بسؤال من حفيدته، يفتح جدٌّ باب الحديث عن أصحاب السبت؛ قوم عرفوا النهي عن الصيد، ثم بحثوا عن حيلة تتيح لهم مخالفته. وبين إغراء الرزق وصوت الناصحين، تكشف القصة كيف يخدع الإنسان نفسه حين يتمسك بظاهر الفعل ويتجاهل حقيقته، وتدعونا إلى الصدق مع النفس والثبات أمام الاختبار.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 3 دقائق
0قراءة
كانت تجلس إلى جوار جدها، تستمع إليه وهو يقلب صفحات المصحف ببطء. كانت قد اعتادت أن تسأله عن القصص التي تقرؤها في القرآن، وفي كل مرة كان يخبرها أن بعض القصص لا تحتاج إلى أحداث كثيرة حتى تبقى في الذاكرة؛ يكفي أن ترى الإنسان وهو يُمتحن بما يعرفه.
رفعت عينيها إليه وقالت:
— جدو، هو ممكن الواحد يعرف إن الحاجة غلط، وبرضه يعملها؟
أغلق الجد المصحف، ونظر إليها لحظة.
— ممكن.
— حتى لو عارف إن ربنا نهى عنها؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— أحيانًا الإنسان ما بيحاولش يقنع نفسه إن اللي بيعمله صح… بيحاول بس يلاقي طريقة تخليه يقدر يعمله من غير ما يعترف لنفسه إنه عصى.
سكتت الفتاة.
ثم قال جدها:
— عارفة أصحاب السبت؟
هزت رأسها.
— احكيلي.
فقال:
— كان فيه قوم عايشين في قرية على البحر. وكان البحر مصدر رزقهم، لكن ربنا ابتلاهم بأمر واضح: يوم السبت لا يصطادون.
كانوا يعرفون الأمر، ولم يكن خافيًا عليهم. لكن الاختبار لم يكن في الأيام التي تختفي فيها الأسماك، بل كان في السبت نفسه. ففي ذلك اليوم، كانت الأسماك تأتيهم كثيرة، قريبة من الشاطئ، ظاهرة على سطح الماء، أما في الأيام الأخرى فلا تأتيهم.
بجوار ثوب طفل غائب، تجلس أمٌّ تواسي ابنتها بحكاية أم موسى؛ الأم التي ألقت طفلها في اليم وقلبها معلّق بوعد الله. تتداخل الحكايتان في نص عن خوف الأمهات، وألم الفقد، والرفق بالحزن، وما تمنحه الثقة بالله من رجاء حين لا نرى نهاية الطريق.
صار البحر أمامهم في السبت ممتلئًا بما يريدون، ثم يخلو منه حين ينتهي اليوم الذي نُهوا فيه عن الصيد.
وهنا بدأ الامتحان الحقيقي.
بعضهم لم يصبر. فبدلًا من أن يقولوا: لن نصطاد لأن الله نهانا، بدأوا يبحثون عن طريقة أخرى. قالوا: لن نصطاد يوم السبت، ووضعوا الحيل التي تجعل السمك يقع في الشباك أو الأخاديد، ثم يأخذونه بعد انتهاء السبت.
كانوا يريدون الرزق، لكنهم لم يريدوا أن يدفعوا ثمن مخالفة الأمر. وهكذا صار التحايل طريقًا إلى المعصية.
لم يكن الجميع مثلهم. كان هناك أناس رأوا ما يحدث، فوقفوا ينصحونهم وينهونهم عن السوء. وكان هناك آخرون لم يشاركوا في الصيد، لكنهم لم يروا فائدة من النصيحة.
قالوا للناصحين:
— لماذا تعظون قومًا سيهلكهم الله أو يعذبهم عذابًا شديدًا؟
فأجابهم الذين كانوا ينهون عن السوء:
— معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون.
لم يكونوا يعرفون هل سيستجيب هؤلاء أم لا، ولم يكونوا يعرفون إن كانت كلماتهم ستغيّر شيئًا. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: أن السكوت عن الخطأ ليس هو الطريق الذي اختاروه.
ومضت الأيام، وظل أصحاب الحيلة على ما هم عليه، حتى نسوا ما ذُكّروا به. وحين عتوا عما نُهوا عنه، جاءت العقوبة.
أنجى الله الذين كانوا ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون.
ثم جاء الأمر الذي أنهى كل شيء:
﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
توقفت الفتاة عن التنفس للحظة، وظلت تنظر إلى جدها.
قالت:
— يعني كانوا عارفين إن ربنا قال ما يصطادوش يوم السبت؟
— أيوه.
— ومع ذلك عملوا الحيلة؟
هز رأسه.
— أيوه.
سكتت قليلًا، ثم قالت:
— بس هو كده الفرق إيه؟ ما هم ما اصطادوش يوم السبت فعلًا.
نظر الجد إليها وقال:
— هنا كانت المشكلة.
ثم فتح المصحف من جديد وقال:
— أحيانًا الإنسان يمسك في شكل الفعل، وينسى حقيقته.
نظرت الفتاة إلى الصفحة المفتوحة.
قالت:
— يعني ممكن الواحد يغيّر اسم الحاجة، بس تفضل هي هي؟
رفع الجد عينيه إليها.
— بالضبط.
ثم سكت قليلًا قبل أن يقول:
— وعشان كده قصة أصحاب السبت مش بس عن قوم كانوا بيصطادوا السمك.
أغلقت الفتاة المصحف بيدها.
— أمال عن إيه؟
ابتسم جدها.
— عن الإنسان لما يعرف الطريق الصح… وبعدين يبدأ يدور على طريق يوصله للغلط من غير ما يسميه غلط.
ظلت الفتاة صامتة. وفي الخارج، كانت أصوات الناس تعود إلى البيوت بعد صلاة الجمعة.
أما هي، فبقيت تنظر إلى المصحف، وكأنها لم تعد تفكر في الحكاية التي انتهت، بقدر ما تفكر في السؤال الذي تركه جدها مفتوحًا.
كم مرة يمكن للإنسان أن يعرف الحكم… ثم يقضي وقته كله يبحث عن الحيلة؟
حين ترى أمٌّ أطفالها يؤذون قطة في الحديقة، تختار حكاية نبوية لتفتح أعينهم على ما لم يشعروا به. وبين أسئلتهم وصمتهم، يبدأون في فهم الفرق بين اللعب والأذى. قصة عن الرفق بالحيوان، وأثر الحكايات في تعليم الأطفال الرحمة وتحويلها إلى أفعال.
قصة مؤثرة عن رجلٍ قتل مائة نفس، ثم عاد يبحث عن طريق التوبة والنجاة. فهل تُغلق رحمة الله أبوابها أمام من صدق في توبته؟ قصة تذكّرنا بأن باب التوبة مفتوح، وأن صدق الرجوع إلى الله قد يغيّر المصير.