في أورفيوس، تأتي الفصول حين تُعزف موسيقاها. لكن عندما يتأخر الخريف، ثم يتسلل الشتاء إلى لحنه، يبدأ نير، عازف الناي الشاب، البحث في النوتات القديمة عن سرّ الاضطراب. ما الذي تغيّر في موسيقى يعرفها الجميع منذ قرون؟
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 6 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
في أورفيوس، لم يكن الخريف يأتي حين يحين موعده، بل حين تُعزف موسيقاه.
ففي هذه الأرض، لم تكن الفصول تتبدل مع دوران الأيام، بل كانت أربع فرق موسيقية تحفظ ترتيبها منذ مئات السنين. الكمان يوقظ الربيع، والطبول تستدعي الصيف، والناي يفتح أبواب الخريف، أما الشتاء فيبدأ حين تنخفض أصوات التشيلّو الثقيلة فوق المدينة.
وكان كل شيء يسير كما ينبغي... حتى ذلك العام.
تأخر الخريف يومًا، ثم يومين، ثم مر أسبوع كامل، ولم تتغير ورقة واحدة في أشجار أورفيوس. ظلت خضراء، كثيفة، لامعة تحت شمس الصيف.
في اليوم الأول، ظن الناس أن فرق الخريف تحتاج إلى مزيد من الوقت، وانتظروا أن يتغير الفصل من تلقاء نفسه. وفي اليوم الثالث، بدأ التجار يتحدثون عن المحاصيل التي لن تنضج في موعدها، فبدأت فرق الموسيقى تفحص آلاتها ونوتاتها. وبحلول اليوم الخامس، كانت الفرق قد راجعت كل ما يمكن مراجعته، لكنهم لم يجدوا شيئًا.
ومع ذلك، لم يكن من المعتاد أن تُعزف موسيقى فصل قبل أن يحين وقتها، فانتظر المجلس حتى اتضح أن التأخر لم يعد مجرد اضطراب عابر. وفي اليوم السابع، وقد بدأ تأخر الخريف يؤثر في المدينة، أصدر قراره بإقامة عزف الخريف، بعد أن تأكدت الفرق مرة أخرى من سلامة آلاتها والنوتة الموسيقية.
كان نير يقف في قاعة الخريف، وبين يديه الناي الخاص به. لم يكن قائد الفرقة، ولا أشهر عازفيها؛ كان أصغر الأعضاء سنًا تقريبًا، ولم يمضِ على وجوده بينهم أكثر من عامين. لكنه كان يعرف موسيقى الخريف جيدًا؛ يعرف أين يرتفع النفس، وأين تنخفض النغمة، ومتى تبدأ الريح في الخارج قبل أن يسمعها الجمهور.
خرجت الفرقة إلى الساحة الكبرى، وتجمع أهل المدينة حولها. وقف نير بين عازفي الناي، ورفع قائد الفرقة يده.
ساد الصمت.
ثم بدأت الموسيقى.
خرجت النغمة الأولى رفيعة وباردة، وانسابت فوق الساحة. في الطرف الآخر من المدينة، اصفرّت أول ورقة، ثم أخرى. بدأت الأشجار تتخلى عن أخضرها ببطء، وارتفعت النغمات، وتحركت الريح بين البيوت. تحولت الأوراق إلى الذهبي والنحاسي، وبدأت تتساقط.
في نيسورا، مملكة تُنسج معالمها من الظلال، تكتشف إيليرا خيطًا أحمر غامضًا في النول الأكبر. ومع بدء الجسور والطرق في فقدان صلتها بأماكنها، تجد أصغر كاتبة للنول نفسها أمام سرّ أخفاه الحراس لأربعمائة عام. هل تستطيع إنقاذ المملكة قبل أن ينفرط نسيجها؟
شيماء الصاوي0قراءة
ابتسم الناس.
الخريف عاد.
واصل العازفون العزف، وكان اللحن يسير كما ينبغي، حتى وصلوا إلى الجزء الأخير.
نفخ نير في الناي، فخرجت النغمة، ثم جاءت الثانية. وعندما حان وقت النغمة الأخيرة، رأى شيئًا يسقط من السماء.
ظنها ورقة.
لكنها كانت بيضاء.
اقتربت أكثر.
حبة ثلج.
ثم ثانية.
توقفت إحدى الأوراق في الهواء قبل أن تصل إلى الأرض، وغطاها الصقيع. تبعها صقيع آخر فوق سور حجري، ثم ظهر خط أبيض رفيع على أسطح البيوت.
تعثرت الموسيقى.
تبادل العازفون النظرات، فصرخ قائد الفرقة:
— أكملوا!
استمرت الألحان، لكن المدينة لم تعد تعرف أي فصل تعيشه. أشجار عارية جزئيًا، وأوراق ذهبية تحت الثلج، وهواء خريفي بارد يحمل معه لسعات الشتاء.
وحين انتهت الموسيقى، لم يصفق أحد.
في تلك الليلة، اجتمع مجلس الفصول الأربعة. وقف ممثلو الفرق أمام طاولة المجلس، بينما بقي نير في الخلف.
قال أحد أعضاء المجلس:
— هل خرجت الفرقة عن النوتة؟
أجاب قائد الخريف:
— لا.
— هل تغيرت الآلة؟
— لا.
— هل عُزف لحن آخر؟
— لا.
ظل الرجل صامتًا لحظة، ثم التفت إلى قائد الشتاء:
— وهل بدأتم العزف؟
— لم نعزف شيئًا.
ساد الاضطراب في القاعة.
كيف بدأ الشتاء إذن؟
قال أحدهم:
— ربما كان يجب أن نعزف موسيقى الشتاء وننهي الأمر.
التفت نير إليه.
— لا.
نظر الجميع نحوه.
قال:
— لا نعرف حتى لماذا بدأ الشتاء.
التفت إليه أحد أعضاء المجلس.
— وأنت تظن أنك تعرف السبب؟
هز نير رأسه.
— لا. لكن هناك شيء في موسيقى الخريف لم أفهمه.
سأله قائد فرقة الشتاء:
— وما هو؟
أجاب نير:
— في آخر اللحن... شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا.
— ناقصًا؟
— نعم. شيء لا أستطيع تحديده، لكنه موجود في طريقة انتهاء الموسيقى.
تبادل أعضاء المجلس النظرات.
قال أحدهم:
— وهل تظن أن هذا الشيء له علاقة بما حدث اليوم؟
— لا أستطيع الجزم.
ثم أضاف:
— لكنني أريد أن أراجع النسخ القديمة من الموسيقى. ربما أجد فيها شيئًا لم يعد موجودًا في النوتة التي نعزف منها الآن.
ظل المجلس صامتًا لحظات.
ثم قال رئيس المجلس:
— لك الإذن. اذهب إلى أرشيف الموسيقى، وراجع ما تحتاج إليه. لكن لا تغيّر شيئًا في النوتة قبل أن تعود إلينا.
أومأ نير.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب إلى أرشيف الموسيقى.
كان الأرشيف يقع أسفل قاعة الفصول، خلف باب حجري لم يعد يُفتح إلا نادرًا. احتفظت غرفه بمئات النوتات القديمة، بعضها يعود إلى بدايات أورفيوس، وبعضها لم يعد أحد يعرف من كتبه أو لماذا احتُفظ به.
دخل نير حاملاً النسخة التي تعزف منها فرقة الخريف، وبدأ يقارنها بالنسخ الأقدم، صفحة بعد أخرى.
كانت الألحان متشابهة. النغمات في أماكنها، والترتيب نفسه، وحتى علامات التنفس لم تتغير كثيرًا.
لكن عند نهاية موسيقى الخريف، توقف نير.
بين آخر نغمة من موسيقى الخريف وبداية موسيقى الشتاء، وُجد فاصل طويل لا تُعزف فيه أي نغمة، ولا تبدأ فيه موسيقى الفصل التالي مباشرة. لم يكن فراغًا بين صفحتين، بل جزءًا مقصودًا من ترتيب الفصول.
قلب الصفحة.
وجد الفاصل نفسه بين الربيع والصيف، وبين الصيف والخريف، وبين الخريف والشتاء.
أمسك النسخة الحديثة التي يستخدمها العازفون، وقارنها بالمخطوطة القديمة.
الفواصل اختفت.
في النسخة الجديدة، تنتهي موسيقى فصل، وتبدأ موسيقى الفصل التالي مباشرة.
أما المخطوطة القديمة، فكانت تترك مساحة محددة بين نهاية كل فصل وبداية الذي يليه.
بحث نير في الهوامش حتى وجد كتابة صغيرة بجوار إحدى المساحات:
"اتركوا للفصل طريقه."
ظل نير ينظر إلى الجملة، ثم أعاد قراءة النوتة من البداية. لم تكن هناك تعليمات لعزف تلك المساحة، ولم يكن مطلوبًا من أحد أن يملأها.
كان المطلوب فقط ألا يبدأ الفصل التالي فورًا.
في النسخة الحديثة، لم يعد هناك مكان لذلك.
حمل نير المخطوطة والنسخة الحديثة، وعاد إلى المجلس.
وضعهما أمام الأعضاء.
قال أحدهم:
— ماذا وجدت؟
فتح نير المخطوطة عند نهاية الخريف.
— هذه النسخة أقدم من النوتة التي نستخدمها الآن.
أشار إلى الفاصل.
— هنا، بعد آخر نغمة من الخريف، لا تبدأ موسيقى الشتاء مباشرة.
ثم قلب الصفحات.
— ونفس الشيء بين كل فصل والذي يليه.
اقترب رئيس المجلس.
— وهل كان هذا مقصودًا؟
أجاب نير:
— يبدو كذلك.
قال قائد الشتاء:
— وما الذي يحدث إذا تركنا هذا الفاصل كما هو؟
رفع نير عينيه عن المخطوطة.
— لا أعرف.
قال أحد أعضاء المجلس:
— إذن لا نستطيع المخاطرة.
رد نير:
— لكننا خاطرنا بالفعل.
ساد الصمت.
— عزفنا النوتة الجديدة، وبدأ الشتاء قبل أن ينتهي الخريف.
نظر رئيس المجلس إلى المخطوطة طويلًا.
ثم قال:
— سنجرب.
لم يكن الخريف قد انتهى تمامًا. رغم الثلوج التي ظهرت في اليوم السابق، ظلت أوراق ذهبية عالقة بالأشجار، وظلت الريح تتبدل بين دفء الخريف وبرودة الشتاء. كان الفصلان متداخلين.
ولهذا قرر المجلس اختبار ما وجدوه في المخطوطة.
في صباح اليوم التالي، اجتمعت فرقة الخريف وفرقة الشتاء في الساحة. وقف عازفو الناي في أماكنهم، بينما انتظر عازفو التشيلّو على الجانب الآخر.
بدأت فرقة الخريف بالعزف.
تحولت الأوراق إلى ذهب، وهبطت الريح، وتناثرت الأوراق فوق الشوارع.
حتى وصلت الموسيقى إلى نهايتها.
هذه المرة، لم يحاول أحد إكمال اللحن بنغمة إضافية.
رفع قائد الفرقة يده.
وتوقف العازفون.
لم تبدأ فرقة الشتاء.
لم تُسمع الطبول.
لم يخرج صوت من الناي.
ولا الكمان.
لا شيء.
فقط المدينة.
مرت لحظة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
تحركت آخر ورقة على غصن بعيد.
انفصلت.
وسقطت.
بعدها بدأت الثلوج.
ليس دفعة واحدة، بل بهدوء.
حبة، ثم أخرى، ثم عشرات.
اكتست أسطح البيوت بالبياض، بينما بقيت الأوراق الذهبية تحتها.
تلاشى الاضطراب شيئًا فشيئًا. توقفت الريح عن التردد بين الدفء والبرد، واستقر الهواء.
نظر نير إلى الأشجار.
هذه المرة، لم يتداخل الفصلان.
انتهى الخريف أولًا.
ثم جاء الشتاء.
رفع رئيس المجلس يده نحو فرقة الشتاء.
— الآن.
بدأ التشيلّو.
وانطلقت أولى نغماته العميقة فوق الساحة البيضاء.
بعد ذلك اليوم، أعاد المجلس كتابة النوتات الأربع. لم يضيفوا لحنًا خامسًا، ولم يصنعوا آلة جديدة. أعادوا فقط الفواصل التي كانت موجودة منذ البداية.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد أحد في أورفيوس يملأ الصمت خوفًا من أن يتأخر الفصل التالي.
فقد عرفوا أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى نغمة جديدة...
بل إلى أن نترك لها المساحة التي كانت موجودة منذ البداية.
يسافر سيل إلى كوكب أوران ليجمع أصواتًا تحتفظ بها الصخور منذ قرون، لكن نقرات غامضة تقوده إلى اكتشاف لم يكن يتوقعه. وبين الرمال الفضية وأصداء الحياة القديمة، يتتبّع طريقًا لا يُرى، بل يُسمع.