تخطّي إلى المحتوى

المعادلة المفقودة - قصة مالك بن نبي

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة ٣ دقائق
٠قراءة

تأخذنا القصة في رحلة داخل عقل المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي ظل يبحث عن إجابة لسؤال الحضارة: لماذا تتقدم أمم بينما تتأخر أخرى؟ ومن خلال تأمله في الإنسان والأرض والوقت، يصل إلى رؤيته الشهيرة بأن الحضارة لا تبدأ بامتلاك الإمكانات، بل بالقدرة على تحويلها إلى عمل وبناء. قصة فكرية تلخص سؤالًا ما زال مفتوحًا أمام كل مجتمع يبحث عن طريق النهضة.

المعادلة المفقودة - قصة مالك بن نبي

في فرنسا، كان مالك بن نبي يعمل على كتاب ظل يحمل داخله سؤالًا أكبر من مجرد سؤال عن الجزائر.

منذ سنوات، والسؤال يطارده:

لماذا تأخر المسلمون، بينما كانت أمم أخرى—كالمجتمع الأوروبي—تتقدم وتبني الحضارات؟

كان يستطيع أن يجيب بسرعة: الاستعمار، الفقر، نقص التعليم، قلة الإمكانات.

لكن كل إجابة كان يجد فيها ثغرة جديدة.

كان يعيش في أوروبا ويرى مجتمعًا استطاع أن يحول العلم إلى صناعة، والوقت إلى عمل، والأفكار إلى مؤسسات. وفي المقابل، كان يعرف أن العالم الإسلامي يملك أرضًا، ويملك بشرًا، ويجري فيه الزمن مثلما يجري في كل مكان.

إذن، أين المشكلة؟

لم يكن مالك بن نبي يبحث عن عذر.

كان يبحث عن قانون.

ولد في قسنطينة عام 1905، ونشأ بين الثقافة العربية والتعليم الفرنسي. وفي عام 1925 ذهب إلى فرنسا طموحًا في إكمال دراسته، لكن الرحلة لم تكتمل كما أراد؛ إذ لم يوفق في إيجاد المسار الدراسي الذي يطمح إليه، فعاد إلى الجزائر.

لكن المحاولة الأولى لم تكن سوى البداية.

في عام 1930، عاد إلى فرنسا مرة أخرى؛ ووجهته هذه المرة كانت التحاقًا بمعهد اللغات والدراسات الشرقية، قبل أن تأخذه الأقدار ويتجه إلى مدرسة الهندسة الكهربائية والميكانيكية.

قد يبدو الأمر كأنه طريق بعيد عن السؤال الذي كان شغوفًا به.

لكنه لم يكن كذلك.

فكلما قرأ أكثر، وعاش عن قرب داخل المجتمع الأوروبي، ازدادت المقارنة في رأسه.

كان يرى أشياء كثيرة لا يملكها مجتمعه، لكنه بدأ يلاحظ شيئًا أهم:

امتلاك الأشياء وحده لا يصنع الحضارة.

فيمكن أن تمتلك الآلة ولا تعرف ماذا تفعل بها.

ويمكن أن تمتلك الأرض ولا تحول ثروتها إلى بناء.

ويمكن أن تملك الوقت، ثم تتركه يمر دون أن يتحول إلى عمل أو تراكم.

وهنا بدأ السؤال يتغير.

لم يعد يسأل: ماذا ينقصنا؟

بل:

كيف نستخدم ما لدينا؟

فالإنسان موجود.

والأرض موجودة.

والوقت يمر على الجميع.

لكن لماذا تتحول هذه العناصر في مجتمع إلى بناء، بينما تبقى في مجتمع آخر مجرد إمكانات لا تُستثمر؟

ظل يبحث عن الإجابة.

قرأ في التاريخ والفلسفة، وتأمل المجتمعات، ودرس العلاقة بين الإنسان والأفكار والثقافة.

ومع الوقت، بدأت العناصر التي ظل يراقبها تتجمع أمامه في صورة أبسط مما توقع.

الإنسان.

التراب.

الوقت.

لكن وجودها وحده لا يكفي.

كان لابد من شيء يجعلها تتحرك في اتجاه واحد، ويمنح الإنسان القدرة على تنظيم علاقته بالأرض والوقت، وتحويل طاقته من مجرد وجود إلى فعل.

وهنا دخلت الفكرة الدينية في تصوره للحضارة؛ الفكرة التي تمنح هذه العناصر اتجاهًا، وتجمعها داخل مشروع إنساني قادر على البناء.

ومن هذا التصور تشكلت معادلة الحضارة التي أصبحت من أشهر أفكاره:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت.

لم تكن المعادلة بالنسبة إليه مجرد ثلاثة عناصر مجتمعة.

كانت إجابة عن السؤال الذي رافقه سنوات.

فالحضارة لا تبدأ عندما نمتلك الأشياء التي يمتلكها الآخرون.

تبدأ عندما نعرف ماذا نفعل بما لدينا.

وفي عام 1949، صدر كتابه «شروط النهضة»، الذي وضع فيه جانبًا مهمًا من مشروعه لفهم شروط النهوض ومشكلات الحضارة. لم يكن يبحث عن طريقة لاستنساخ تجربة مجتمع آخر، بل عن الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على بناء حضارته من داخله.

ثم واصل الكتابة والمحاضرات والتفكير في مشكلات الحضارة، وتنقل بين الجزائر وفرنسا ومصر، وظل السؤال نفسه حاضرًا في مشروعه الفكري حتى وفاته عام 1973.

لكن الأسئلة الكبيرة لا تنتهي عندما يموت أصحابها.

فقد تنظر إلى مجتمع يملك الأرض، لكنه لا يعرف كيف يستثمرها.

وترى أناسًا يملكون العلم، لكن علمهم لا يتحول إلى فعل.

وترى سنوات طويلة تمر، دون أن يتحول الوقت إلى شيء يبقى.

وعندها، لن تبدو المعادلة مجرد كلمات كتبها مفكر منذ عقود.

ستصبح شيئًا آخر.

ستتوقف قليلًا أمام العناصر الثلاثة.

الإنسان.

التراب.

الوقت.

ثم ربما تسأل، دون أن يطلب منك أحد ذلك:

إذا كانت هذه الأشياء موجودة...فما الذي يجعل أمةً تبني حضارة، وأخرى تظل تنتظر؟

المصادر(٢)
  1. •كتاب شروط النهضة
  2. •مذكرات شاهد للقرن للمفكر مالك بن نبي.

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

تمساح النيل -  قصة عبد اللطيف أبو هيف
قصص ملهمة / الرياضيون

تمساح النيل - قصة عبد اللطيف أبو هيف

في سباق سباحة طويل عام 1965، كان عبد اللطيف أبو هيف يفترض أن يتناوب مع شريكه الإيطالي، لكن مرض شريكه أجبره على مواصلة السباق وحده. وبينما كانت الفرق الأخرى تحصل على فترات للراحة، ظل أبو هيف في الماء لنحو 29 ساعة ونصف حتى وصل إلى خط النهاية وفاز بالمركز الأول. قصة حقيقية عن العزيمة والصمود، وتكشف أن أصعب لحظة في السباق ليست عندما يطول الطريق، بل عندما تجد نفسك وحيدًا وتقرر أن تكمل.

١قراءة
حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب
قصص ملهمة / الشخصيات المؤثرة

حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب

في محاضرة جامعية، يختار أحمد أن يتحدث عن السير مجدي يعقوب، الطبيب الذي كرّس حياته لإنقاذ القلوب وتطوير جراحة القلب عالميًا. لكن قصته لم تتوقف عند غرف العمليات؛ فقد أدرك أن إنقاذ القلب لا يعني علاج مريض واحد فقط، بل بناء منظومة تمنح آلاف الأطفال فرصة للحياة.

٠قراءة
الفضول الذي وصل لنوبل - أحمد زويل
قصص ملهمة / العلماء

الفضول الذي وصل لنوبل - قصة أحمد زويل

من غرفة طفل فضولي في الإسكندرية إلى منصة جائزة نوبل، بدأت رحلة أحمد زويل بسؤال بسيط: كيف تحدث الأشياء؟ كبر السؤال معه، وتحول إلى تجارب وأبحاث قادته إلى ابتكار طريقة مكّنَت العلماء من رؤية التفاعلات الكيميائية في زمن الفيمتوثانية. قصة ملهمة عن الفضول، والإصرار، والعلم، وكيف يمكن لسؤال صغير أن يقود إلى اكتشاف يغير العالم.

١قراءة