كل ليلة عند الثالثة وعشر دقائق، يسمع مالك خطوات رطبة تعبر صالة منزله القديم وتتوقف أمام غرفته. وحين يقرر ترك الباب مواربًا ومواجهة مصدر الصوت، يكتشف أن ما كان يسمعه لم يكن يسير في الممر كما ظن. قصة رعب مشحونة بالتوتر عن كائن ظل قريبًا منه أكثر مما تخيل.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 4 دقائق
2قراءة
اقرأ القصة
كان الصوت يأتيه كل ليلة في تمام الثالثة وعشر دقائق.
صوت خطى خفيفة، غير جافة، تطأ خشب الصالة الممتدة بين غرفة نومه والباب الخارجي. لم تكن خطى إنسان يرتدي حذاءً، ولا قدمين حافيتين؛ كان الصوت أشبه بمسح قماش رطب ومثقل بالطين على الأرضية. كان قريبًا بشكل مخيف، حتى إن مالك أقسم في الليالي الأولى أن مصدره خشب الصالة نفسه.
يستلقي مالك في فراشه، جسده مشدود كوتر، وعيناه مسمرتان على السقف. المنزل القديم الذي استأجره في أطراف المدينة كان رخيصًا لسبب يدركه الآن جيدًا. لا أشباح تصرخ، ولا أبواب تتخبط؛ فقط تلك السلسلة المنتظمة من الخطوات التي تبدأ من منتصف الممر، تتجه نحو باب غرفته المغلق، ثم تقف.
خمس ثوانٍ من الصمت المطلق.
ثم تعود الخطوات أدراجها، لتختفي عند الجدار الميت في نهاية الصالة.
وكان هناك شيء واحد لم يتغير طوال تلك الليالي: لم يتوقف الصوت عند عتبة غرفته قط.
الليلة، قرر مالك أن ينهي هذا العذاب.
أعد كل شيء. أطفأ المصابيح بالكامل ليسمح لعينيه بالاعتياد على العتمة. كان كشافه اليدوي الفولاذي الثقيل يربض على فخذه الأيمن. أما باب الغرفة، فلم يكن مغلقًا بالكامل هذه المرة؛ ترك فيه شقًا لا يتعدى سمك ورقتين، يتيح له رؤية الممر دون أن يُرى.
كانت الساعة على الهاتف تشير إلى 3:09.
جف ريقه. سرت برودة لا علاقة لها بالطقس في هواء الغرفة، برودة تخترق العظام وتبني طبقة رقيقة من التكثف على زجاج النافذة.
في الثالثة صباحًا، تتحول غرفة مكتب إلياس الجديدة إلى مكان لا يشبه ما عرفه طوال الأسبوع. رائحة تراب مبتل، وبرودة غامضة، ورسائل تظهر وحدها على شاشة الحاسوب، تقوده نحو ذكرى لا يتذكر أنه عاشها. وبينما يبحث عن الشيء المختبئ خلفه، يكتشف أن بعض الآثار لا تبقى في المكان فقط… بل داخل من يسكنه.
شيماء الصاوى1قراءة
كانت أبطأ من كل ليلة. السائل المبلل يتردد على خشب الممر. لم يحرك مالك رمشًا. أمال رأسه بزاوية بسيطة جدًا ليضع عينه اليسرى أمام الشق تمامًا.
كان الممر مغمورًا بضوء الشارع الخافت القادم من شباك الصالة. الظلال متطاولة.
ثم ظهرت.
لم تكن قادمة من الباب أو النافذة؛ ظهرت عند التقاء الجدار بالسقف، كأن الظلام هناك قد لفظها. هيئة بشرية، لكنها مشوهة التكوين؛ ظهرها منحني بدرجة زاوية قائمة، وذراعاها طويلتان بشكل يثير الاشمئزاز، تتجاوزان ركبتيها بكثير. كانت ترتدي ما يشبه الكفن الرمادي المهترئ، والمائع برطوبة سوداء.
توقفت الهيئة على بعد خطوات من الباب.
حبس مالك أنفاسه.
كان قد حفظ ما يحدث كل ليلة: يتوقف الصوت أمام باب غرفته خمس ثوانٍ، ثم يعود إلى الجدار.
عدّ في سره:
واحد... اثنان... ثلاثة... أربعة...
في الثانية الخامسة، لم تتحرك الهيئة للخلف.
استدار رأسها ببطء شديد، بزاوية مئة وثمانين درجة، حتى أصبح وجهها مقابلًا للشق تمامًا.
لم يكن هناك وجه. فقط جلد رمادي أملس ومشدود كالمومياء، وفي منتصفه ثقب أسود غائر يتنفس بانتظام.
لم يتراجع مالك إلا نصف خطوة، كأن جسده تحرك قبل أن يستوعب ما رآه.
وفجأة، أدرك شيئًا لم يفهمه في اللحظة الأولى.
كان يراها بالمقلوب.
لم تكن الهيئة واقفة على الأرض كما ظن.
كانت معلقة من السقف، ورأسها متدلٍ إلى الأسفل، وذراعاها الطويلتان تلامسان الأرض.
ارتد مالك إلى الخلف، وانفتح فمه دون صوت. رفع يده إلى فمه في اللحظة نفسها، كاتمًا شهقة كادت تفلت منه.
صار بين وجهه ووجهها سنتيمترات معدودة، لا يفصل بينهما سوى لوح خشب نحيف.
ظل ساكنًا تمامًا، وعيناه معلقتان بالثقب الأسود الذي كان يتنفس أمامه.
تسللت رائحة المياه الراكدة والحديد الصدئ عبر الشق، فشعر بمعدته تنقبض.
مد يده المرتجفة إلى الكشاف، وضغط على زرّه بقوة.
انطلق شعاع الضوء الأبيض الساطع كالسيف ليخترق الشق ويضرب الوجه مباشرة.
أصدر الكائن صفيرًا حادًا هز جدران الغرفة، وارتد للخلف.
لم يضيع مالك ثانية واحدة. دفع الباب بقوة وجرى بكامل سرعته نحو باب الشقة الخارجي ليفر إلى الشارع.
ولأول مرة، لم يتوقف الصوت عند عتبة غرفته.
كان خلفه.
وصل مالك إلى الباب، أمسك بالمقبض المعدني وأداره بلهفة.
الباب لم يفتح.
فتح أقفاله الثلاثة بسرعة هستيرية، وسحب المقبض مجددًا، لكن الباب كان ثابتًا كأنه جزء من جدار خرساني.
التفت مالك.
كانت الصالة فارغة تمامًا.
لا يوجد أحد.
ساد الصمت من جديد.
ثم سمع:
سحب... سحب... سحب.
رفع رأسه.
كانت الهيئة معلقة في السقف، وجسدها منبسط فوق الخشب كجسد ميت التصق به. أطرافها أطول مما كانت عليه بمرتين، تتمدد وتلتف حول خشب السقف، وجسدها ينساب فوقه ببطء.
لكنها لم تكن تتحرك نحو مالك.
كانت تتحرك فوقه.
تتبعه.
رفع مالك عينيه أكثر، فرأى شيئًا لم يلاحظه طوال الليالي السابقة.
تحت جسدها الملتصق بالسقف، كانت أطرافها الطويلة تنزلق فوق الخشب.
سحب... سحب... سحب.
نفس الصوت.
نفس الإيقاع.
نفس الصوت الذي كان يسمعه كل ليلة عند الثالثة وعشر دقائق.
تجمد مالك.
لم تكن الخطوات تأتي من الصالة.
كانت فوقه.
طوال تلك الليالي، كانت الهيئة تسير فوق سقف المنزل، بمحاذاة الممر، بينما كان صوت أطرافها المبللة يتسرب إلى الأرض تحته.
ثم توقفت فوق غرفته.
لخمس ثوانٍ.
ثم عادت إلى الجدار.
أما الليلة، فقد فتح لها الباب.
تدلت رأسها ببطء حتى صار وجهها أمام وجهه.
كان الثقب الأسود في منتصفه يتسع.
اقترب الرأس أكثر.
وتوقف على بعد سنتيمترات من وجهه.
ثم ساد الصمت.
عندها خانت ساقا مالك كل ما تبقى فيه من قوة، وانهار جسده على الأرض، وفقد وعيه.
بعد مشاهدة فيلم رعب، تستيقظ شهد من كابوس ترى فيه الفتاة الميتة تزورها وتطلب شيئًا مخيفًا. يحاول والداها إقناعها بأن ما رأته مجرد حلم، لكن عودة الفيلم للعمل وحده وظهور دميتها داخل المشهد الأخير يجعلان الحد الفاصل بين الشاشة والواقع يختفي. فهل انتهى الفيلم فعلًا، أم أن النهاية كانت بداية الزيارة؟
في بيتٍ قديم على أطراف قرية هادئة، تبدأ ثلاث طرقات غامضة كل ليلة بعد منتصف الليل. هناك قاعدة واحدة فقط: لا تفتح الباب، ولا تذكر اسمك. لكن عندما ينادي الطارق اسم حازم ثلاث مرات، يكتشف أن الخطر لم يكن خلف الباب فقط... بل كان يعرف عنه أكثر مما ينبغي.