بعد أن يحطم أحمد التلفاز أثناء التقاط صورة مع القطة، يعاقبه والده عم توفيق بالجلوس ثلاث ساعات أمام الراديو القديم. لكن أحمد يحوّل العقاب إلى مقلب إذاعي محكم، مقنعًا والده بأن الجهاز يناديه ويستقبل رسائل غامضة حتى بعد فصل الكهرباء. قصة كوميدية عن أب سريع التصديق، وابن لا يفوّت فرصة لصناعة مقلب جديد.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 3 دقائق
2قراءة
اقرأ القصة
في بيت عم توفيق السمح، لم تكن السنون تغير من القواعد شيئًا. ورغم أن ابنه "أحمد" صار شابًا بطول الباب، إلا أن الأب ظل يمارس عليه طقس العقاب الأثير لديه منذ الطفولة: "جلسة الراديو الترانزستور".
لا ضرب، ولا قطع مصروف؛ فقط كرسي في منتصف الصالة للاستماع إلى أثير المحطة العامة من جهاز بني موديل 1978، يبث النشرات بصوت يشبه صرير باب مصدئ.
كان أحمد قد اعتاد العقاب، بل وطوّر حوله ألعابه الخاصة. في المرة الأخيرة مثلاً، وبينما كان عم توفيق يجلس في الشرفة يقرأ جريدته، انحنى أحمد خلف زجاج الباب وقلّد صوت أمه بدقة متناهية وهي تنادي من المطبخ: "يا توفيق.. ارمي الجريدة وتعال قطع البصل!".
طيّ عم توفيق الجريدة، وتمتم بغضب مكتوم وهو يكلم نفسه: "بصل؟ أسيب الجريدة وأقطع بصل؟ أنا الأستاذ توفيق أقطع بصل؟! لأ ولما بعترض بتجمع هدومي أنا والواد، النظيف بالوسخ، وتغسله كله!".. ثم التفت ونادى بصوت عالٍ نحو الداخل بنبرة ودودة: "يا خبر! أنا إزاي نسيت؟ جاي حالاً يا حبيبتي.. أنتِ عارفة أنا بحب أقطعه عشان عيونك ما تتأثرش!".. ورفع وجهه للسماء بطريقة درامية وهمس: "سامحني يا رب!"
كل هذا وأحمد يراقبه من بعيد بابتسامة تسلية. دخل عم توفيق المطبخ ليكتشف أن زوجته نائمة بالداخل منذ ساعتين، فخرج بعصبية وهو يصيح: "ماشي يا أحمد.. بقى كده بتعمل مقلب في أبوك؟ ما أنا لو كنت أب أريستوقراطي مكنتش اتجرأت!"
أخرج أحمد رأسه ومقلدًا صوت أمه من جديد: "توفيق! الصوت.. مش عارفة أنام!"
تراجع توفيق ببرجلة وهتاف خافت: "معلش يا حبيبتي مأخدتش بالي إن الصوت عالي.. الأهم اتغطي كويس، وأوعي تحلمي بحد غيري.. عارفاني بغير!"
فرد عليه أحمد بنفس الصوت الأنثوي وهو يغالب ضحكاته: "بجد يا توفي بتغير؟"
فما كان من توفيق إلا أن خلع حذاءه ورماه به بغيظ: "يا قليل الأدب!"
وفي يوم الخميس، ارتكب أحمد الجريمة الأكثر كلفة: أوقع شاشة التلفاز الجديدة وهو يحاول التقاط سيلفي مع القطة. وصدر القرار الفوري المعتاد: ثلاث ساعات متواصلة أمام الراديو بدون حركة.
يقرر سعيد اختبار مهارته الجديدة في التسوق الإلكتروني بطلب بعض الموز، لكن خطأً صغيرًا في تحديد الكمية يحوّل الشارع وبيته إلى سوق فاكهة. وبين جبال الموز وذهول أسرته، تبدأ «حالة طوارئ موزية» لا تخلو من المواقف الساخرة.
شيماء الصاوي3قراءة
جلس الشاب ينظر للجهاز بحسرة. مسح أنفه بيده، فتسببت حركته في احتكاك قميصه البوليستر بظهر الراديو، لتصدر الصفارة الشهيرة: "ششششـكـكـك"!
توقف أحمد. حرك كتفه، فخرج صوت تشويش آخر. حرك قدمه، فأنّ الجهاز. ابتسم أحمد؛ هذه ليست ثلاث ساعات عقاب، هذه مسرحية جديدة.
خرج عم توفيق للشرفة يدخن سيجارته مرتاح الضمير. انتظر أحمد حتى ابتعد والده، ثم انحنى على الراديو وأخرج من حنجرته صفيرًا خفيفًا متبوعًا بنبرة باحة مكتومة:
"شششش... أيتها الكائنات الأرضية... شششش"
توقف عم توفيق في الشرفة. أخرج السيجارة من فمه، ونظر عبر زجاج الباب بريبة.
سكن أحمد تمامًا، وأمال رأسه إلى الأمام ليغطي وجهه ببراعة بيديه كأنه يبكي، بينما همس من بين أصابعه بنبرة أعمق:
"توفيق... أرجع التلفزيون القديم... التلفزيون الجديد كان شؤمًا على المجرة... شششش"
دخل عم توفيق الصالة بخطوات بطيئة حذرة. نظر للراديو، ثم لابنه الشاب الذي يبدو غارقًا في نحيبه، وقال بصوت متعرج: "أحمد... أنت سمعت المذيع قال إيه؟"
رد أحمد من تحت يديه بنبرة مرعوبة متمثلة: "بيقول اسمك يا بابا! المذيع بيتحول!"
تقدم عم توفيق ببطء، ومد يده المرتعشة، وسحب فيش الكهرباء من الحائط بهدوء شديد. انقطع صوت الراديو الحقيقي، وساد الصمت.
تنفّس الأب براحة، وابتسم بقلة حيلة كأنه يطرد وهمًا، لكن أحمد لم يفرّط في اللحظة.
أغمض أحمد عينيه، وأمال رأسه على الترابيزة، وأخرج من أعمق نقطة في حنجرته صوت تشويش متواصل بنفس نبرة الترانزستور:
"شششش... الفيشة لن تنقذك يا توفيق... نحن نعيش في البطاريات! شششش!"
تراجع عم توفيق خطوتين وهو ينظر للجهاز المقطوع عنه الكهرباء بشرود تام. لم يصرخ، بل جلب "المقشة" من الزاوية، وبطرفها دفع الراديو بحذر شديد حتى أسقطه من الشباك، سمعا صوت تحطمه على الإسفلت.
نظر أحمد إلى الراديو المحطم أسفل الشباك بحسرة، ثم أخرج من حنجرته نفس صوت التشويش وقال:
"شششش... مستمعينا الأعزاء... الإذاعة تعتذر عن هذا الخلل."
في المساء، كان أحمد يجلس على الكنبة يتابع هاتفه بانتصار، بينما يجلس الأب في أقسى زاوية في الصالة ينظر لابنه الطويل بريبة، قبل أن يهتف بصوت خافت:
"بقولك إيه يا أحمد... قم خذ التلفزيون المكسور ارميه في المستودع... وتعال اقعد مكانه ثلاث ساعات من غير حركة!"
يحاول مدحت توفير بضع دقائق قبل مغادرة العمل، فيختار حمامًا متهالكًا وينتهي به الأمر محتجزًا داخله بمقبض مكسور وهاتف فارغ البطارية. وعندما يستنجد بعم إبراهيم ضعيف السمع، يتحول سوء الفهم إلى اتهامه بأنه جنّي يسكن الكابينة الثالثة. قصة كوميدية عبثية عن قرار صغير حوّل نهاية يوم العمل إلى أطول ليلة في حياة موظف حكومي.
قبل أهم مقابلة عمل في حياته، تتحطم نظارة حاتم، فيقرر دخول شركة الإعلانات والتظاهر بأنه يرى كل شيء بوضوح. بين مصافحة تمثال أينشتاين، وابتكار شعار لقطة غاضبة، والترويج لمعطر حمام باعتباره عطرًا فاخرًا؛ تتحول المقابلة المصيرية إلى سلسلة من المواقف الكوميدية. فهل تفسد أخطاؤه فرصته، أم تكشف عن موهبة لم يكن يتوقعها أحد؟