تخطّي إلى المحتوى

تمساح النيل - قصة عبد اللطيف أبو هيف

بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة دقيقتان
١قراءة

في سباق سباحة طويل عام 1965، كان عبد اللطيف أبو هيف يفترض أن يتناوب مع شريكه الإيطالي، لكن مرض شريكه أجبره على مواصلة السباق وحده. وبينما كانت الفرق الأخرى تحصل على فترات للراحة، ظل أبو هيف في الماء لنحو 29 ساعة ونصف حتى وصل إلى خط النهاية وفاز بالمركز الأول. قصة حقيقية عن العزيمة والصمود، وتكشف أن أصعب لحظة في السباق ليست عندما يطول الطريق، بل عندما تجد نفسك وحيدًا وتقرر أن تكمل.

تمساح النيل -  قصة عبد اللطيف أبو هيف

حين أصبح السباق عليه وحده

كان من المفترض أن يسبح ساعة، ثم يخرج من الماء ويترك لشريكه الساعة التالية.

هكذا كان نظام سباق مونتريال الدولي للسباحة الطويلة عام 1965؛ فريق من سباحين يتناوبان السباحة، ساعة بعد ساعة، حتى يصلا إلى النهاية.

وكان عبد اللطيف أبو هيف يعرف جيدًا معنى الساعات الطويلة في الماء. فقد أصبح واحدًا من أشهر سباحي المسافات الطويلة في العالم، وخاض سباقات امتدت لعشرات الكيلومترات، في مياه لا تمنح الجسد فرصة سهلة.

لكن هذه المرة، لم يكن وحده.

كان شريكه الإيطالي جوليو ترافاليو إلى جواره، والخطة واضحة: ساعة لأبو هيف، ثم ساعة لترافاليو، ثم يعود أبو هيف... وهكذا حتى النهاية.

بدأ السباق.

نزل أبو هيف إلى الماء، ودخل جسده في إيقاع السباحة الطويلة؛ ضربة وراء ضربة، ونَفَس وراء نَفَس.

في هذا النوع من السباقات، لا يكون التحدي في السرعة وحدها. عليك أن تعرف كيف تتعامل مع التعب، وكيف تحافظ على إيقاعك عندما تبدأ الساعات في التشابه، وكيف تقنع جسدك بأن الطريق لم ينتهِ بعد.

ثم حدث ما لم يكن في الخطة.

مرض ترافاليو ولم يعد قادرًا على مواصلة السباق، واضطر إلى الخروج من الماء.

كان من المفترض أن يعود بعد ساعة.

لكنه لن يعود.

وفي لحظة واحدة، تغيّر السباق كله.

الفرق الأخرى ما زالت تعمل وفق خطتها: سباح يخرج، وآخر ينزل، بينما يحصل الأول على فرصة ليستعيد أنفاسه.

أما أبو هيف، فلم يعد لديه من ينوب عنه.

كان يستطيع أن يتوقف.

فالسباق سباق فرق، وشريكه خرج من الماء.

لكن أبو هيف استمر.

مرت ساعة أخرى.

ثم أخرى.

والفرق من حوله تواصل التناوب، بينما ظل هو في الماء.

كلما خرج سباح من أحد الفرق، كان هناك آخر ينتظره ليكمل مكانه.

أما أبو هيف، فكان يواصل السباحة في اللحظة التي كان يجب أن يبدأ فيها شخص آخر.

مر الوقت.

وبدأ التعب يظهر في جسده.

الماء نفسه الذي كان يمر عليه في الساعات الأولى أصبح أثقل، وكل حركة تحتاج إلى جهد أكبر. لكن الطريق لم يتغير، والنهاية لم تقترب بما يكفي لتسمح له بالتوقف.

استمر.

لم تعد المسألة الآن أن يسبح ساعة أخرى.

لقد أصبح عليه أن يحمل السباق كله تقريبًا على جسده.

وفي الوقت الذي كانت فيه الفرق الأخرى تتناوب بين الماء والراحة، ظل أبو هيف يسبح وحده، حتى بلغ مجموع ما قضاه في الماء نحو تسع وعشرين ساعة ونصف.

ثم وصل.

أولًا.

وفاز بالسباق.

لكن لو تذكر الناس الرقم وحده، فلن يعرفوا القصة كاملة.

لأن أصعب لحظة لم تكن عند النهاية.

كانت في منتصف الطريق، عندما خرج شريكه من الماء، وأصبح بإمكان أبو هيف أن يقول: انتهى دوري.

لكنه لم يفعل.

واصل السباحة.

ربما لهذا ارتبط اسمه لاحقًا بلقب «تمساح النيل»، وأصبح واحدًا من أبرز أبطال السباحة الطويلة في القرن العشرين.

لكن البطولة التي تكشف شخصيته أكثر من أي لقب، كانت تلك اللحظة التي تغيّرت فيها الخطة ولم يتغير هدفه.

بدأ السباق ومعه شريك.

ثم أكمله وحده.

وفي بعض السباقات، لا يكون أصعب ما فيها أن الطريق طويل، بل أن تكتشف في منتصفه أنك أصبحت وحدك، ثم تقرر أن تكمل.

المصادر(٢)
  1. •أرشيف «سباق مونتريال الدولي للسباحة الطويلة (1965)
  2. * السجلات الرسمية لـ قاعة مشاهير السباحة العالمية (ISHOF).

© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.

قصص قد تعجبك

المعادلة المفقودة - قصة مالك بن نبي
قصص ملهمة / المفكرون

المعادلة المفقودة - قصة مالك بن نبي

تأخذنا القصة في رحلة داخل عقل المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي ظل يبحث عن إجابة لسؤال الحضارة: لماذا تتقدم أمم بينما تتأخر أخرى؟ ومن خلال تأمله في الإنسان والأرض والوقت، يصل إلى رؤيته الشهيرة بأن الحضارة لا تبدأ بامتلاك الإمكانات، بل بالقدرة على تحويلها إلى عمل وبناء. قصة فكرية تلخص سؤالًا ما زال مفتوحًا أمام كل مجتمع يبحث عن طريق النهضة.

٠قراءة
حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب
قصص ملهمة / الشخصيات المؤثرة

حين يتسع القلب - قصة مجدي يعقوب

في محاضرة جامعية، يختار أحمد أن يتحدث عن السير مجدي يعقوب، الطبيب الذي كرّس حياته لإنقاذ القلوب وتطوير جراحة القلب عالميًا. لكن قصته لم تتوقف عند غرف العمليات؛ فقد أدرك أن إنقاذ القلب لا يعني علاج مريض واحد فقط، بل بناء منظومة تمنح آلاف الأطفال فرصة للحياة.

٠قراءة
الفضول الذي وصل لنوبل - أحمد زويل
قصص ملهمة / العلماء

الفضول الذي وصل لنوبل - قصة أحمد زويل

من غرفة طفل فضولي في الإسكندرية إلى منصة جائزة نوبل، بدأت رحلة أحمد زويل بسؤال بسيط: كيف تحدث الأشياء؟ كبر السؤال معه، وتحول إلى تجارب وأبحاث قادته إلى ابتكار طريقة مكّنَت العلماء من رؤية التفاعلات الكيميائية في زمن الفيمتوثانية. قصة ملهمة عن الفضول، والإصرار، والعلم، وكيف يمكن لسؤال صغير أن يقود إلى اكتشاف يغير العالم.

١قراءة
تمساح النيل - قصة عبد اللطيف أبو هيف · مُلهم