يدخل مروان مسرحًا مهجورًا لتفكيك معداته القديمة، بحثًا عن مخرج من ديونه. لكن شاشة تعمل بلا كهرباء تكشف له جمهورًا لا يراه في المقاعد الخالية. وبين أصوات تتردد تحت الخشبة وتصفيق لا يعرف مصدره، تتحول المهمة إلى عرض لم يختر المشاركة فيه.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 3 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
كانت الساعة تُقارب الواحدة بعد منتصف الليل عندما أسند «مروان» جسده إلى الحافة الخشبية المقشّرة للوحة التحكم الرئيسية، الملتصقة بجانب خشبة العرض في مسرح «سفينكس» القديم. المكان مغلق منذ منتصف الثمانينيات، ورائحة الفطريات والرطوبة، الممزوجة بغبارٍ عالق في الهواء، كانت خانقة حتى شعر بوخزٍ في صدره.
لم يكن مروان يملك ترف الرفض؛ فالديون المتراكمة على مقهاه الصغير جعلت العرض المقدَّم من المشتري الجديد لتفكيك معدات الإضاءة ولوحات التحكم النحاسية القديمة يبدو كطوق نجاة.
كان المكان غارقًا في صمتٍ حاد، حتى بدا له أن طنين أذنيه هو الصوت الوحيد المتبقي في العالم. أخرج مروان من حقيبته كشاف الجيب، وسلّط شعاعه الأبيض على الصالة. كانت المقاعد المخملية الحمراء قد تمزّق حشوها الهش، وأصوات الصراصير تتردد بين الزوايا. تسلّلت قشعريرة باردة تحت قميصه مع هبوطٍ مفاجئ في حرارة القاعة.
جلس على طرف الخشبة يفكّ البرغي الأخير من اللوحة، وفجأة... سقط البرغي من يده.
تدحرج المعدن على خشب الخشبة:
تك... تك... تك...
ثم توقف.
لكن الصوت لم ينتهِ؛ فمن تحت المسرح تمامًا، ارتطم شيء آخر بالخشب من الأسفل، وكأن هناك من ردّ التدحرج بالإيقاع نفسه.
تجمّد مروان. انقبضت عضلات بطنه، وارتفعت ضربات قلبه حتى شعر بنبضه في حنكه. سلّط الكشاف على الأرضية، فلم يرَ أي شق.
وفجأة، ومن دون أي صوت ميكانيكي، صدر طنين كهربائي عالٍ زلزل جدران القاعة.
اشتغلت الشاشة البيضاء الضخمة المعلّقة في خلفية الخشبة بضوء شاحب يميل إلى الأزرق. لم تكن هناك بكرة عرض تدور، ومقبس جهاز العرض الملقى في أقصى الصالة كان مقطوع السلك بالكامل.
وحبس مروان أنفاسه في صدره؛ فالشاشة لم تكن تعرض فيلمًا قديمًا، بل كانت تنقل بثًا حيًا للقاعة من كابينة العرض العلوية.
كل ليلة عند الثالثة وعشر دقائق، يسمع مالك خطوات رطبة تعبر صالة منزله القديم وتتوقف أمام غرفته. وحين يقرر ترك الباب مواربًا ومواجهة مصدر الصوت، يكتشف أن ما كان يسمعه لم يكن يسير في الممر كما ظن. قصة رعب مشحونة بالتوتر عن كائن ظل قريبًا منه أكثر مما تخيل.
شيماء الصاوى4قراءة
رأى نفسه على الشاشة، واقفًا بجوار اللوحة، والكشاف يرتجف بين أصابعه. رفع يده اليسرى ببطء شديد، يختبر ما يراه. وعلى الشاشة، ارتفعت يده اليسرى في اللحظة نفسها.
لكن الصالة على الشاشة لم تكن خاوية.
كانت المقاعد المتآكلة ممتلئة بالكامل. عشرات الحضور يجلسون في صمت مطبق. رؤوسهم جميعًا مائلة إلى الخلف بزوايا غير طبيعية، وعيونهم مفتوحة، جوفاء وبلا حدقات، يحدقون جميعًا في الشاشة... يحدقون فيه هو شخصيًا.
بدأت رائحة الطين الرطب تملأ أنفه. التفت مذعورًا إلى الصالة الحقيقية... لم يكن هناك أحد؛ الظلام وحده يملأ المكان.
أعاد نظره إلى الشاشة وهو يتراجع بظهره.
على الشاشة، تحرك الجمهور ببطء وبصورة موحّدة. ارتفعت الأيادي الجافة، وبدأوا يصفقون.
ازداد التصفيق قوة حتى بدأت جدران المسرح تهتز من حوله.
سقط الكشاف من يد مروان، وانكسر زجاجه وانطفأ.
حلّ الظلام التام في الصالة، باستثناء النور الأزرق الشاحب المنبعث من الشاشة. تراجع مروان يزحف على الخشب بظهره، متجهًا نحو الباب الجانبي، لكنه سمع تحرك المزلاج من تلقاء نفسه، ثم انغلق الباب بقوة.
على الشاشة، توقف الجمهور عن التصفيق فجأة، ووجّهوا جميعًا أنظارهم إلى شيء يقع خلف مروان مباشرة.
في البث الحي، رأى مروان كيانًا طويلًا يرتدي بدلة سهرة سوداء ممزقة ومبتلة بالطين، كأن صاحبها خرج بها للتو من حفل أُقيم في هذا المسرح منذ عقود. كان بلا ملامح، سوى فمٍ أسود مفتوح على اتساعه كصرخة أبدية.
على الشاشة، مدّ الكائن يده، ووضع أصابعه الزرقاء الباردة على كتف مروان الأيسر.
في الواقع... شعر مروان ببرودة ثلجية تخترق جسده كله، وضغطٍ ثقيل كأن وزنًا هائلًا انطبق على كتفه.
مال الكائن على الشاشة برأسه نحو أذن مروان.
وفي تلك اللحظة، انطلقت همسة مبللة بالماء داخل أذن مروان الحقيقية:
"والآن انتهت الفقرة المجانية... وبدأ دورك في العرض."
قبل أن يستجمع شتات نفسه ليصرخ، سمع أسفل الخشبة صوتًا معدنيًا مألوفًا:
تك... تك... تك...
تشققت ألواح الخشبة تحته في تلك اللحظة، وانفتح بينها سواد عميق، بينما حفرت الأصابع الثلجية في جلده وسحبته إلى الأسفل...حيث ينتهي العرض.
في الثالثة صباحًا، تتحول غرفة مكتب إلياس الجديدة إلى مكان لا يشبه ما عرفه طوال الأسبوع. رائحة تراب مبتل، وبرودة غامضة، ورسائل تظهر وحدها على شاشة الحاسوب، تقوده نحو ذكرى لا يتذكر أنه عاشها. وبينما يبحث عن الشيء المختبئ خلفه، يكتشف أن بعض الآثار لا تبقى في المكان فقط… بل داخل من يسكنه.
بعد مشاهدة فيلم رعب، تستيقظ شهد من كابوس ترى فيه الفتاة الميتة تزورها وتطلب شيئًا مخيفًا. يحاول والداها إقناعها بأن ما رأته مجرد حلم، لكن عودة الفيلم للعمل وحده وظهور دميتها داخل المشهد الأخير يجعلان الحد الفاصل بين الشاشة والواقع يختفي. فهل انتهى الفيلم فعلًا، أم أن النهاية كانت بداية الزيارة؟