أمي أولى
أمي أولى
نبذة عن القصة
أمي أولى
نبذة عن القصة
ينتظر كريم أول مرتب ليشتري الهاتف الذي حلم به طويلًا، لكن احتياجات أمه تضعه أمام اختيار لم يحسب حسابه. وبين عرض مغرٍ وفرحة مؤجلة، يكتشف أن المال الذي كسبه بتعبه قد يمنحه سعادة مختلفة عمّا تخيّل.

اقرأ القصة
ظل كريم طوال الشهر يفتح تطبيق البنك كل يوم تقريبًا، يتأكد من وصول المرتب، ثم يغلقه سريعًا، كأنه يخشى أن تختفي الأرقام إذا تركها طويلًا أمام عينيه من شدة فرحته.
كان أول مرتب حقيقي يحصل عليه منذ بدأ عمله الجديد، بعد شهور طويلة من البحث عن الوظيفة المناسبة لتخصصه وطموحه الذي لطالما شجعته أمه عليه. لم يكن مبلغًا ضخمًا، لكنه بالنسبة إليه كان شيئًا مختلفًا. لأول مرة يشعر أن المال الذي في حسابه جاء من تعبه هو، من الساعات الطويلة التي قضاها في العمل، ومن المواصلات التي كان يعود منها مرهقًا كل مساء.
وكان يعرف بالضبط ماذا سيفعل به.
هاتف جديد.
منذ أشهر، وهو يفتح مواقع البيع ويتابع أسعار الهواتف، يقارن بين الأنواع، ويحفظ أسماء الموديلات، حتى إنه كان قد اختار واحدًا بالفعل. قال لنفسه أكثر من مرة: — أول مرتب، ومن حقي أفرح.
وفي صباح يوم القبض، وقبل أن يخرج إلى عمله، خرج كريم من غرفته ليشرب، فوجد أمه تغسل بعض ملابسها بيديها. نظر إليها باستغراب، ثم سأل: — ماما، أومال فين الغسالة؟
مسحت أمه يديها في طرف ملابسها، وقالت: — الغسالة محتاجة موتور جديد، وعم صابر قال لي إن تصليحها هيكلف كتير، فقولت أستنى شوية لحد ما أوفر تمنه.
نظر كريم إلى الغسالة، ثم إليها. — طب ليه ما قولتيليش؟
ابتسمت. — وإنت كنت هتعمل إيه يعني؟ روح شغلك يا حبيبي.
هز رأسه، ثم دخل غرفته. وفي الطريق إلى العمل، ظل يفكر في الغسالة للحظات، قبل أن يعود إلى حماسه الأول.
بعد وصول المرتب، أرسل لصديقه رسالة: — النهارده هنجيب الموبايل.
جاءه الرد سريعًا: — أخيرًا يا عم! كنت هتفضل بالموبايل ده لحد المعاش؟
© جميع الحقوق محفوظة. يُحظر نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو توزيعه أو استغلاله، كليًا أو جزئيًا، دون إذن كتابي مسبق من صاحب الحقوق، باستثناء ما تسمح به القوانين المعمول بها. وتبقى حقوق الأعمال والمصادر المشار إليها لأصحابها.

ينتظر صالح يوم الجمعة ليلعب كرة القدم مع أبيه، لكن المطر يفسد خطته رغم دعائه بأن يتوقف. ومن خلال حديث دافئ مع والده، يتعلم أن استجابة الدعاء قد تأتي بصورة مختلفة، وأن الله يختار للإنسان الخير الذي قد لا يراه.
كان الهاتف الذي اختاره قد انخفض سعره هذا الشهر في عرض نادر، وأخبره البائع أن الكمية المتاحة منه محدودة، وأن السعر قد يعود إلى سابقه بمجرد انتهاء العرض. وإذا ضاعت عليه الفرصة، فسيحتاج إلى الانتظار شهرين أو ثلاثة حتى يستطيع شراءه بالسعر الجديد، وربما أكثر من ذلك.
خرج كريم من العمل متحمسًا، وهو ينوي أن يمر على المتجر قبل أن يعود إلى البيت.
لكن قبل أن يصل إلى محطة المترو، اتصلت به والدته. — ألو يا ماما.
— خلصت شغل؟
— أيوه، لسه خارج.
— طيب لو معدي على السوبر ماركت، هاتلي معاك شوية حاجات.
— حاضر، قولي.
بدأت تعدد له الأشياء: بعض مستلزمات البيت، ودواءها الذي أوشكت علبته على الانتهاء، وأشياء بسيطة للضيافة.
كتب كريم الأشياء في هاتفه، ثم سألها: — حاجة تانية؟
صمتت لحظة. — لا، خلاص.
ثم أضافت: — لو غالي سيب الحاجة، هجيبها أنا لما أنزل.
— حاضر يا ماما.
أغلق الهاتف، وأعاد النظر إلى قائمة المشتريات. لم تكن الأشياء كثيرة، لكنه حين حسبها في ذهنه، شعر أنها ستأخذ جزءًا لا بأس به من المبلغ الذي جمعه من أجل الهاتف، خصوصًا الدواء.
نظر إلى شاشة هاتفه القديم. كان زجاجها مخدوشًا من إحدى الزوايا، والبطارية تنفد سريعًا، وأحيانًا يتوقف الجهاز فجأة دون سبب.
تنهد. — طب ما أجيب الموبايل الأول وبعدين أشوف.
دخل المتجر. كان الهاتف الذي اختاره معروضًا خلف الزجاج، وبجواره لافتة العرض.
اقترب منه البائع. — اتفضل يا أستاذ، تحب تشوفه؟
أمسك كريم الهاتف، قلبه بين يديه، وجرب الكاميرا، وابتسم عندما رأى الصورة واضحة كما كان يتمنى. — حلو.
— ده من أحسن الأجهزة في الفئة دي، وكمان العرض ده مش هيتكرر بسهولة.
أعاد كريم النظر إلى اللافتة، ثم قال: — طب أجيبه.
وقبل أن يخرج النقود، رن هاتفه القديم. كانت أمه.
نظر إلى الشاشة، ثم إلى الهاتف الجديد أمامه، وفتح المكالمة. — أيوه يا ماما؟
— معلش يا حبيبي، نسيت أقولك على حاجة.
— قولي.
— بيت عمك جايين النهارده. مرات عمك اتصلت وبلغتني بالتليفون، بس مفيش حاجات للضيافة في البيت.
سكت كريم.
ثم قالت بسرعة: — متجبش حاجات غالية عليك، هات المناسب يا حبيبي وأنا هتصرف.
— ماشي.
أغلق الهاتف.
ظل واقفًا للحظات أمام الهاتف الجديد. العرض سينتهي قريبًا، ولو خرج الآن من المتجر من دونه، فلن يستطيع شراءه بهذا السعر مرة أخرى.
نظر إلى اللافتة، ثم أعاد الهاتف إلى البائع. — حضرتك ممكن ترجعه مكانه؟
استغرب الرجل. — مش هتاخده؟
ابتسم كريم. — لأ، بعدين.
خرج من المتجر.
اتجه إلى السوبر ماركت، واشترى كل الأشياء التي طلبتها والدته، ثم مر على الصيدلية واشترى الدواء.
عندما وصل إلى البيت، وضعت أمه الأشياء على الطاولة. — ليه جبت الدواء؟ أنا كنت هجيبه بكرة.
— ما أنا كنت معدي.
نظرت إلى باقي الأغراض. — كل ده؟
— ما هي الحاجات اللي طلبتيها.
— طب والموبايل؟
رفع كريم حاجبه. — موبايل إيه؟
ضحكت. — متعملش فيها مش فاكر. أنت كنت مستنيه من أول الشهر.
سكت قليلًا، ثم قال: — بعدين.
نظرت إليه، لكنها لم تسأله.
في تلك الليلة، كان كريم جالسًا في غرفته، يقلب هاتفه القديم بين يديه.
دخلت أمه دون أن تطرق الباب. — كريم.
— نعم؟
— أنت زعلان؟
رفع رأسه. — لأ.
— متأكد؟
ابتسم. — أيوه.
جلست على طرف السرير. — كان نفسك في الموبايل، صح؟
ضحك كريم. — جدًا.
— طب ليه ما جبتهوش؟
هز كتفيه. — عادي.
سكتت أمه قليلًا، ثم قالت: — أنا مش محتاجة كل اللي جبته ده.
نظر إليها. — عارف.
— ومش لازم كل مرة أطلب حاجة أقولك عليها تجيبها فورًا.
— عارف يا ماما.
ثم ابتسم. — بس أنا حبيت أجيبهم.
ابتسمت، وربتت على كتفه. — ربنا يرضى عنك يا ابني.
خرجت من الغرفة.
ظل كريم ينظر إلى الباب المغلق.
وفي صباح اليوم التالي، كان جالسًا على مائدة الإفطار عندما سألته أمه: — هو إنت ما نمتش كويس؟
— نمت عادي.
— شكلك بتفكر في حاجة.
ابتسم. — بفكر في الغسالة.
ضحكت. — سيبها دلوقتي يا كريم، لما ربنا يسهّل.
— هي محتاجة كام؟
نظرت إليه باستغراب. — ليه؟
— بس بسأل.
أخبرته بالمبلغ.
ظل صامتًا للحظات، ثم أخرج هاتفه القديم وفتح تطبيق البنك. كان المبلغ المتبقي بعد مشتريات الأم والدواء أقل مما كان يتمنى، لكنه لا يزال يكفي لإصلاح الغسالة.
رفع عينيه إليها. — هاتي رقم عم صابر.
— ليه؟
— عشان ييجي يصلحها.
اتسعت عيناها. — دلوقتي؟
ابتسم. — أيوه.
— يا ابني، ما كنتش مستعجلة.
— وأنا كمان مش مستعجل على الموبايل.
نظرت إليه للحظات، ثم ابتسمت. — بس ده كان عليه عرض كويس.
— عارف.
— وهتلاقيه أغلى بعد كده.
هز كريم رأسه. — عارف برضه.
سكتت أمه، ثم قالت: — خلاص، هجيبلك رقم عم صابر.
أخذ كريم الرقم واتصل به.
وفي المساء، مر كريم من أمام متجر الهواتف نفسه. توقف للحظة. كانت اللافتة قد اختفت، والسعر القديم عاد إلى مكانه.
نظر إلى الهاتف خلف الزجاج، وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أكمل طريقه.
وعندما وصل إلى البيت، وجد أمه واقفة أمام الغسالة التي عادت تعمل من جديد.
وضعت يدها على كتفه وقالت: — ربنا يفرح قلبك زي ما فرحت قلبي.
نظر كريم إلى الغسالة، ثم إليها. — كده أنا اللي فرحت.

سر الزهرة البيضاء في قلب بستان صغير، كانت الزهور تستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، وتفتح بتلاتها واحدة تلو الأخرى وسط تغريد العصافير وقطرات الندى. وكانت الوردة الجوري أول من يفعل ذلك. — انظروا إليّ! قالت وهي تفتح بتلاتها بفخر. أليست ألواني جميلة؟ ضحكت زهرة الياسمين وقالت: — جميلة؟ انتظري حتى تفوح رائحتي. وبالقرب منهما، رفع عباد الشمس رأسه نحو السماء. — وأنا لا أحتاج إلى أن أسأل أحدًا إن كنت جميلًا، قالت بثقة. الشمس تعرف ذلك. كانت زهرة البنفسج تستمع إليهن من مكان قريب، وتضحك كلما سمعت واحدة منهن تتباهى. لكن في طرف البستان، كانت هناك زهرة صغيرة ذات بتلات بيضاء لا تشاركهن الاحتفال. كل صباح، كانت تبقي برعمها مغلقًا. وفي صباح آخر، مرت فراشة صغيرة فوق البستان، ثم حطت للحظة على الزهرة البيضاء المغلقة. دارت حولها مرة، كأنها تبحث عن شيء، ثم طارت. اقتربت منها زهرة البنفسج ذات يوم وقالت: — ألا تريدين أن تتفتحي؟ هزت الزهرة رأسها. — ليس الآن. — ليس الآن؟ ومتى إذن؟ — لا أعرف. ضحكت زهرة البنفسج. — أي زهرة لا تعرف متى تتفتح؟ قال عباد الشمس: — ربما نسيتِ كيف تفعلينها! ضحكت بعض الزهور. لكن الياسمينة لم تضحك. اقتربت من الزهرة البيضاء وسألتها بهدوء: — لماذا لا تريدين أن تتفتحي؟ نظرت الزهرة إلى بتلاتها المغلقة. — لا أعرف... أشعر فقط أن عليّ أن أنتظر. — تنتظرين ماذا؟ — لا أعرف. ثم أضافت بصوت خافت: — أشعر أن هناك شيئًا سيحدث. هزت الياسمينة رأسها. — أنتِ تفكرين كثيرًا. ومضى الصباح. وفي اليوم التالي، وفي الذي يليه، بقيت الزهرة مغلقة. كلما فتحت الزهور بتلاتها للشمس، كانت تسمع ضحكاتهن، وهي تردد: — ليس الآن. حتى جاء يوم قررت فيه الياسمينة مساعدتها. قالت: — افتحي بتلة واحدة فقط. ترددت الزهرة. ثم دفعت بتلتها قليلًا. وفجأة توقفت. — ماذا بكِ؟ سألتها الياسمينة. — سمعت شيئًا. صمتت الياسمينة. — ماذا سمعتِ؟ أصغت الزهرة. كان هناك صوت خافت جدًا، كأنه رفرفة صغيرة خلف البتلات: ششش... ششش... ثم اختفى. قالت الياسمينة: — ربما كانت الريح. أغلقت الزهرة بتلتها. — ربما. ولم تتحدثا عن الأمر مرة أخرى. في مساء أحد الأيام، تغير لون السماء. اختفت الشمس خلف سحابة رمادية، وبدأت الريح تهب بين أشجار البستان. ارتجفت الزهور. قال عباد الشمس: — ستعود الشمس غدًا. لكن الريح اشتدت. ثم بدأ المطر. في البداية كانت قطراته خفيفة، ثم تحولت إلى زخات قوية. انحنت الزهور. تطايرت بعض البتلات. وتشبثت أخرى بسيقانها بكل ما تستطيع. حاولت الوردة الجوري أن تغلق بتلاتها، لكنها لم تستطع. وصاحت الياسمينة: — تمسكي! لكن الريح كانت أقوى. وفي وسط الفوضى، ظهرت الفراشة الصغيرة. كانت تطير بصعوبة بين قطرات المطر، تبحث عن مكان تحتمي فيه. اقتربت من زهرة، ثم ابتعدت. اقتربت من ورقة، فسقطت الورقة من شدة الريح. واصلت الطيران. ثم اختفت خلف ستار المطر. وفي طرف البستان، بقيت الزهرة البيضاء مغلقة. مرت الريح فوقها. اهتز ساقها، وانحنت حتى كادت تلامس الأرض، لكنها لم تفتح. ثم هدأ كل شيء. في الصباح، كان البستان مختلفًا. سقطت بتلات كثيرة على الأرض. وانحنت بعض الزهور. وكان الصمت يملأ المكان. قالت زهرة البنفسج بحزن: — ماذا حدث لنا؟ لم تجبها الياسمينة. ثم سمع الجميع صوتًا خافتًا: ششش... ششش... هذه المرة كان الصوت واضحًا. التفتت الزهرة البيضاء إلى نفسها، ثم قالت: — إنه هنا. — من؟ سألت الياسمينة. لم تجب. دفعت الزهرة بتلتها ببطء. ثم أخرى. وأخرى. وفجأة ظهرت الفراشة الصغيرة من بين بتلاتها. كانت مبتلة ومرهقة، لكنها حية. حدقت الزهور فيها بدهشة. قالت الوردة الجوري: — كانت مختبئة بداخلك طوال العاصفة؟ نظرت الزهرة البيضاء إلى الفراشة. — لم أكن أعرف. رفرفت الفراشة بجناحيها ببطء، ثم قالت: — لكنني كنت أعرف. اقتربت الياسمينة. — كيف؟ قالت الفراشة: — عندما بدأت الريح، كنت أبحث عن مكان أحتمي فيه. رأيتكِ... ووجدتكِ الوحيدة التي لم تتفتحي. سكتت الزهور. نظر عباد الشمس إلى الزهرة البيضاء، ثم إلى بتلاته التي مزقها المطر. أما الوردة الجوري، فلم تقل شيئًا هذه المرة. في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد. بدأت الزهور تفتح بتلاتها. الوردة الجوري أولًا. ثم الياسمينة. ثم عباد الشمس. أما الزهرة البيضاء، فبقيت مغلقة قليلًا. لم يضحك أحد. كانت الفراشة تحوم حولها. ثم دفعت الزهرة بتلاتها ببطء. فتحت واحدة. ثم ثانية. ثم الثالثة. دخل ضوء الصباح إلى قلبها. وحين فتحت آخر بتلة، طارت الفراشة بعيدًا. حلّقت فوق البستان، ثم عادت واستقرت للحظة فوق الزهرة. همست الياسمينة: — يبدو أنكِ كنتِ تعرفين. ابتسمت الزهرة. — لم أكن أعرف. ثم نظرت إلى بتلاتها المفتوحة وقالت: — كنت فقط أشعر أن الوقت لم يحن بعد. ومنذ ذلك الصباح، كلما تأخرت زهرة في التفتح، لم تعد الوردة الجوري تضحك. كانت تنتظر. فربما كان للزهرة سبب لا يعرفه أحد. وربما... كان «ليس الآن» هو بالضبط ما يحتاجه أحدهم كي يصل إلى الغد.

بعد تسعة أشهر من الادخار، يصبح ياسين على بُعد خطوات من شراء الطائرة التي يحلم بها. لكن رؤيته لزميله يوسف وحقيبته المدرسية الممزقة تضعه أمام اختيار صعب بين تحقيق حلمه ومساعدة صديقه. قصة دافئة عن العطاء الخفي، والتضحية، والسعادة التي تكبر عندما نصنعها للآخرين.