلى عالم بلا أصوات ولا كلمات.
ومع ذلك، لم تبقَ حياتها أسيرة لذلك الصمت.
في 5 أبريل 1887، كانت هيلين كيلر تقف بجوار مضخة الماء في حديقة منزلها بآيفي جرين، ممسكة بيد معلمتها الجديدة، آن سوليفان.
كان قد مرّ نحو شهر منذ وصلت آن إلى منزلها، ومنذ ذلك الحين وهي تملأ كف هيلين بحركات أصابع متتابعة.
كانت هيلين قد تعلمت تقليد تلك الحركات، وعرفت أن لكل حركة شكلًا مختلفًا، لكنها لم تفهم بعد أنها لغة.
كانت تعرف العالم بطريقة أخرى. كانت قد ابتكرت مع أسرتها إشارات خاصة بها للتعبير عن بعض حاجاتها، لكنها كانت لا تزال محبوسة خلف سؤال لا تعرف كيف تطرحه: كيف يمكنني أن أخبر الآخرين بما في رأسي؟
في ذلك الصباح كانت تحاول فهم الفرق بين "كوب" و"حليب" و"اشرب"، بينما كانت آن تحاول أن تجد الطريق إلى المعنى.
ثم حدث الشيء الذي كان بداية للتحول.
أخذت آن هيلين إلى المضخة، ووضعت إحدى يديها تحت الماء. بدأ الماء البارد ينساب فوق أصابعها، وفي اليد الأخرى راحت آن تهجئ ببطء:
W-A-T-E-R.
توقفت هيلين، لأن هذه المرة لم تكن الحركة تعني مجرد حروف تحفظها.
كان هناك شيء بارد يتدفق فوق يدها، وحركة تتكرر في اليد الأخرى. وفجأة اتصل الاثنان في عقلها: الماء له اسم.
رفعت هيلين يدها، ولم تنتظر، لمست الأرض، ثم أشارت إلى أشياء أخرى حولها، تسأل عن أسمائها.
بذور شائكة علقت بملابس جورج دي ميسترال وفراء كلبه، فأثارت سؤالًا بسيطًا: لماذا تلتصق؟ قاده الفضول إلى المجهر، ثم إلى سنوات من التجارب لتحويل حيلة صغيرة في الطبيعة إلى اختراع وصل إلى الحياة اليومية والفضاء. حكاية عن الملاحظة والمثابرة، وما قد نكتشفه فيما نكاد نلقيه جانبًا.
شيماء الصاوي
وفي ذلك اليوم، تعلمت هيلين عشرات الكلمات الجديدة.
لم تكن قد حفظت كلمات فقط؛ لقد اكتشفت أن هناك نظامًا كاملًا خلف الأشياء التي تلمسها، كل شيء يمكن أن يُسمّى.
وإذا كان لكل شيء اسم، فهناك عالم كامل يمكن أن تعرفه، ومنذ ذلك اليوم، أصبح التعلم بالنسبة إليها أشبه برحلة لا تريد أن تتوقف.
لم تعد آن تكتفي بأن تجلس معها وتتهجى الكلمات في يدها. كانت تأخذها إلى الطبيعة، وتربط ما تتعلمه بالأشياء التي تستطيع هيلين أن تلمسها وتختبرها. وبعد فترة، اتسع عالمها أكثر حين ذهبت إلى معهد بيركنز، حيث التقت أطفالًا آخرين يستطيعون التواصل معها بالأبجدية اليدوية، ووجدت للمرة الأولى أنها ليست وحدها في هذا العالم.
لكن الكلمات لم تظل أسماءً للأشياء إلى الأبد.
في أحد دروسها، كانت هيلين ترتب خرزًا بأحجام مختلفة، ثم لاحظت خطأً في ترتيبها وحاولت أن تصلحه.
وضعت آن يدها على جبهة هيلين، وهجّت في يدها كلمة:
THINK.
توقفت هيلين.
هذه المرة لم يكن هناك شيء خارجي تستطيع لمسه لتفهم الكلمة.
كانت الكلمة تشير إلى شيء يحدث داخلها هي؛ إلى الفكرة التي تتحرك في عقلها وهي تحاول حل المشكلة.
وهناك، اكتشفت هيلين أن اللغة لا تستطيع أن تسمّي الماء والشجر والأرض فقط؛ يمكنها أيضًا أن تمنح اسمًا لما لا يُرى ولا يُلمس.
وكان ذلك أول إدراك واعٍ لها لفكرة مجردة.
وهذا الاكتشاف فتح أمامها عالمًا أكبر بكثير.
لكن الكلمات التي أحبتها ستصبح يومًا مصدرًا لأصعب تجربة مرت بها.
في الحادية عشرة من عمرها، كتبت هيلين قصة قصيرة بعنوان "ملك الصقيع"، وقدمتها هدية إلى مايكل أناغنوس، مدير معهد بيركنز. أُعجب أناغنوس بالقصة ونُشرت.
ثم اكتُشف أن القصة تشبه قصة أقدم للكاتبة مارغريت كانبي، كانت هيلين قد تعرّضت لها في طفولتها، رغم أنها لم تتذكر أنها عرفتها من قبل.
وفجأة، أصبحت هيلين متهمة بأنها لم تكتب قصتها بنفسها.
ولطفلة بدأت علاقتها بالكلمات بمحاولة إثبات أن ما في داخلها يمكن أن يتحول إلى لغة، كان الاتهام مؤلمًا على نحو أعمق من مجرد اتهام بالسرقة.
خضعت القصة لتحقيق أثّر في علاقتها بمايكل أناغنوس، وانتهت تلك المرحلة بترك هيلين لمعهد بيركنز، لكن أثر الواقعة ظل معها طويلًا. وظلت بعدها تخشى أحيانًا أن تكون بعض الأفكار التي تكتبها قد جاءت من مكان آخر دون أن تعرف.
ومع ذلك، لم تتوقف عن الكتابة.
ولم تتوقف عن التعلم.
دخلت هيلين رادكليف في خريف عام 1900.
لم تكن الجامعة مجهزة لتعليم طالبة مثلها بالطريقة نفسها التي يتعلم بها بقية الطلاب. كانت آن ترافقها وتتهجى لها المحاضرات في يدها، وكانت هيلين تكتب ما تتذكره على الآلة الكاتبة وتخوض امتحاناتها في ظروف خاصة.
لم يكن الطريق سهلًا، ولم يكن تفوقها نتيجة معجزة حدثت في يوم واحد.
كان هناك كل يوم جديد، ومحاضرة جديدة، وكتاب جديد، ومجهود جديد.
وبعد أربع سنوات، في 28 يونيو 1904، تخرجت هيلين من رادكليف مع مرتبة الشرف، لتصبح أول شخص أصم-كفيف يحصل على درجة جامعية.
لكنها لم تتوقف عند الشهادة.
كانت الكلمات التي تعلمتها في يد آن قد أصبحت الآن وسيلتها للكتابة والتعبير والدفاع عن أفكارها.
ومع مرور السنوات، بدأت تستخدم شهرتها وتعليمها في قضايا تتجاوز حياتها الشخصية.
كتبت، وألقت الخطب، وسافرت، ودافعت عن حقوق الأشخاص المكفوفين وذوي الإعاقة، واهتمت بحقوق النساء والعمال وقضايا اجتماعية وسياسية أخرى.
لكن اتجاه الرحلة كان قد تغيّر.
في طفولتها، كانت آن هي التي تأخذها إلى العالم.
أما هيلين، بعدما كبرت، فأصبحت هي التي تذهب إلى العالم.
سافرت إلى بلدان كثيرة، والتقت أشخاصًا من مجتمعات مختلفة، وتحدثت عن احتياجات الأشخاص المكفوفين وذوي الإعاقة، وعملت لعقود من أجل أن تتغير نظرة الناس إليهم، وأن يحصلوا على التعليم والفرص التي حُرم منها كثيرون.
لم تعد الفتاة التي تقف أمام مضخة الماء وتسأل عن اسم الأشياء.
صارت امرأة تحمل كلماتها إلى أماكن لم تكن قد وطئتها من قبل، وتتحدث عن أشخاص لم تكن تعرف أسماءهم.
وعندما ننظر إلى حياتها كلها، تبدو لحظة الماء مختلفة.
في ذلك اليوم، كانت هيلين تريد أن تعرف اسم شيء بارد ينساب فوق يدها.
فأعطتها آن كلمة، ومن تلك الكلمة، بدأ عالم كامل؛ فخرجت الكلمات من يد طفلة إلى الكتب، ثم إلى الناس، ثم إلى العالم.
في محاضرة جامعية، يختار أحمد أن يتحدث عن السير مجدي يعقوب، الطبيب الذي كرّس حياته لإنقاذ القلوب وتطوير جراحة القلب عالميًا. لكن قصته لم تتوقف عند غرف العمليات؛ فقد أدرك أن إنقاذ القلب لا يعني علاج مريض واحد فقط، بل بناء منظومة تمنح آلاف الأطفال فرصة للحياة.
بذور شائكة علقت بملابس جورج دي ميسترال وفراء كلبه، فأثارت سؤالًا بسيطًا: لماذا تلتصق؟ قاده الفضول إلى المجهر، ثم إلى سنوات من التجارب لتحويل حيلة صغيرة في الطبيعة إلى اختراع وصل إلى الحياة اليومية والفضاء. حكاية عن الملاحظة والمثابرة، وما قد نكتشفه فيما نكاد نلقيه جانبًا.